الغرف المقبضة

| |




إلى السوسنة الغائبة حتى تعود: الصديقة سوسن



من أين يتسلل كل هذا الموت؟
وكيف تسقط الشجرة في قيامتها الأخيرة كفرسٍ نازف؟
ثلاث نساء.. أضأن الحياة، وبعد الغياب، فتحن عيني الفتى على العالم من جديد
وفي حضرة الموت نصبح خارقين كأنبياء، وشفافين كملائكة
للحنين مواعيد، تكشف لنا كم هي التواريخ ساخرةٌ وسادية.. فكيف إذا كان الحنين يطرق أبواب الغرف المقبضة؟


1969


في المنزل الصغير القريب من محطة القطار.. كان الكل في الانتظار
المحطة التي انتظروها كان اسمها الرحيل


الجدة راقدة في فراشها تُحتضر، لا تتحرك إلا لتقبيل وجنة أحد أحفادها. ساعتها فقط كانت تفتح لهم حقائب الدعاء. تغمر حفيدها الأكبر بحنانها فيشم رائحة أرضٍ يعانقها المطر
حين تتحسن حالها بعض الشيء، كانت توزع الأمل على المحيطين بها.. تحتضن أبناءها، وعندما تخلو إلى نفسها تنشد أغنياتٍ قديمة ما تزال نائمة في جرة الملح
صوتها مثل ترقرق نبعة الريحان
لعينيها الموجعتين شرفاتٌ تطل على الوديان، التي استعارت لونها من أخضر أيامها
بياض شعرها يزيدها فتنة
سمرة حنون، وعينان تلخصان سحر الضوء، ووجه آتٍ من الجنة.. جنة، تطوي داخلها نار المرض
كانت تبتلع آلامها مع أقراص الدواء، في صبرٍ يعجب له الآخرون
كم هي بارعةٌ في وحدتها، ومبدعة في حزنها
يتهامسون حول مرضها الذي لم يُعرف منه شفاء، ويمصمصون شفاههم
في أيامها الأخيرة استسلمت للمرض..الموت يجري وراء بني آدم، وهي تجري وراءه
عيناها، اللتان كانتا تبحثان في السقف عن نجمةٍ غائبة، قالتا كل شيء: ستكون هزائمي مريحةً لكم هذا المساء.. القبر الضيق يناسبني تماماً، كي أصعد إلى قبة السماء وأصبح جارتها الحميمة
حين لفظت آخر أنفاسها في الغرفة ذات السقف العالي، كان الهواء يحتضن اللحظة الثقيلة، الأرصفة التي تطير عليها بقايا أكياس نايلون، والدموع المحبوسة في المآقي..وفي الخارج كان الناس يحتفلون بقدوم العيد
يفتح الحفيد عينيه على حلوى العيد كماء تجذبه ضفتاه.. يسير على هدي ضوء شاحب يرسم صفحاته بهشاشة اللحظة.. والوحشة تستوطن الغرف
أراد أن يدخل على الجدة، منعوه بلطف، لكنه ألح.. أخذوه بعيداً والغموض يلف المكان

وفي الفراق، نرى ما غاب عنا..ويغيب عنا ما ألفنا رؤيته
يصعقه الشعور بالفقد..يكره الموت، يعلنه رجلاً، يقتله بدمه
ما أثقل غيومه، حين سماؤه تنزح للبعيد
والفتى الذي يقاوم الرضا والتسليم بما قُسِمَ، يوقن بعد عناد أن حائط الصد الذي كان يحتمي به ويحميه وقع
عند تشابك الأحياء بالموتى، دفنوها.. ها هي الجميلة تستريح على سرير جمالها
يشعر أن هذا التراب مفعمٌ بالموت، ويرى الأفق حافلاً بقصص اليُتم
ولسنواتٍ طويلة ظل يلومها: كيف تقترف كل هذا الغياب؟


1996

يدها تعطس بالنجوم
في حضورها، تخر الملائكة أمام هيبة الجمال
الصيف يحيط بثوبها مثل الأزهار


