كتاب الرغبة (12): رائحة الشوق

| |




خلف كل امرأةٍ تسقط، مدينةٌ سقطت.. وخلف كل مدينةٍ تسقط حاكمٌ سيطرت عليه شهوة الحُكم أو الانتقام

ولعل حكمة الأيام تعلمنا دائماً أن المدن والشوارع والنساء أول ضحايا التحولاتِ السياسية. إذ إنه بعد كل ثورةٍ أو انقلابٍ تغير المدن ملامحها، وتُغتال أسماء الشوارع لحساب أسماء الجلادين الجدد، وتفقد النساء هويتهن الحقيقية لتطل من وراء البيوت غيمةٌ كئيبةٌ، تبدو مثل ثديٍ هائل، كلما لعقته الريحُ اسودَ وتضخم

في كتابها "الغريبة" (ترجمة: حسين عمر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2007) تقدم مليكة أوفقير حكاية امرأة سقطت من حسابات الزمن ثم عادت إليه.. فعانت الضياع وآلام التأقلم

ومليكة أوفقير هي ابنة الجنرال محمد أوفقير، والتي كان قد تبناها الملك محمد الخامس منذ الخامسة من عمرها لتتربى مع ابنته الأثيرة الأميرة أمينة في قصر الرباط الملكي. وجاءت محاولة الانقلاب التي وقعت في 16 أغسطس آب عام 1972 ضد الملك الحسن الثاني - الذي وصل إلى الحكم بعد وفاة أبيه محمد الخامس- نقطة تحولٍ نحو الهاوية في حياتها وحياة أسرتها، حيث يُقتل الأب أوفقير، ويُحكم على زوجته وأولاده الستة بالسجن، وكان أصغرهم في الثالثة من عمره

و"الغريبة" – الذي كتبته مليكة أوفقير مجدداً بمشاركة صديقتها ميشيل فيتوسي- هو الجزء الثاني من كتاب "السجينة" (صدرت له أكثر من ترجمة باللغة العربية، لعل أبرزها ترجمة غادة موسى الحسيني، دار الجديد، بيروت، 2003)

في "السجينة" تروي مليكة يومياتها المعذبة وتحكي عن قلقِ الليالي الانفرادية، الجوع والعطش، وكبتِ امرأة محرومة من الحب، وكذلك ظروف عائلةٍ أُريد إنزال أقصى العقوبات بها: النسيان
وهي تسرد تفاصيل الفرار من السجن بخطةٍ أقرب إلى الخيال، قبل أن تقضي العائلة خمس سنوات قيد الإقامة الجبرية في المغرب، إلى أن تحصل مليكة على جواز سفر وتغادر إلى فرنسا
أما في "الغريبة" فإنها تروي حكاية السجن الذي سكنها وسيطر على ذاكرتها ورافقها إلى عالم الحرية. وهي تتابع بأسلوب شهرزادي سرد تجربتها المؤلمة والمؤثرة، بعد صراعٍ من أجل البقاء عاشته في غياهب سجون الصحراء، منتصرة أخيراً بفضل إرادةِ الحياة على ظلم السجَان
بعد أربعة وعشرين عاماً من الحياة في ظروفٍ مزرية – تسعة عشر عاماً في السجن وخمسة أعوام قيد الإقامة الجبرية- تنطلق مليكة إلى عالم الحرية..عالم بدت غريبةً عنه ولم يكن التواصل معه سهلاً إلا بمساعدة أناسٍ أحبّوها وأحبّتهم، خرجت من السجن، إلاّ أنّ السجن أبى أن يخرج منها
"بقيت زمناً طويلاً في سجنٍ وهمي، منفرد، يبعثُ على الكآبة. لا تمرّ الدقائق بالنسبة لي بالطريقة نفسها التي تمر بها بالنسبة للآخرين. إنّها طويلةٌ، متوعدة، غامضة" (ص 45)


تصطدم بمظاهر التطور والتغيير الحاصل على كل شيء، حتى للبشر، فكيف لها أن تعايش عالماً متغيراً بمفاهيم أصبحت هي متخلفة عنها


"لقد احتفظتُ من الزمن بمنظورٍ مشوه يمنعني، اليوم، من أن أكون دقيقة في مواعيدي. لقد تخلفت بخمسة عشر عاماً عن الحداثة" (ص45)


