كتاب الرغبة (8): حبيَبة نسوان

| |






جسدُ المرأة دُرةٌ، لا صَدَفة


ويدُ العابرين فوق الجسدِ تعشقُ الغوص من أجل درة، بحثاً عن مُتعةِ الصقل، أو حباً في الاحتراقِ بنار التلمظ..أو رغبةً في لعبِ دور المُنقِذ

في روايتِها "ملامح" الصادرة عن دار الساقي، بيروت، عام 2006، تقدمُ لنا السعودية زينب حفني حكاياتٍ متأثرة بأسلوب الأفلام العربية. بل إن الخط العام للرواية يتشابه إلى حد كبير مع أحد أفلام سبعينيات القرن الماضي، ونعني بذلك فيلم "امرأة سيئة السمعة" (شمس البارودي، محمود ياسين، يوسف شعبان، عماد حمدي، إخراج هنري بركات، إنتاج 1973)

وفي الروايةِ أحداثٌ تبدو لكثيرين غير منطقية ومشاهد يصعب تصديق بعضها، خصوصاً إن وضعناها في السياق الزمني إذ تتصاعدُ الأحداث بدءاً من ستينيات القرن الماضي، وفي إطار المكان (مكة المكرمة وجدة). وعلى الأقل، فإن تلك الفترة والأماكن لم تكن قد عرفت بعد ارتداء النساء لثوب السباحة في الشاليهات – على سبيل المثال- أو المدير الذي يلتهمُ الزوجة مع كؤوس الخمر بتواطؤ من زوجٍ ديوث


لكن "ملامح" نجحت وباعت آلاف النسخ.. لأسبابٍ لا تخفى على أحد


تبدأ الرواية في مدينة جدة، في بداية شهر مارس، حين تفاجأ ثريا بزوجها حسين يقف قبالتها، "نظراته متحفزة، يحمل في يده ورقةً مطوية، رماها على الطاولة، قائلاً بنبرة مستفزة: ها هي ورقة خلاصي منك" (ص 7). وبعد سيلٍ من الإهانات، يحدد لها الأموال والممتلكات التي كتبها باسمها قبل أن يطلقها، قائلاً: "أعتقد أنني تصرفت برجولة معك"
"قهقهتُ لحظتذاك معلقةً بنبرةٍ هازئة: رجولة؟ منذ متى تعلمتها؟ هذه كلمة دخيلة على هذا البيت
حدجني بنظراتٍ تقطر عداوةً، نهضتُ من مقعدي، أعطيتُه ظهري، هززتُ له عجيزتي، ضربتُها بكفي، قائلةً: لولا مواهبي هذه لكنتَ لا تزال إلى الآن موظفاً صغيراً، ولما أصبحت تتمرغ في هذا النعيم
تلفَت يمنةً ويسرة، تحسباً من أن يسمعنا الخدم، قائلاً بصوت خافت: أنت امرأةٌ سافلة بلا أخلاق
- نعم، أنا كل هذا، لكن لا تنسَ أني تلميذتك النجيبة، التي تعلمت على يديك دروس الانحطاط" (ص 8)


هكذا تبدو لنا صورة علاقة مهترئة وهي في لحظة الانهيار


وفي أول ليلةٍ لها في فيلا حي الروضة، التي تركها لها حسين، تحاصر ثريا الهواجس من كل جانب، إذ تجد نفسها مقبلةً على حياة جديدة تبدو لها غامضة. "وجدتُها فرصةً سانحة لكي أتحسس معالم أنوثتي، إلقاء نظرةٍ متفحصةٍ على خبايا أعماقي، إقامة مناظرة مع نفسي. خلعتُ ملابسي، وقفتُ عاريةٍ قبالة المرآة، تمعَنتُ في تضاريس جسدي، اكتشفتُ أنه ما زال غضاً، ممشوقاً، عجيزتي مرفوعةٌ، ثدياي لم يصبهما الترهل، فخذاي مشدودتان، وهذا ما يعني أنني ما زلتُ ورقةً رابحة" (ص 13-14)
تستعيد ثريا ذكريات الطفولة والمراهقة، وتتكلم بحبٍ عن أمها سيدة البيت المدبرة، وأبيها موظف الحكومة الذي أرهقته مطالب الحياة ومتطلبات الأسرة المؤلفة من خمسة أبناء، بينهم ثريا المتمردة التي كانت تتطلع على الدوام إلى حياةٍ مرفهة وثروة طائلة