شعرها الأشقر كأنه خيوط الذهب، يقرأ الريح ويهز أشجار الصحراء بعنف.. صورتها بالأبيض والأسود المعلقة في غرفة الجلوس تشبه ريتا هيوارث: أيها الجمال، يا لبهائك!
تتوهج كشجرة عيد الميلاد
يا لها من نضارةٍ.. كأنها السماء الثامنة
الإيقاع الذي تتحرك به بخفةٍ يجعلها خارجةً للتو من كتاب حوريات البحر
كانت تنظر إلى أحفادها بما يشبه فرح الفلاح بنماءِ غرسه وسط الجفاف
يعشق الحفيد كأس الشاي الذي تعده بتروٍ؛ كأنها تعد مشروباً ذا خلطة سرية
حضنها الأمومي ينافس رفة الفراشات الحانية..وأجمل ذكرياته عن الدنيا كانت حين تحمله على كتفيها وتدور به..كان يرى العالم من فوق، والدهشة تنفرط من وجهه
تقول له: منتهى رعبي أن أحملك بين يدي وأقذف بك إلى الأعلى، فتطير إلى السماء
وفي إحدى الأمسيات، تمنحه فرصةً نادرة لمعرفة الماضي البعيد.. تحكي له عن زوجها الأول:
"تزوجته وأنا ابنة الرابعة عشرة..كان يضربني، ويقول لي إنه يؤدبني"
عالياً ترسل بكاءها إلى الله، وفي ارتباكتها تقلقل كأس الماء
تركت قسوة الزوج الأول، وتزوجت ثانياً لتحبل خاصرة الندى بشجرتين
لم تكن تختلف مع زوجها الثاني إلا في نطق اسم الشمس: هو ينطقها "الشمش" وهي تقولها "السمس"!
لكنها كانت ضياء الشمس وأكثر
منزلها المطل على مصنع النسيج، يرمز إلى قوتها، حين خرجت للعمل في تجارة العائلة.. نفضت عنها الرقة كي تشتري وتبيع، فالأسواق لا تعترف إلا بالتاجر الشاطر
اسمها: سُكَر
وحين أراد المرض أن يرسل إليها رُسله، اختار لها الداء المناسب: السُكَري
شريط حياتها مثقوبٌ بحوافر الألم، ليس هناك متسع لجرح
تقتطف لجسدها زنابق الدمع، وتمضي كأنها قطرة ماء
تذوي الوردة، يتسلل المرض إلى جسدها، يبتر الأطباء إصبعاً من قدمها اليمنى بعد جرح بسيط، توغل فيه المرض وتغول.. يمازحها الحفيد قائلاً: هذه أجمل إصبع تحت الأرض
لكن جيش الأحزان يزحف حاملاً معه الأسى
ليلٌ أسود متناثر، رجال يعبون الشاي، ونساء يفترشن الحكايا حول الغرفة المقبضة
في هدوءٍ وسلام ترحل المتوضئة بالكبرياء
يدخل عليها، فلا يجد غير جسد مسجى في سواده، منتظراً غُسله الأخير
جسد ساكن، ووجه تحت سكينة الأنبياء
الغرفة تقتفي رائحتها الزكية، والملائكة تحوم في انتظار الصعود
يتأمل النوافذ الموصدة بالحديد.. لا وجه على زجاجها ولا ألفة تتوارى خلفها
ثمة وقت كي نسحب ملاءة الحنين