وكتاب "الغريبة" يلقي الضوء على هذا الصراع الداخلي الذي يبدأ معها من أبسط الأمور، كطريقة حصولها على المال من جهاز الصرف الآلي، والدفع لسائق سيارة الأجرة ، واستخدام صنبور المياه الذي يعمل من دون لمس في المطعم، وغيرها من الأمور اليومية، وصولاً إلى هاجس الأنوثة الذي ظل يلاحقها طوال فترة السجن


رغبتان تنازعتا دوماً مليكة أوفقير: الأنوثة..والأمومة


"لن أصبح أمّاً أبداً. العُقم، دوَت الكلمة كأنها حُكمٌ قطعي. ترك السجن وسواساً حقيقياً للأمومة يسيطر عليّ، وكأن الولادة كانت الطريقة الوحيدة لأغدو امرأةً مستقلة تماماً. مع إيريك، جرّبتُ كل الطرق: معالجات هرمونية، تلقيح اصطناعي، تخصيب عبر فيترو، جماع في أوقات ومدد محددة، عيادة أكبر الاختصاصيين بينهم د. رينيه فريدمان. في كل أربعاء كنا، إيريك وأنا، نذهب إلى لييج، لتمنحني إحدى شقيقاتي بويضة. لمجرد رؤية اللوحة التي تحمل اسم لييج كنتُ أرتعش وكان قلبي يؤلمني. على مدى ثلاثة أعوام، اتبعتُ سباقاً شاقاً في علاجات مضنية، كان تأثيرها النفسي مفجعاً. في بعض اللحظات، بعد صدور "السجينة"، كنتُ أشعر بتضاؤل جدارتي بالأمومة، بحيث كنتُ أريد تقويض علاقتنا. شعرتُ بإلحاحية التقويض الذاتي: شيءٌ ما كالانتحار. صمدت العلاقة الثنائية. كان إيريك ملاكاً صابراً. غفرتُ لأولئك الذين سجنونا لعشرين عاماً، إلا على شيء وحيد: حرماني من أن أكون أمّاً" (ص 175)
كانت مليكة قد أصيبت بالتهاب الصفاق أثناء سنوات السجن، وبسبب سوء الرعاية الصحية، تدهورت حالتها لتصبح عاقراً
وهي حين تعتني بنوال، ابنة أختها مريم التي تعيش فريسة نوبات الصرع منذ أيام السجن في المغرب، والتي تتقاذفها المستشفيات، تدرك أنها يجب عليها رعاية الفتاة التي انفصل والداها مريم وفؤاد، فالأم في حال صحية سيئة بحيث لا يمكنها الاعتناء بنوال، والأب يعيش في الرباط وغائب في معظم الأوقات. ومع ذلك، يبدو رأي مليكة واضحاً: "لستُ أمها، ولست متأكدة من قدرتي على أن أكون يوماً كذلك"، و"هل سيمكنني أن أنسى ذات يومٍ أن الطفلة التي تغطُ في نومٍ عميق في الغرفة بنهاية الرواق ليست طفلتي؟ هل سأملكُ ما يكفي من الحب لأمنحها إياه، أنا التي أحسُ بأنني غاية في الضمور واليباب؟" (ص 176)


غير أن حادثاً وقع لها ذات مساءٍ شتوي قَلبَ المعادلة


فقد حاول لصٌ سرقة حقيبة يد مليكة في الشارع، لكنها تشبثت بها لأنه لم يكن من السهل عليها أن تُنتزع منها هويتها وأوراق حياتها هكذا ببساطةٍ في زاوية شارع. هددها المعتدي بأن يهاجم صبيتها إن لم تترك له الحقيبة، فضغط على الزر الخطأ الذي انفتحت معه أبواب الجحيم. تحولت الفريسة إلى قطةٍ شرسة، لتنشب مخالبها في المهاجم حتى لاذ بالفرار من دون أن ينال مراده. فتح الحادث عينيها واسعاً على الأمومة، الأمر الذي لم يكن أي معالجٍ نفساني قد نجح في تحقيقه. "ربما ذلك الغوص في أعماق الغريزة الأولية أتاح لي التحقق كم كنتُ والدة الطفلة التي أربيها، دون أن أدرك ذلك" (ص 179)