وتحكي ثريا عن أمها قائلةً: "أتذكر أنها كانت مساء كل خميس، تسدل شعرها الكستنائي الكثيف المنبسط، خلف ظهرها، وتلبس قميص نومها الزهري، اللون المفضل لأبي، تضع الحمرة على شفتيها الرفيعتين، وتجلس بجانبه ليستمعا معاً إلى أم كلثوم، وهي تغني عبر الأثير. كنتٌ أراهما يتمازحان، يتضاحكان، ونحن حولهما نلهو ونلعب" (ص 19)
وحين تتفتح وردة المراهقة، تلتقي ثريا فتاة في مثل عمرها تدعى نور، تسألها في لقائهما الأول قائلةً: "هل لديك صديق؟" (ص 26). وسرعان ما تقودها إلى هذا العالم عندما تدبر ذات يومٍ لقاءً بين ثريا وفؤاد، في الشاليه الذي يملكه خالد صديق نور
"في اللقاء التالي، كنتُ أكثر تحرراً، أحضرت لي نور مايوهاً على مقاسي، ترددتُ في ارتدائه بداية الأمر، ثم أذعنتُ لإلحاحها كالعادة، نزلنا نحن الأربعة إلى البحر، كان الماء بارداً، انطلقت مني صرخةُ، على غفلةٍ مني التقط فؤاد يدي، قبض عليها بقوةٍ تملكتني مشاعر لذيذة، نظرت في وجهه، كانت عيناه تتصفح مجرى هضبتي، تضاريس جسدي، بلعتُ ريقي، بدأت شفتاي ترتعشان، عينان تُطلقان إشارات نداءٍ ملتهبة، وجدتُ نفسي بلا وعي، أرتمي في حضنه، لم نتحدث طويلاً، تركنا شفاهنا تُعبَر عما نريده. حين ألفيتُ يده تحاول أن تعبث أكثر في خبايا أنوثتي، أزحتها برفق، كانت تعليمات أمي برغم كل ما جرى معي، مسيطرةً على عقلي" (ص 29)

وتتعلم ثريا من نور المزيد عبر حواراتهما، إذ تحكي لها الأخيرة قائلةً: "واحدة من صديقات أمي المقربات، تشكو دائماً من أن زوجها لا يُشبع رغباتها، لا يُضاجعها إلا في أوقاتٍ متباعدة، يؤدي دوره على نحوٍ آلي، كواجبٍ مفروض عليه. استسلمت نهاية المطاف لقدرها، برغم معرفتها أن له حياة أخرى سرية، يبعثر فيها ذكورته. غدت تُشبع حاجتها الغريزية بالعادة السرية، حتى باتت هذه عادةً مستديمة عندها. ثانية تتحدث عن زوجها باستهزاء، تُبدي تذمرها منه، إنها لم تعد تصل إلى الذروة معه، منذ أن أصابه داء السكري، الذي أفقده جزءاً كبيراً من قدراته الجنسية. ثالثة تعترف، صراحةً، أن زوجها لم يقربها منذ تزوج بأخرى في عمر بناته، لكنها لا تملكُ الشجاعة الكافية لطلاب الطلاق، حتى لا تخسر ما بنته معه في سنوات شبابها. رابعة تفاقمت الخلافات بينها وبين زوجها، فأصبحا يعيشان كغريبين تحت سقفٍ واحد، لكنهما قررا الاستمرار معاً من أجل أبنائهما. ارتأت هذه المرأة أن تتجه إلى عالم المثليات، بعدما وصلت إلى طريق مسدود مع زوجها، اختارت لنفسها صديقة دائمة، ترتاح إلى صحبتها، تخرج معها، تسهر معها، تُنفِسُ معها عن رغباتها المكبوتة في وضح النهار، من دون أن تخشى تقريعاً من أحد" (ص 31-32)