1999



أول ما يلفت انتباهك إليها هو نبلها العالي وانضباطها الرفيع
كانوا ينادونها أم كمال نسبةً إلى ابنها البكر، وكان الفتى يناديها أم الكمال...فلا امرأة تلخص النضج سواها
وحين عرف اسمها الحقيقي، قالت له وطيف ابتسامةٍ على وجهها: أوحشني اسمي كثيراً
بدت قريبة الأم جدته التي كان في حاجة إليها، وهو الغريب في وطنه. وجد فيها بوصلته التي تهدي، والمنارة التي ترشد. لم يعرف يوماً امرأة تختزن كل هذا التعقل
أم الرجال السبعة، صنعت منهم رجالاً بعد أن تركها الزوج ليتزوج بأخريات أصغر سناً وأكثر جمالاً، في تقليدٍ عائلي عريق. وكلما طلق واحدة وتزوج أخرى، كان أبناؤه الجدد من نصيبها، تربيهم وتضمهم إلى قبيلةٍ هي رأسها ورمزها
تضيق عيناها وهي تحكي عن الأبناء الذكور الذين ماتوا لها أثناء الولادة أو بعدها بأسابيع
والأنبياء في الزمن الأخير لا يعيش لهم صبيان!
حكمتها تحرث الحقول البكر في أدغال الروح
تنبهك دوماً إلى الحروب المقبلة، وتحذرك من ميزانٍ يتأرجح في يدك، وتفاتحك في شأن غيمٍ غريب
تمنح طيور السعد لأحبائها الذين ولدوا تحت برج الخسارة
مجلسها على الأريكة الكبيرة التي تصلي أيضاً فوقها، أصبح ملتقى العائلة.. الكل يبحث عن حل لمعضلةٍ أو مخرجٍ لأزمة..والكل يعرف أن الرأي الصائب هو ما تنطق به
تنبيء الأرض عن أهلها، تعرف هَبَة الريح، وتنسج نور الشمس، وتسافر إلى المدى، فيختبئ من أمامها في ذاته
تأتيها القريبة لتحدثها عن حبٍ يخفق له قلبها من أحد أبناء العائلة الممتدة كشجرة زيزفون، فتقول لها: العابث لا يتزوج، وصاله كشمس الخريف الكاذبة، حارقة غائبة
وعندما تغادر القريبة، تعلق في اطمئنان: ستنساه.. ملاكها أقوى من شيطانه
لم تكن تخدعها دمعةٌ، ولا تضللها ضحكةٌ..قاضيةٌ تحكم في بيتها الأرضي المطل على شارعٍ لا يمل الزحام
تساعد الفتى على خلع روحه الثقيلة، التي أصابها العطب
حين أراد السفر قال لها: أبحث عن شاطيء.. ردت قائلة: الشواطيء مفهومٌ نسبي للنجاة، فهي تحمل الموت للحيتان مثلما تعني النجاة للبشر
وعندما حدثها عن أحلامه التي يقيدها المكان، أجابته: كل الحدود تتقن لغة الفظاظة..رجال الحدود يصرون على أن تتجرع فنجاناً من الإهانة مع كل عبور
وأمام إصراره، تنصحه: سافر خفيفاً لتعود يوماً..فالريشة تعرف مكان طائرها
يمضي كزورقٍ مثقوب على صفحة ممتدة لا تنتهي، وغبار يغلف مدى الأشياء. يخبئ الهوى في كمه، ويعبيء الليل في جوفه
على البُعد، كان يرى بلاده حضارة انتظار: وجهها في المرآة جيشٌ، بالغ قائدُه في الانتظار.. فانكسر
في أيامها الأخيرة، تصبح الجبل المنسي، والوقت الكئيب يزحف كثعابين الصيف في أرض عطشى مشقوقة
في لقائهما بعد طول غياب، أرخى نظره كأنه عاد للتو من رحلة صيد طويلة مجهدة، كأنما يفرز الأحلام والحسرات ويقف منتصباً بينهما
يلاحظ: بقع من مآسيها القديمة تفرش على وجهها، وتزاحم آثار كَلَف الحمل المتكرر
وهن العظم، وإن ظلت حاضرة الذهن، حادة الذكاء..حضور يربطها بقوة بخيوط الحياة. حدثته يومها عن ابنها الضابط الذي مات قبل عقود وهو يقاتل ببسالة: "في الحرب يكون الموت ضرورياً كي نستحق الحياة"
سألته عن حاله، فلما أجابها بأنه مازال يهيم على وجهه بين بلاد الله، طمأنته قائلة: الماء لا يسجنه أحد.. له سيرة الخروج.. له سيرة غير الانتظار.. عندما يسكن الماء لا يكون ماء
في نهاية اللقاء، كاد يغادر الغرفة، قبل أن يأتيه صوتها العميق: اصبر.. فالمعجزات على بُعد خطوة
بخطى بطيئةٍ، عبرَت إلى المدى المنفتح على مصارع الموت
وبين الفينة والأخرى، كانت تنتفض لتقاوم بإباءٍ منحدر النهاية وجاذبية الهوة اللعينة
وحين رحلت، تمنى فقط أن يلثم يدها
في سرادق العزاء رجالٌ جالسون بلا رؤوس، ونسوة غلب سوادهن سوادَ الليل: الكل يصهره خلودها
في تلك الليلة، حطت نقطة ضوء فوق فراشها، علَها تتشرب قليلاً من حكمتها
بعد رحيلها اعتزل صياد الموت مطاردة باقي أفراد العائلة، فبعد الصقر لا تُصطاد عصافير

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "الغرف المقبضة"

أكتب تعليقا