لحظةٌ كاشفة وكافية تماماً لبلوغ اليقين


"الآن أعلمُ أنه ليس من الضروري أن تنجب المرأة طفلاً لكي تحبه، وأن كل من سيحاول انتزاع نوال مني سيقوم كذلك بقتلي في المكان نفسه. كما أعلم أن هذه الطفلة التي ستكبر في حضني سيمكنها أن تعتمد عليَ طويلاً إلى أن ينمو جناحاها
أنا أمٌ، وكنتُ أجهلُ ذلك" (ص 180)


وربما أضافت مليكة إلى حياتها شعوراً أقوى بالأمومة بعد تبني أو كفالة آدم، ذلك الصغير الذي التقته لأول مرة في مبنى رابطة حماية الطفولة في مراكش. "انتظرتُ عشرة أعوام كي أتخذ القرار بأن أكون أماً، لأقرّ بأن هناك أيضاً حرية يمكنني معانقتها" (ص 37)


أما الأنوثة التي ظلت حبيسة في أحلى سنوات العمر، فتفرد لها مليكة أوفقير فصلاً خاصاً يحمل عنوان "الحب في الأربعين".. وهي تحكي عن نشيدٍ من الرغبات يرجُها رجاً، بعد سنوات السجن والرقابة الأمنية اللصيقة


"الرجل الأول في حياتي، الذي كان لا بد من أن يجعل مني امرأةً حقيقية، هبط على حياتي، بعد قليلٍ من إطلاقي من السجن"


كان عمرها آنذاك 43 عاماً..العمر الذي تشم فيه المرأة رائحة الشوق من بُعد، فتكفُ عن التيه وتهتدي إلى الشيء الناقص في حياتها


معضلةٌ حقيقية أن تشعر المرأة بقطار العمر المندفع، في حين تكتشف فجأة أنها تملك قلب فتاةٍ طائشة


"أنطونيو، إيطالي، جميل مثل أبولون، أشقر، شعره مجعد وناعم الملمس، له لحية قصيرة. على قدرٍ كبير من الفتنة والجمال. إنه ممثلٌ كوميدي، التقيت به أثناء تصوير الفيلم الذي دُعينا، أختي ماريا وأنا، إليه من قبل صديق طفولة، ومستشار ثقافي في السفارة، وقد التقيت به عند خروجي من السجن" (ص 181)
كانت أختها ماريا أول من انتبه إلى اهتمام أنطونيو بمليكة، فلفتت نظرها إليه، "ودلتني عليه خفيةً بإشارة من إصبعها. فعلاً، إنه جميل، ولكن لم أرَ سوى نظرته المثبتة علي. ولو كان بإمكانه، لالتهمني كاملة" (ص 182)
وفي حفل أقامه المنتج بمناسبة عيد ميلاد أحد الممثلين، سنحت فرصة التلاقي. "أخافُ الحشد. ولكن عليَ أن أُرغِمَ نفسي. عليَ أن أتحدى عفاريتي. كنتُ هناك، مترددة، حينما أخذتْ يدٌ يدي بلطف. ثمة حرارةٌ جافة في تلك اليد، بحيث لم أبدِ أية مقاومة. تشابكت أصابعنا برقةٍ ثم شعرتُ بضغطٍ شديد، وكأن صاحب اليد، وهو يكاد يهرس أصابعي، كان يريد أن ينقل إليَ كل حُبِ الدنيا" (ص 183)
تسائل مليكة نفسها عما يحدث لها ومعها "ولكن، عيناه لا تكذبان. يبدو هذا الرجل مجنوناً بي. تكمن صعقة الحب إذاً في مكانٍ آخر غير الكتب" (ص 183)


