كتاب الرغبة (6): برهان العسل

| |






حين تفرغ من قراءة "برهان العسل" لا تتعب نفسك كثيراً في تصنيف هذا العمل وما إذا كان بحثاً أم رواية أم مجرد خواطر

على أن المستفيد الأول هو مؤلفة العمل سلوى النعيمي التي تظل مخلصة لمقولة وردت في كتابها جاء فيها:

"هناك من يستحضر الأرواحَ، أنا أستحضر الاجسادَ. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين. أعرف جسدي وأجسادهم"

وهكذا تستحضر سلوى النعيمي في كتابها الصادر عن دار الريس في العام 2007 حكايات عن الأجساد والرغبات وعالم المتعة

جسد المرأة هنا يجاهر بطقوسه الإباحيّة

ومع ذلك، فإن هذا الكتاب الذي حقق مبيعات ضخمة وأثار زوابع وتعرض للمصادرة هنا وهناك، لا يعد في رأيي روايةً – وإن كان قد سمي كذلك- إذ يبدو أن جوهره كان مجرد بحثٍ أو دراسة عن الجنس في الأدب والتراث العربي، ثم أضيفت إليه في وقت لاحق أفكار وتجارب خاصة ومسحة إبداعية، ليخرج من هذا الخليط كتابٌ نال نصيبه من النجاح، لأن القارىء العربي اشتم فيه رائحة الجنس

نسي البعض مضمون الكتاب –وإن كان عملاً سردياًً مفككاً- وركز على الألفاظ الصريحة في الرواية لمسميات الأعضاء الجنسية والفعل الجنسي، واستحضار المحرّم والمدّنس، مع أن سلوى النعيمي أرادت أن تؤكد أن العرب لم يجدوا في عصورٍ سابقة حرجاً في تناول الجنس وتسمية الأشياء بأسمائها

ومنذ اللحظة الأولى ، تبدأ الكاتبة قصفها السردي العنيف الذي تفصح فيه البطلة عن رغباتها السرية، وعن الذين عاشرتهم. وسرعان ما تقول للقارىء إنهم ليسوا عشاقاً بل مجرد أدواتٍ جنسية

يحكي الكتاب عن امرأةٍ - تكاد تكون المؤلفة نفسها، من دون أن يعني ذلك أننا أمام سيرةٍ ذاتية للكاتبة السورية المقيمة في باريس ــ تبوح بأسرار علاقاتها الجنسية، أو حياتها الموازية، خصوصاً مع من تسميه "المفكر" الذي يدفعها إلى تقسيم حياتها إلى مرحلتين: ما قبل المفكر وما بعده

وجهٌ آخر للتشابه بين بطلة الكتاب وسلوى النعيمي يتمثل في أن الأخيرة قالت في أحاديث وحواراتٍ صحفية إنها التقطت خيط البداية في هذا العمل حين دُعيت إلى إنجاز بحث عن الجنس في التراث العربي. وفي الكتاب، نجد البطلة تنطلق من نقطة تكليفها بإعداد بحثٍ عن كتب الجنس في التراث العربي التي ذاعت علاقتها بها، لتقدمه على هامش معرضٍ تحت عنوان "جهنم الكتب" كان مقرراً أن يقام في نيويورك، لكنه ألغي لاحقاً بسبب الإرهاب


البطلة تقف مع نفسها وقفة تأمل لتسائل نفسها قائلةً: "لماذا أُعلن عن ولعي بجورج باتاي وهنري ميلر والماركيز دو ساد وكازانوفا والكاماسوترا، وأتناسى السيوطي والنفزاوي"

لا عجب في ذلك، فهي مهتمةٌ بتلك المؤلفات حتى أصبحت "خبيرةً في كتب الباه"


المرأة التي يفتك بها الشبق تحكي عن ولعها برجل تسميه "المفكر" كانت قد التقته في أحد المؤتمرات، وهو يحتل المساحة الأوسع في حياتها وجسدها. الطريف أنه ليس مفكراً بالمعنى الدارج وإنما تبرر لنا في سياق الكتاب سبب التسمية في أنه أثناء العلاقة الحميمة بينهما كان يقترح عليها فجأة وضعاً أو فعلاً جنسياً معيناً، بادئاً الاقتراح بجملة: "عندي فكرة"!


وفي إطار هلوسة الجسد، تحكي لنا في خلطٍ بين تلك العلاقة الجنسية وما تعرفه عن آداب الجماع في الإسلام فقرةً تقول فيها: "كنت أصل إليه مبلّلة، وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقي، يتفقد العسل كما كان يسميه، يذوقه ويقبّلني ويوغل عميقاً في فمي". أما هي فتقول له: "من الواضح أنك تطبّق وصايا الرسول: "لا يقع أحد منكم على أهله كما تقع البهيمة، وليكن بينكما رسول: القبلة والحديث". وعن عائشة: إن رسول الله كان إذا قبّل الواحدة منا مصَّ لسانها"