وعندما تسألها ثريا بفضول عن عالم المثليات، تضحك نور معلقةً: "فهمتُ أنها تعني اتخاذ امرأةٍ، امرأةً أخرى خليلةً لها، تعاملها على غرار ما يُعامل الرجل امرأته. هنالك نساء في دول الخليج تحديداً، يلجأن إلى هذا العالم، كونه لا يشكَل خطراً عليهن أو تهديداً لحياتهن، حتى لو اكتشف الزوج أن زوجته على علاقةٍ بامرأةٍ أخرى، بعكس موقفه إن علم أن زوجته تخونه مع رجلٍ آخر" (ص 32)

حرَكت نور نزعة الفضول لدى صديقتها، وأججت رغبتها في دخول هذه المنطقة المحرمة

ثم جاء المشهد الذي هز حياة وجسد ابنة السابعة عشرة: الأم والأب على سرير اللذة

"تعودت أمي ألا تنام قبل أن تطمئن إلينا جميعاً، وتتأكد أننا خلدنا إلى النوم قبلها، ليلتذاك لم أنم، مشيت على رؤوس أصابعي، مددتُ عيني صوب فتحة باب غرفة نومهما، كان ضوء الصالة ينعكس على مخدعهما، رأيت أبي يُقبَلُ أمي في أنحاء جسدها، ثم يضمها بقوة إليه، وأمي تتأوه من اللذة بين ذراعيه، تابعت مشهد الالتحام بتفاصيله الدقيقة حتى نهايته، حين وجدتُ أمي تهبُ من مكانها لتغتسل، أسرعت جرياً إلى حجرتي ولهاثي يسبقني" (ص 33)

هذا التلصص فجَر براكينَ المراهقة.. والمراهقةُ جحيم

"كانت هناك كتلةٌ من اللهب تستعر في بدني، تسري في شراييني؟ فرَ النوم من مقلتيَ، لم أستطع النوم قبل أن أُخمد سعير شهوتي بيدي. ليلتذاك تكوَن لدي اقتناع بأن الحياةَ مكتظةٌ برجالٍ من نوعية أبي، قادرين على جعل حيوات نسائهم سعيدة، حتى لو كان المال قد جافى حياتهم. منذ ذلك اليوم، غدت فكرة التلصص عادةً مستديمةً عندي، فكنتُ بين حينٍ وآخر أستمتع برؤية صور الانصهار، أعود بعدها إلى غرفتي، وأستسلم لمداعبة نفسي، وأغمض عينيَ، متخيلةً أني في حضن فؤاد" (ص 33-34)

بل إنها أصبحت تغضُ الطرف وتفسح المجال لفؤاد، كي يعبث بحريةٍ أكبر في تضاريس جسدها
والشهوة تمنح الضوء بهجته، وتثقب أعصى الفلزات قسوة

ثم جاء العريس حسين، ابن حي المنشية في مكة، الذي عاش طفولةً قاسية في كنف عمه عقب وفاة والديه في حادث حريق. في شبابه عرف طَعم النساء لأول مرة مع فاطمة، الخادمة الصومالية التي تعود أن يطفيء فيها رغباته، مقابل مبلغٍ زهيد من المال. "أتذكر ضاحكاً، المواقعة الأولى، كان العرقُ يتصبب من جبيني، وأنا أتحسسُ بأصابعي المرتعشة كومتي صدرها، أحدقُ مذهولاً في شعر عانتها، وفي تكويرة بطنها، وفي ضخامة إليتيها. كنتٌ مأخوذاً مثل الطفل الذي يمسكُ بدميةٍ بين يديه ليكتشف مكوناتها. ساقتني ليلتذاك وبمهارةٍ إلى جميع دروب أنوثتها" (ص 78)