جذبها الشاب الإيطالي بهدوء نحو قاعة الطعام، ولكن عندما لاحظ امتناعها العفوي، أحضر كرسيين ووضعهما حول طاولة في خارج القاعة. ظلّ نظره مسمّراً عليّها وكأنّه مفتون، فانسحبت ماريا عندئذ، وبقيا وحدهما خارج القاعة من دون التلفّظ بكلمة واحدة. وعندما ارتجفت مليكة من البرد، تناول كنزة سوداء مصنوعة من الكشمير موضوعة على كتفيه، ولفّها بها كما يلفّ الشال. ثم وضع يديه على كتفيها وراح يدلّكها برقةٍ وحنان
وكلما اقترب أنطونيو منها خطوة، شعرت مليكة بأنها خرساء كفتاةٍ صغيرة فزعة، مذعورة، تنتقل بغموض من الفرح إلى الخوف. قدّم لها أنطونيو كأس نبيذ أبيض، وبذل جهداً ليحدّثها باللغة الفرنسية. وقال لها: "اشربي النبيذ وسيشعرك بالدفء" ..لكن النبيذ جعلها تشعر برجفةٍ أكبر، إذ لم تكن معتادة على تناول الخمر. وعندما لاحظ حالتها، توقّف عن تقديم النبيذ وقدّم لها كأس كونياك. غير أنها لم تعد تستطيع الصمود وشعرت بأنها مريضة، فوقف وعرض عليّها أن يرافقها إلى غرفتها


"مددني على سريري، بقي إلى جانبي بلا حراك. الفتاة الصغيرة في داخلي كانت أكثر رهبةً من أي وقتٍ مضى. التويتُ على نفسي
قرفص عند أسفل السرير ورمقني مطولاً
- ولكن من أنتِ؟ سألني. ومن أين أتيتِ؟ تبدين وكأنكِ تحملين كل بؤس العالم وشقائه في نظرتكِ" (ص 184-185)
شعرت مليكة بانقباض وراحت تشهق وتنتحب. بقي أنطونيو إلى جانبها حتى طلوع الفجر، وهي تشد نفسها إليه من دون أن تكفّ عن البكاء


وفي اللحظات الصعبة تتداعى الذكريات. وكما يفعل لاعب الغطس حين يثني قدميه على العارضة الخشبية المرتفعة أولاً ليتأكد أنه يقف على شيءٍ صلب قبل القفز، أطلت برأسها حكايات الحب والغرام القديمة


"من أين أتيت يا أنطونيو؟ من مكانٍ معتمٍ وجليدي حيث انتهيتُ بالاستسلام: لن أعرف الحب أبداً. بالتأكيد، ككل فتيات جيلي، كانت لديَ بعض المغازلات، ولكنها لم تكن قط جدية. لقد أحببتُ أحياناً. كان حبي في السابعة عشرة بريئاً كأي حبٍ أول. حتى أني كدتُ أعلن خطوبتي مع شابٍ ظريف التقيت به في باريس، في سنة دراستي للبكالوريا. وقد واظبنا على المراسلة في بداية أسري، في تاماتاجرت، حينما كان لا يزال بوسعنا تلقي البريد. ولكن سرعان ما توقفتُ عن الكتابة إليه؛ رغم رسائله المتأججة شغفاً، لم يكن يدرك شيئاً عن وضعنا المنعزل
لقد أخذني رجالٌ بين الأذرع، وهمسوا لي بكلماتٍ عذبة. لقد عرفتُ ما كان يعنيه الرقص البطيء باسترخاء، وتقبيل صبي من ثغره
في باريس، عرَفتني ابنة خالتي ليلى شنا، الممثلة الشابة الفائقة الجمال التي هام بها لخضر حامينا، مخرج "وقائع سنوات الجمر"، إلى آلان ديلون وجاك بيرن. عقدتُ مع كلٍ منهما علاقة غامضة، صداقة حبِ لم تذهب بعيداً. راعى الاثنان الفتاة الشابة التي كنتُها آنذاك، المحاطة بالقيم الفاضلة، الحريصة على شرفها، وإن كنتُ أحبُ الرقص والتسلية أكثر من كل شيء" (ص 185-186)
لكن هذا بدأ كأنه شعورها قبل قرون لا تُعد ولا تُحصى.. قبل أن تُعذب مع أفراد عائلتها في سجن منعزل في الصحراء لسنوات
"في السجن، كنتُ عازمةً بشدة، في حال استعادتي للحرية، على أن أرمي بنفسي في سرير أول قادمٍ لأنال مُرادي. ولكن الواقع أكثر تعقيداً. ألستُ معرضة للانكسار، في حين أنني لم أبدأ إلى الآن بالخطو على دربي؟" (ص 186)
تروي لنا مليكة كيف كانت تحكي أيام السجن لإخوتها عن فتى الأحلام، مع التركيز على الحب أكثر من المتعة الجسدية كي لا يشعر أحد بالكبت الذي يحاصرها ويخنقها. "كم من الليالي المنعزلة، في تلك الزنزانة المعتمة، مستلقيةً على حشيتي البائسة، حلمتُ بأنني سأمارس الحب؟ في الصباح، كنتُ أستيقظُ يعتصرني الحزن والمرارة" (ص 186)