وتراوح البطلة بين علاقتها الجسدية بين "المفكر" وقراءاتها النهمة في كتب التراث، وبحسب تعبيرها: "تداخلت التجربة العملية مع القاعدة النظرية"، لكنها تأخذ الرغبة إلى حدودها القصوى، فتتجنّب الحب. ولذا تقول في الكتاب: " أحرِّكُ جسدي بخيوطٍ لا مرئية بمهارة صانع العرائس الموهوب". وحين يسألها المفكر إن كان ما بينهما جنساً فقط، تخبره بأنها لا تحب إلا جسدها

إذن هي امرأة تحكي عن جسدها الذي هو هويتها. تقول على لسان "المفكر" الذي اكتشفت معه جسدها: " لم أعرف قبلكِ امرأة يعلن وجهها انتصابها "

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "المفكر" وإن كان أبرز محاور تجاربها الجسدية، فإنه لم يكن الوحيد. هناك أيضاً "الجوّاب" و"السريع" و"البعيد". ألقاب تشير وتدل، وتلجأ إلى لغة الرموز

دعونا لا ننسى الزوج أيضاً

فالرواية تتضمن مؤشراتٍ واضحة تدل على وجوده، حتى وإن بقي على الهامش


وكما أسلفنا، فإن البطلة تتشابه في كثير من تفاصيل حياتها مع شخصية الكاتبة، لحد أن البعض شعر بأنها تتحدث عن تجاربها وحياتها. وسنجد أن البطلة التي تعمل في مكتبة في باريس، تعيش لحظات المتعة في الغرب وهي تستحضر ذكرياتها مع الشرق، كأنها ترسم ملامح المفارقات والتباين بين ثقافتين وحضارتين متباعدتين مثل ساقي راقصة في وصلة متسارعة الإيقاع

ينقسم الكتاب الذي جاء في 150 صفحة متوسطة القطع وبغلاف ملون هو رسمٌ لامرأة عارية، إلى أحد عشر باباً على طريقة كتب التراث: "باب أزواج المتعة وكتب الباه – باب المفكر والتاريخ الشخصي – باب الجنس والمدينة العربية – باب الماء – باب الحكايات – باب المدلكة وزوجها الزاني – باب شطحات الجسد – باب زمن التقية في المجتمعات العربية – باب اللسانيات – باب التربية والتعليم – باب الحيَل"


وفي كل باب، تختلط الاستشهادات بكتب وكُتاب التراث - النفزاوي والتيفاشي والطوسي والتيجاني والسيوطي والقزويني- مع أحداثٍ وخواطر تمر بها البطلة أو تستحضرها. وفي كثير من الأحيان، نجد أن التراث هو الأصل في حين يبدو الحاضر مجرد فرعٍ على غصن الكتاب أو ظل لوجه التراث بكل حضوره الأخاذ

وتظل الكاتبة وفيةً لفكرة الرغبة في هذا العمل، إذ تكرر في سرديات مختلفة من الرواية ما يؤكد استحواذ الجنس على العقل:
"كنت أعرف أني جسدي فقط ".. "هل الفضيحة في عمل الشيء أم في التحدث عنه".."إنني جسدي فحسب".. " أكبر لذةٍ بعد ممارسة الحب هي الحديث عنه".."أنا لا أنام مع رجل أنا أصحو".. "إنها بحاجة للتمرغ سنواتٍ على جسد رجلٍ كي تنجلي "

غير أن سلوى النعيمي تعود لتنقض ما نسجته طوال صفحات الكتاب، حين تعلن على لسان بطلة العمل في الباب الأخير – "باب الحِيَل"- أن "المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وأنه لم يوجد أبداً، ولذلك كان لابد لي من أن أخترعه"

وحين يرحل "المفكر" تقول البطلة في مونولوج طويل: "كنت واثقة من أن المفكر سيطلع أمامي ذات يوم في منعطف مفاجئ ليقول لي، كما في المرة الأولى، إن الغصة في حلقه، ليسألني عن عسلي وكأنه تركني أمس، وأرد أن عليه أن يجد الجواب بنفسه، أن عليه أن يمد يده بين ساقيّ ليتذوقه. برهان حلاوة العسل هو العسل نفسه، يقول ابن عربي، كنت أرددها أمامه. صار هو الذي يعيدها عليّ عندما أنساها ليعلمني حتى ما أعلم الآن

يخطر لي أن زمن ما بعد المفكر بدأ الآن فعلاً بعد أن كتبته

الآن يخطر لي أن هذا الكتاب كتابه. وكأنه هو الذي زرع بذرته فيّ. وكنت بحاجةٍ إلى كل تلك السنوات التي مرت كي يتكون في داخلي"


وتعتبر البطلة أن من حقها أن تقول لا، حتى وإن بادر البعض إلى تفسير أسباب الرفض على هواه، مثلما حدث لها مع شخصية "الجوّاب"، إذ يدور الحوار التالي بينهما:

"قال الجوّاب إنني لم أعرف رجلاً إلا زوجي
قال إنني أرفض كل رجل يشتهيني لأن لدي حساً أخلاقياً عالياً يجعلني أخاف من المجتمع ومن حكم الرجل عليّ لو قبلت عرضه
قال إنها بقايا تربيتي الطهرانية القديمة
قال إن هذا يشلني ويكبحني ويقيدني
قال إنني أعد قبولي الجنسي نوعاً من الخضوع
قال إنني أخاف أن يخفت ألقي في عينيّ الرجل الذي أقبل به
قال إنني لا أملك الثقة الكافية بجسدي ولا أجرؤ على تعريته أمام رجل
قال إنني أرفض نموذج صديقتي التي تقول نعم لأي رجل وأعتبرها مستهترة رخيصة."