ومثلما كانت ثريا تطفيء نارها بيديها، حدث الأمر نفسه مع حسين. "أتذكر عندما جاءتني علامة البلوغ، لاحظت فورةَ الرغبات تتملكني متى خلوت إلى نفسي، بل تؤرّق ليلي، وكثيراً ما كانت تُباغتني حركةٌ غريبة تحت سروالي السفلي، أفقدُ السيطرة عليها متى مرت قبالتي إحدى الحاجات الإفريقيات، ورأيت استها ترتجف، أو تخترق أنفي رائحةُ عرقها. لازمتني العادة السرية طويلاً، لم تكن ظروفي المادية تسمحُ لي أن أدفع لمومس" (ص 80)

بعد الزواج من ثريا وُلِدَ الابن زاهر، لتزداد مصاعب الحياة بسبب راتب حسين الضئيل. هنا يظهر في الصورة مدير حسين في العمل. وبغض النظر عن الروايتين المرتبكتين إلى حد التناقض لكلٍ من ثريا وحسين بشأن طريقة تعرفهما إلى "السيد علوي"، فإن ما يهمنا هو أن الرجل يبدأ في التردد على منزل هذه العائلة، والسهر مع الزوجين، ومرة تلو الأخرى، وبفعل كؤوس الخمر التي ترافق السهرات، تزداد جرأته ووقاحته مع زوجة حسين، الذي يخبر ثريا أن هذا الرجل يستطيع منحه ترقية كبيرة، طالباً منها مجاراته!


حتى كانت تلك الأمسية التي أتى فيها علوي بلا موعد، قائلاً إن لديه موعدٌ مع حسين. وسرعان ما وقع المحظور بين الرجل وثريا، خصوصا بعد أن وعدها بأن يلبي لها كل طلباتها. تركته يلتهم جسدها فوق الأريكة، وقبل أن يغادر أهداها علبةً من القطيفة الحمراء. انفجرت المرأة باكية بعد انصرافه، ووقفت تحت الدش وهي بكامل ملابسها، ليختلط بكاؤها بصوت الماء المنسكب. غير أنها عندما عادت لتفتح العلبة، شهقت بعد اكتشافها أن الهدية عبارة عن خاتم من الألماس
تبدد من أعماقها الندم، وحلت مكانه فرحة اقتناء خاتم الألماس، لأول مرةٍ في حياتها


أما حسين، فهو يعترف في الرواية بأنه تعمدَ التغيب عن البيت أثناء قدوم مديره في ذلك المساء. وبمرور الوقت، اعتادَ حسين دفن كبريائه ورجولته، في حين شهدت حياة ثريا أنواعاً مختلفة من الرجال، وتغيرت الأحوال المادية للزوجين..وتغيرت معها علاقتُهما الجسدية. "قررنا أن ننام في جناحين منفصلين، لا يأتي جناحي، إلا إذا تحركت غريزته نحوي، وكان هذا يحدث في فتراتٍ متباعدة. فكان إذا ما أتمَ عملية الإنزال، وأراق ماءه داخلي، أُسرعُ إلى دورة المياه، أفرغُ كل ما في جوفي في كرسي المبولة" (ص 54)


وبينما كانت ثريا تتلصص مشاهد الرغبة في مراهقتها، كان حسين يختلس مشاهد مماثلة وهو زوج


"كنتُ أوهم زوجتي وضيفها بأن أمراً يستدعي خروجي، لأتركهما يتصرفان على سجيتهما، لكنني في حقيقة الأمر كنتٌ أعود متسللاً، أمشي مشية سارقٍ محترف، أمدُ رأسي، لأشاهد بأم عينيَ براعة زوجتي، قدرتها على إمتاع الرجل الذي معها. كانت هذه المشاهد تثيرني، وعندما أختلي بزوجتي، أندفع نحوها كالمسعور، ومشاهد التصاقها بالآخر تُلهب مخيلتي" (ص 87)