"في العشرين من عمري، نسيتُ تدريجياً ما يعنيه أن أكون امرأةً، شهيةً ومشتهاة. لم أعد أجيد الابتسام والضحك والرقص لرجلٍ يرمقني فيشعُ بريق الرغبة في عينيه. تخونني الغواية، ولم أعد أجيد الإغراء
أحتفظ لجسدي، الغارق في الرقاد لزمنٍ طويلٍ جداً، بالانعكاسات الضرورية للبقاء: الأكل، الشرب، النوم، السير..
وثم ماذا؟ لا شيء آخر.. لم يعد جسدي يشعر حتى بالحزن، إنه معدوم" (ص 187)


ربما لهذا حاولتْ تجنب أنطونيو، لكنه كان عاشقاً
"قدم لي زهوراً، وغنَى بافاروتي وشدني بخطواتٍ واسعةٍ في الصحراء، عند مغيب الشمس. وذهبنا للعشاء وحدنا. اجتمعت كل المقوماتِ لكي أستسلم للغواية. ولكن فشلت" (ص 188)
وفي ظل إصراره، بدأت مليكة تتساءل إن كانت ستجيدُ يوماً الاستسلام لهذا الرجل
"حدث لي هذا مرةً وحيدة. حينما أدركَ أنني عذراء، حينما شاهد رد فعلِ جسدي، بلغ بي الارتعاش حداً ما عدتُ أستطيع التوقف عنه
جلس
بكى
- ولكن ماذا فعلوا بكِ" (ص 188-189)
شق عليها أن تروي له تجربتها الأليمة، وبدلاً من ذلك أخذ هو يحدثها عن حياته، كمطلق ٍ وأبٍ لطفلين

وحين أخذت في تهجئة حروف فعل الحب، توالت الانفجاراتُ من امرأة حُرِمت طويلاً من الشعور بأنوثتها
"كنتُ واضحةً جداً. حينما داعبني، أو حينما اكتشفتُ جسده،انتابني الشعور بأنني أتصفحُ قاموساً. أتعلمُ هذه اللغة الجديدة كلمةً بكلمة. أجدُ وأثابرُ فيها. ولكن الإحساس يخذلني بغيابه
أشاهدُ نفسي وأنا أقوم ببعض الحركات. لا أحسُ بأية لذة. إنه مغرمٌ أشدَ الغرام بي، أشعرُ بذلك، أرى ذلك. أنا مغرمةٌ بالحب، وهذا كل ما في الأمر. أعتقدُ أنني أشعر بأنوثتي، ولكنني لا زلتُ بعيدةً جداً عن الواقع. احتجتُ للقاء إيريك، الذي سيصبح زوجي، لأعرف ماذا تعني هذه الجملة بمعناها الحقيقي" (ص 189)
حاول أنطونيو إقناع مليكة بالهرب معه إلى إيطاليا، لكنها رفضت، فعاد لزيارتها مرة ثانية ليقضيا معاً أياماً إضافية في بحر العشق، إلى أن جاء يومٌ طرق فيه أربعة من رجال الأمن بابهما. سألها أحدهم وقد قرر أن يلعب دور الشرير مقابل زميلٍ آخر لعب دور الظريف: "هل تدركين أن والدكِ، لو كان حياً، ما كان ليتقبل أن....أجنبي". أغضبها هذا بشدة فطلبت من أنطونيو أن ينتظرها في الغرفة، في حين أخذ رجل الأمن الشرير ينعتها بكل الألقاب: ساقطة، عديمة الأخلاق، عار الإسلام. وبينما أخذ رجلا الأمن اللذان ظلا صامتين في تسجيل الحديث، استطرد رجل الأمن الشرير في توبيخها متسائلاً: بأي حقٍ تسمح لنفسها بتدنيس اسم عائلتها بإيواء رجلٍ ليس زوجاً لها؟!
ومع استمرار الضغوط، طفح بها الكيل
"- أمارسُ الحب مع من أشاء!
دوت كلماتي كطلقٍ ناري. ثم ساد الصمت. دار الشريط الممغنط مع ضجيجٍ رنانٍ خفيف. تنحنح أحد الرجلين
- نعم مع من أشاء، وخاصةً مع أجنبي تحديداً لأنه غير مسلم
- هل تعلمين ماذا يُسمى هذا؟
- ماذا يُدعى هذا؟ طبعاً أنا أعرف ذلك! وإذا كنتما تجهلانه، سأعلمكم إياه: هذا يُدعى بكل بساطةٍ ممارسة الحب مع كوميدي إيطالي شاب وجميل، شخصية مدهشة" (ص 192-193)
بعد هذه المواجهة الجارحة، يصبح أنطونيو في عينيها أقل جاذبية من ذي قبل. تحطم السحر. وحين عاد إلى نابولي، بدأت العلاقة بينهما تفتر، على الأقل من جانبها، إلى أن انتهى الأمر