وترد البطلة على كل هذه التفسيرات والاتهامات المبطنة بكلمة "ربما"، وتفسر قائلةً:

"كنت أقول: ربما، لأنني لا أريد أن أوضح للآخرين. ماذا أقول لهم؟. إنه ليس لديّ أي مرجعٍ أعود إليه إلا نفسي وما أريده أنا؟، لا مفاهيمهم، ولا قيمهم، ولا أخلاقياتهم. لا المجتمع ولا الدين ولا التقاليد؟. لا الخوف من ألسنة الناس، ولا رهبة العقاب، ولا نار جهنم؟"

لا تكتفي البطلة بسرد حكايتها. هناك سليمى اللبنانية وزوجها المغربي. وهناك المدلّكة التونسية التي سُجِنَ زوجُها بجرم الزنا. حادثة الزنا تُستخدم في إطار أجواء الجنس التي تفوح من الرواية. وتسخر البطلة من الشروط المطلوبة لإثبات واقعة الزنا، وتروي فتوى الخميني بأن "التقبيل والمضاجعة والمعانقة وغيرها من الاستمتاعات دون الفرج ليست بزنا"
ولا تنسى بطبيعة الحال استعادة تستعيد حادثة السيجار الشهيرة بين الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون والمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. كما أنها تذكّر القارئ بـ"السؤال الذي يكرره أحد الصحافيين الفرنسيين على ضيوف برنامجه التليفزيوني: هل يعتبر المصّ خيانة"

الألفاظ الصريحة قد تعجب البعض، لكنها تنتقص من قيمة الكتاب، فلا أحاسيس ناعمة ولا مشاعر تصيبنا بالدوار

فالعاشقة الحقيقية يقول لسان حالها لمن تحب: هناك أماكن للهوى لم يلمسها بشر. خذني إليها..لأموت هناك

وصدرُ المرأة مرصعٌ دوماً بأقفالٍ من فضة، لكن ضلوع العاشقة التي لا أزرار لها تضيق به

وعلى غلاف كتاب الحب نقرأ أن أروع الأحاسيس هي التي تستعصي على التصنيف

ولعل أحد أسباب الصدمة وخيبة الأمل في كتاب سلوى النعيمي هو أنها وهي تتماهى مع البطلة وتحيل القارئ إلى أن الذات الساردة في العمل روائية أيضاً، تسوق حديثاً مع زميلةٍ لها تحذرها فيه الأخيرة من أن الرقابة ستمنع كتابها المثير، فترد عليها البطلة ساخرة: "ساعتها سأصير مشهورة "

الشهرة هنا أحد مفاتيح ودوافع كتابة "برهان العسل"

لغة الكتاب خفيفةٌ ويصعب القول إنه ترسخ في الذاكرة بعد الانتهاء من القراءة جمل أو عبارات ذات جمالياتٍ في الأسلوب أو عمق في الطرح. لقد أخفقت الكاتبة في تكثيف لغتها والتقاط لحظات مجازية عالية . وإذا كان الكتاب أقل من أن يكون عملاً روائياً متكاملاً، فإنه يبدو أحياناً أشبه ببحثٍ ومقالاتٍ وثرثرات اجتماعية جميلة وحكايات تشبه كثيرات مثلها. والمؤلفة تقطع غالباً حبل السرد لتتفرغ لانتقاد المجتمع أو الرقابة مثلاً

وما يهمنا هو أن سلوى النعيمي ترفع شعار نبش المكبوت والمسكوت عنه، وتنتقد ما تسميه "مجتمع التُقية" العربي الذي تقول إنه لم يكتشف بعد "أنّه لم يبق من الثالوث المحرم إلا اثنان: الدين والسياسة.. سقط الجنس من منخل الرقابة، أو إنّها وسّعت فتحاته". وربما لهذا السبب تطالب المؤلفة عبر كتابها بالكفّ عن كتابة الجنس والحديث عنه بالمواربة، مستندةً بذلك إلى عددٍ من كتب التراث العربي التي تذكر مباشرةً أسماء الأعضاء وأوضاع الجماع وأكثرها لذة وفائدة للجسد

وعلى رغم أن الكتاب عمل جريء وفيه عوامل النجاح والشهرة التي تمنتها البطلة، فإن كثرة الكلام السافر حيث لا مبرر فنياً وواقعياً له، يجعل الأمر كأنه غاية في حد ذاته



صحيحٌ أن هناك دوماً رغبة تغتسل في عتمة الصبح، إلا أن‏‏‏ سلوى النعيمي نسيت في كتابها وكتابتها أن هناك دائماً أساليب للإثارة أجمل من التعري

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "كتاب الرغبة (6): برهان العسل"

أكتب تعليقا