مع تكدس الأموال، وتعدد الرجال، زادت مساحة الجفاء والاحتقار بين الزوجين، حتى يقول حسين: "غدوت أشعر بأنني أعيش مع مومس تحت سقفٍ واحد" (ص 88). وفي المقابل، كانت لحسين حياته السرية وحفلاته الماجنة، إلى أن أصيب بمرضٍ تناسلي، سارع إلى تلقي العلاج منه في باريس، ليصبح بعد ذلك أكثر حذراً في علاقاته الجنسية


بعد الطلاق، التقت ثريا حبيبها الأول فؤاد على متن طائرةٍ متجهة إلى لندن، لتتقد جذوة الحب داخلها. والعشقُ يهبُ الرمان أسطورةَ استدارةِ النهد، ويعصفُ بخرائطِ االجسد، حتى تصبحَ عين العاشقِ لمعانَ الشهوة

وسرعان ما قادتُه داخل جسدها

"للمرة الأولى في حياتي أعطي رجلاً من دون مقابل، شرَعت له نوافذ أنوثتي على رحابها، تركت نفسي تتصرف على سجيتها معه، كان عبقُ الماضي يزكم أنفي، وأنا بين ذراعيه، لمساته تحلق بي بعيداً، إلى تربة طفولتي، تستحضرُ براءتي، التي دفنتها منذ أمدٍ بعيد على قارعة الطريق" (ص 107)


غير أن ثريا تدخل عالم المثليات الذي سمعت عنه لأول مرةٍ من صديقتها نور. دخلت هند بيت ثريا بصحبة قريبتها لشراء بعض الملابس التي كانت صاحبة المنزل تستوردها لتبيعها للراغبات في السعودية. تصفُ الساردةُ هند فتقول إنها كانت تقارب الأربعين من عمرها، لكنها ذات جسدٍ جميل مغطى بجلدٍ خمري، وشعرٍ ناعم الملمس فاحم طويل يصل إلى منتصف جذعها، وإليتين شديدتي البروز، تظهران جلياً من فوق عباءتها، ولها عينان واسعتان نظراتهما عميقة تشع منهما شهوةٌ مكبوتة تحاول جاهدةً مداراتها

تجرها البطلة بعد تقاربهما كصديقتين إلى المنطقة المحظورة، إذ تسألها: ألم تعرفي الحب في حياتك؟..فاجأها السؤال وبدأت شفتاها تهتزان ويداها ترتعشان وأنفاسها تتلاحق وصدرها يعلو ويهبط، ودفنت رأسها في صدر البطلة وانفجرت في البكاء. ضمتها بين ذراعيها..كانت يداها تضغطان بقوةٍ على ظهرها وبدأت تقبلها قبلاتٍ بطيئة في وجهها. تقول البطلة: في المساء وأنا على فراشي أعدتُ في خيالي تفاصيل ما جرى، وجدتني أنتفض، أريق مائي على ملامحها. وتتساءل: متى حدث اللقاء الأول؟ من المؤكد أنها لم تكن هي المبادرة..بل أنا..كانت لهفتي فائقة لاكتشاف دنيا جديدة وتذوق متعةٍ إضافية من متع الحياة

وهكذا تشعل ثريا المدى المسحور بأجنحةٍ تخفق في غابات هند العذراء، لترتعش المجرة بلمساتٍ تنظم القصائد

وتستعرض لنا الساردةُ نماذج أخرى من المثليات اللاتي تعرفت إليهن، مثل سماهر التي اغتصبها أبوها وهي في العاشرة وصولاً إلى سن الخامسة عشرة، حتى أصبحت منجذبةً إلى عالم النساء نافرةً من دنيا الرجال

. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، يتبين لنا أن هند كانت حبيسة المنزل في مراهقتها، ولم يكن مسموحاً لصديقاتها بزيارتها باستثناء قريبتها إقبال، التي قادتها وهي تبيتُ عندها ذات ليلةٍ إلى عالم الشهوة

"كنتُ مستغرقةً في النوم، بعد جهدٍ ذهني مضنٍ، عندما شعرت بيدين تتحسسان جسدي، كفين تطبقان على نهديَ، أنفاس ساخنة تهبّ على وجهي، عرفتُ أنها إقبال من لمعان عينيها، الذي عكسه الضوء المتسلل من فوانيس الحديقة، كانت الغرفة باردةً، صوت جهاز التبريد طغى على حركة الشارع، أحسستُ بأنني أحلقُ بعيداً، كنتُ زهرةً في أوان تفتّحها، مشتاقة إلى تذوق مباهج الحياة، سلّمتُ إليها نفسي، تركتُها تعتصرني بين ذراعيها، تلتهم شفتي، وكلما سمعت تأوهاتي لدى بلوغي أعالي الرعشة أعادت إحياء شهوتي مجدداً، وهكذا.. حتى ترنحت وخارت قواي مع تسلل خيوط الفجر الأولى لمخدعي" ( ص 129)


طمعاً في الإرث، يتغاضى إخوة هند عن شذوذها، إذ نجدهم حريصين على الحفاظ على ممتلكاتها، والاستحواذ عليها، بدل أن تذهب إلى زوج (غريب). هنا تكمن عقدة هند ومأساتها. تقول هند:" أحياناً وأنا أنظر في وجوه إخوتي، يحيرني سؤال غبي، إن كان لديهم علم بعلاقاتي المثلية. أستخف من سذاجتي. بالتأكيد هم يغضون النظر ما دام ميراثي بخير، بعيداً كل البعد عن متناول رجل يطمع في الحصول عليه." ص (130)


وهكذا اعتادت هند أن تسمع مقولة "هند حبّيبة نسوان" – باللهجة المحكية في السعودية- في إشارة إلى مثليتها وعشقها للنساء. ومع أنها دخلت في علاقة مع ثريا، فإن الأخيرة تندهش لأنها لم تقم يوماً علاقة مع أي رجل، وتعلق ضاحكةً: "المرأة التي لم تتذوق ريق رجل امرأةٌ تعسة" (ص 133)، ثم تقول لها بوضوح: "لا تعتقدي أن أهمية الرجل تكمن في أنه يحملُ إكسير الحياة فحسب، بل هو أيضاً الحياة نفسها" (ص 134). لم تكن ثريا لتتردد في أن تقول لهند إنها لم تُخلق لتموتَ بين ذراعي امرأة. لم تستوعبْ هند الأمرَ إلا حين هجرتها ثريا، لتحاولَ الأولى الانتحار بفعل تأثير الصدمة




ثريا لن تتوبَ عن استخدام ما تعتبره "ورقة رابحة"، إلا حين يذوي منها الجسد، وتصبحُ عجوزاً وحيدة، بلا مؤنس، أو صديق أو حبيب


رواية زينب حفني التي تنسجُ حكايات من هنا وهناك، تبدو للقارىء المتمعن خليطاً من الأحداث المفتعلة والمشاهد التي قد نكون رأيناها من قبل في أفلام عربية وربما غربية، مع جرعةٍ مركزة من الجنس، تزدادُ أهميتها لدى البعض بسبب جنسية الروائية والمضايقات التي تعرضت لها بسبب قصصها ورواياتها، ما دفعها للإقامة خارج السعودية


غير أن المضايقات - كما الرغبات- لا تصنع في نهاية الأمر عملاً روائياً مكتمل الملامح

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

15 التعليقات على "كتاب الرغبة (8): حبيَبة نسوان"

أكتب تعليقا