تجربتها الثانية كانت مع شابٍ عارض للأزياء في الثانية والعشرين من العمر، جاء إلى المغرب من أجل تصوير أحد العروض

كان شاباً شديد الوسامة، ذا جسدٍ رياضي، ما دفعها للتساؤل عن سر إعجابه بها وهي التي تكبره كثيراً في العمر. "إنه لغز. أو أنه ربما تصوَر أن خبرتي ستذهب به مباشرةً إلى السماء السابعة. المسكين، لو كان يدري..." (ص 195)
لجأ هذا الشاب الأميركي إلى جميع الوسائل لاستدراجها إلى غرفته في الفندق، لأنه كان محظوراً عليه تحديداً أن يقترب من المغربيات أثناء إقامته القصيرة في البلاد..ولكنه لم يذعن
بعد نظراته المتقدة وابتسامته المبهمة، حدَثها قلبها عن رغباته
"ومع ذلك لم أتوقع أن يفتح لي الباب عارياً مثل دودة
- ادخلي
كانت الصدمة الأولى. ارتميتُ إلى الداخل مذعورة من فكرة أن يكون أحد قد رآني، أو رآه، علاوةً على التثبت من أن الوقت لم يعد للأغاني الإيطالية عند مغيب الشمس. أكنتُ أرغبُ في الجنس؟ اعتقدتُ بأنني سأحصل على بعضه
فتمدد على سريره، مرتخياً، فارداً ذراعيه. فتح درج طاولة السرير، وأخرج منه واقياً ذكرياً، ومدَه إلي
يا للهول. لا أعرف كيف أستخدمه. بذلتُ جهدي حيال الجِراب الصغير، دون التجرؤ على رفع عيني. سأبذل حياتي لكي أختفي، أتوارى، أتفتّت في مكاني. وكانت حركاتي مرتبكة جداً بحيث انتهيتُ إلى تمزيق الغلاف والواقي دفعةً واحدة
تمتمتُ، اعتذرتُ، ارتبكت
أسرعتُ وانزويتُ في الحمام. كانت يداي دبقتين. وصدغاي يخفقان بشدة شعرتُ معها أن جمجمتي ستتحطم
عند عودتي إلى الغرفة، رأيتُ شريكي يمدَني بالواقي الثاني مع ابتسامةٍ مرحة
- لا تُتلفيه، فهذا هو الأخير!
أنا، أتلفه؟ أية فكرة. توخَيتُ العناية به، عناية فائقة بحيث فقد صبره، أخذ الجِراب الصغير مني بيديه، ووضعه بلا مساعدتي. ولّما بقيت مزروعةً في مكاني ببلاهةٍ، أخذ يدي ووضعها بقوةٍ على ذَكَره. بقيتُ مثبتة في مكاني بلا حراكٍ، أسأل نفسي عما قد يمكنني أن أفعله بيدي اليسرى. نظر إليَ، ورأيتُ في عينيه أنه كان ينتظرُ شيئاً آخر من امرأةٍ أربعينية. أما أنا، فقد كنتُ خاويةً، بلا إرادة، يساورني الخجل، والشكوك والصداع. لن أعرف أبداً أن أمارسَ ذلك
أرخى تدريجياً يديه عن عناقي، وحاول أن يوحي إلى يدي بحركةٍ لم أقلِدها، ثم تهدل ساقطاً على السرير، متنهداً
- لا طائل من هذا

لن يكون هناك طائلٌ وأنا أول من أعرف ذلك. سيعود إلى وطنه الأم أميركا دون أن يفهم شيئاً عن المغربيات. من جهتي، اقتنعتُ بأن لا شيء ولا أحد سيعوضني حياةً مفوَتة" (ص 196-197)


وفي ربيع العام 1995، تلتقي مليكة أوفقير رجل حياتها: إيريك بوردروي

وبعد لقاءٍ في حفل زواج صديقيها مريم وكميل بن جلّون في المغرب، اكتشفت مليكة أن هذا المهندس المعماري الفرنسي الذي عاش سنوات شبابه في لبنان ويتكلم العربية بطلاقةٍ، وجد المفتاح الذي نزع بحركةٍ واحدة الرتاجَ عن قلبها. نجح هذا الرجل - الذي يصغرها بأحد عشر عاماً- فيما فشل فيه كل الأطباء النفسانيين: لقد أعاد كتابة الوصفةِ المفقودة، سطراً بسطر. جعل منها أكثر من مجرد امرأة: جعل منها امرأته
وللمرة الأولى منذ الإفراج عنها، لم يتحول لقاؤها على انفراد مع رجلٍ إلى غثيان وهموم. لم تشعر معه بالخوف، بعد أن منحها الأمان. في ذلك المساء، آمنت مليكة أخيراً بالحب. غير أن الأمر تطلب شهوراً طويلة من الصبر والشغف كي تمتد حالة الطمانينة


"روَضني تدريجياً. أخذ وقته الكافي. وإن كنتُ حتى وأنا معه لا أزال أجد مشقة في الشعور بالاطمئنان، فقد ردد بلا كللٍ بأن هذه ليست سوى لحظةٍ عابرة...
من خلال اللمسة واليد، وطريقتي في الحديث إليه، والجلوس إلى جانبه، أدركَ في الحال أنني كنتُ طفلةً متنكرة في هيئة امرأة، متمردة تخفي ألمها. أمضى ليلتنا الأولى في مداعبتي ولم أُبدِ أية مقاومة" (ص 198-199)
رافقها إيريك - الذي تزوجها في 10 أكتوبر تشرين أول عام 1998- بصبرٍ وثباتٍ في طريقها الطويلة والشائكة نحو إعادة الانسجام مع النفس
وفي المرة الأولى التي قضى فيها إيريك أعياد الميلاد في مراكش، أرادت مليكة أن تُضفي على إقامته وعلاقتهما مزيداً من الملاطفات والمداعبات

"أمضينا ساعاتٍ طويلة في قلب سوق المدينة عند بائعي الأعشاب الطبية الذين طالما أحببتُ رفقتهم
عرض أحدهم علينا نبتات مزهرة صغيرة استعملها أسلافنا (لم تُخلق الفياجرا بالأمس فقط): سلاحف قزمة، حربايات، "تعويذة بالنسبة للنساء"...
سألتُه إن كان لديه شيءٌ ما لرجل. مجرد الحديث بحريةٍ عن الشهوة أمدني بارتياحٍ كبيرز لم يُصدق إيريك، القادم من بلدٍ يُتصور فيه بأن المرأة المغربية تخفِضُ عينيها في الحِلِ والترحال
- الرومي معدوم؟ سألني الشخص بابتسامةٍ صفراء
- لا، لا، الرومي ليس معدوماً تماماً. ولكن أريدُ أن تعطيني شيئاً لإقامة الحفلة طوال الليل. له ولي، أكثر قليلاً
هز رأسه. وجلب من عُمقِ حانوته الصغير مكونات وصفةٍ تقليدية، مع رماد الضبع كمادةٍ رئيسية، مثلما أكد لي
تحت أنظار إيريك المرتابة، طحن الحانوتي مجموع المكونات وأفرغ المزيج في دورق
- ها هو، يا حلوتي! ملعقة قهوةٍ في كأس شاي له، وملعقتان لكِ وإلا...ستكون مشكلة!
وهكذا بدأت حفلة الشاي، مذ عودتنا إلى البيت. كجيشا حقيقية، أخذت حماماً معطراً، قبل أن أدهن نفسي بالمراهم. بضع قطراتٍ من المسك في تجويف رقبتي، وشعري لا يزال مبللاً، والمئزر مفتوحٌ بلا مبالاة، دخلتُ دخولاً مسرحياً متفاخرة متباهية. على إيريك أن يعود إلى باريس في اليوم التالي.. أردتُ لهذه السهرة، والليلة التي تكملها، أن تكونا سهرةً وليلةً لا تُنسيان. بينما تناول إيريك ملء ملعقة حساءٍ من المزيج، تمددتُ على السرير، والمئزر مفتوح. كان بائع الأعشاب قد قال ملء ملعقة قهوة، ولكن ما الفرق؟ على أي حال، لأكون واثقة من التعرض لمفاعيل المزيج، ابتلعتُ بنفسي ملعقةً منه في المطبخ بمفردي، قبل أن أضيفه إلى الشاي مُقدَماً. لا ضير من الإفراط في اللذة" (ص 201)


غير أن الرغبة في إغفاءة صغيرة تفوقت على نداء الجنس. غط إيريك باكراً في النوم، فيما انغلقت عينا مليكة على مشروعاتٍ وخطط لا تنتهي لإحياء ليلة مجنونة. سافر إيريك في اليوم التالي وسط شعورٍ ثقيل بالإخفاق

إلا أن قصص اللذة الضائعة تحتفظ دائماً بفصلٍ إضافي يرسم الدهشة على ملامح وجوهنا


"في الصباح التالي، بينما كنتُ أجترُ خيبتي ويأسي، رنَ الهاتف. إنه إيريك. قال فرحاً:
- احزري ماذا؟
- ماذا؟
- أنا في حالة انتصابٍ دائم! لقد راودتني الحالة في الطائرة، ومنذ ذلك الحين، أنا عاجزٌ عن فعل أي شيء! لم يعد ذكري يرتخي
لم يُلقِ إيريك أسلحته، إن جاز لي القول، لثلاثة أيام. لا بد أنه لعنني، من أعماق عزلته الباريسية، أنا وكل عطاريّ المغرب، بمساحيقهم الضبعية، وتعويذاتهم، ومراهمهم العجيبة. لا يزال يشقُ عليّ التخيل أن مئزراً موارباً كان ليكفي، وحده لجعلي مشتهاةً، ولكن مسحوق الدجالين ذاك ضمَ في قعر خزانة زبدة الفول السوداني الذي جُلِبَ لي من مكانٍ أجهله، والذي أمقته" (ص 202-203)


بعد بضعة أشهر، امتد حبهما أخيراً في فرنسا إلى وضح النهار. عاشت في بيته وإلى جانبه كل ليلة. "حلَت فورةٌ جنسية ، مبررة بلذةٍ، في العطلات الأسبوعية المسروقة محل رقابة البعض وحكم البعض الآخر" (ص 203)
غير أن هوس الأمومة، المكبوت لأمدٍ طويل، عاد بقوةٍ ليحشر نفسه بين اللذة وبين مليكة وإيريك. "لم يعد هناك شيء سوى هذه الفكرة المُعذِبة: أن أنجب. أن أصبحَ أماً" (ص 203)
أجرت مليكة طوال ثلاث سنواتٍ الفحص الطبي تلو الآخر، سعياً وراء حلم الأمومة
"أريدُ طفلاً. أريدُ أن يُنظر لي كأم، أن يكلمني الناس عن ولدي، أن يستهبلوني بأسئلةٍ بلهاء: هو في أي صفٍ، أو هل نبتت أسنانه، أو هل اشتريتِ هذه التنورة الصغيرة؟ أريدُ الدخول إلى النادي العالمي لمليارات الأمهاتِ الخَرِفات، اللواتي يقتصر عالمهن على التفاخر بصغيرهن الأخير" (ص 203-204)


ها هي "الغريبة" تحاول استعادة مذاق الحياة والعودة بجرأة إلى العالم.. إنها الولادة الجديدة، حتى وإن بدت متأخرة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "كتاب الرغبة (12): رائحة الشوق"

أكتب تعليقا