يوميات ساحر متقاعد

| |





محتوياتُ ثلاجته مثل سريره: بقايا نساء.
صحن "فاهيتا" تركته المكسيكية التي أصرتْ على أن يتذوقَ طعامَها المُفضل، وحبات زيتونٍ أخضر مغموس في زيت الزيتون عبأته بعنايةٍ السورية التي باغتته ذات ليلةٍ بسؤال عما إذا كان نهدُها الأيسر أكبر قليلاً من الأيمن.. الحلوى التي تقطرُ عسلاً كانت موقَعةً بإهداء الإيرانية التي علّمَته بضع كلماتٍ فارسية وكثيرًا من أسرار نساء المتعة.
الثلاجةُ باردة، وسريره دافئ.
المرأةُ ذات البشرةِ الحليبية غرقتْ في بياضِ الملاءة.. حتى اختفت.
والفِراشُ المُجعَّدُ يرسِمُ خارطة البلد الجديد. هنا بحرٌ ممتد يراوغنا، وهناك برٌ حارقٌ  ينادينا قائلاً إن لقاء إنسانٍ والوقوع في غرامه حينما نبلغ شاطئـًا لا نعرفه، هو رحلة داخل الرحلة.
يُبحِرُ في بحرٍ هائج مائج. عناقٌ يذيب اللحم.
جمرُ أصابعه ملعب للقنافذ، وجسدها مجرةٌ سابحة مثل شهقة النار في فوضاه والعرق الداخلي.
قبضةٌ لاهبةٌ تنغرس في أسفلها، وأشباحٌ غامضة تتسلل إلى جسدها الذي يتلوى مثل سمكةٍ خارجةٍ من الماء.
الآن يعرفُ أن الجحيمَ لا ينطفئ إلا بأجساد النساء.
يحاولُ أن يمسح من ذاكرته غواية القبل.. لكنه يخفق.
يتمطى كعنفِ اللغة قبل ميلادِها، ويتعلمُ أن شَعرَ المرأة المفروش هو وسادةُ الكون.
في العتمة، يفتحُ عينيه فلا يرى، ثم يدخلُ في صحراء التأوه، كأنه لبلابةٌ عطشى يخفرها مقصّ أشد عطشـًا.
عندما يدخلُ رجلٌ امرأةً فإنه يصبح رائدَ فضاء، إلا أنه يتجولُ هذه المرة في الفضاء الداخلي.
يصيرُ الليلُ بئرًا.
وكلما قَشَرَته برتقالةُ الفجر، يشدُ الغيومَ من أطرافِها لكي تومض، فيكتشفُ أن البيضاء التي بجانبه تسربت من ثقوبِ الذاكرة.













البعضُ يموتُ ألف مرةٍ حسرةً على عطرٍ فاته.. والبعضُ الآخر تقتله رائحةً من يجاوره في المكتب أو.. السرير.
مجردُ نهارٍ أحمق جديد، يحاولُ الاتكاء على الشمس، فتخدعه لحظة الغروب.
في المكتبِ، يصيرُ صوته أعمق ويوحي وجهُه بالخطر، وخصوصـًا تلك الدوائر المظلمة تحت عينيه.
يكتبُ كثيرًا، لكن الكتابة التي يريدها ضلت الطريقَ إلى أصابعه.
فيم كان يفكرُ هنري ميللر حين كتبَ في "تكسوس" أننا "نكتبُ، ونعلمُ أننا مهزومون قبل أن نباشر الكتابة. وفي كل يومٍ نتوسّل لنحصلَ على عذاب جديد"!.
يمشطُ أفكاره، علّه إذا رتبَها يستطيع أن يفهم.
يصارعُ النسيان، فيتذكرُ المرأةَ التي لمستْ حريرَ القلب.
يهاتفُها قائلاً: "لم يعد يكفي صوتكِ في الهاتف ولا الرسائل التي صارت سريعة".
تحكي له عن عملها الجديد، وأصدقائها الذين يثرثرون في الأمسيات الطويلة.
تُقطِرُ الحكاياتِ الصغيرةَ في أذنيه، فيقولُ لها: "كلامُكِ الضوءُ الوحيد".
يُسائِلُ نفسه عن المرأة التي تَملِكُ بحةً خفيفة مصنوعة من خليطِ التبغ والقهوة: كيف ارتضيت فراقها؟
أرادَ أن يقولَ لها إنها تأتي وترحلُ مثل منامٍ تفاجئه اليقظة.





تمنى أن تقولَ له: أحنُ إلى النومِ في حديقةِ نارك وذَهبِ سرابك.
يبلعُ أشواقه ويتساءلُ: لماذا يريدُ بائعُ الورد تبني الأسى؟
لا بدّ أن البعضَ يحتكرُ الحزن، بابَ ألمنا الأوسع.
حين ودّعتَه لحظةَ السفرِ بقبلةٍ على خده، اكتشفَ أن ثمة نشوة خاصة في اللمسة اللطيفة للشفتين على خدٍ غير مستعد. سرقَ طعم الشفتين من أطرافهما. القبلةُ الجانبيةُ هي أجمل سرقاته.
وهي تمضي مبتعدةً، أخذ يبتهلُ حتى لا تستديرَ بغتة، فتسيل خصلةٌ على العين تزيد من دلالها المُشتَهى.
في تلك الليلةِ الممطرةِ كانت المسَاحَتان تعملان بسرعةٍ أكبر من المعتاد فوق زجاج السيارة.
هل تكفي ذراعُ العاشقِ لقياسِ الفراق؟
صارَ يمقتُ أرصفة الوداعِ في العالم بأسره، فما أكثر من غَيَّبتهمُ الأرصفةُ عنه، ليصبحوا مجرد ذكرى، أو عناق على عجل، يليه غيابٌ بلا عودة.
ودعَّها من دون أن يقولَ لها: أحبُكِ مثلما يُحِبُّ كاهن صمتـًا مطلقـًا.
لم يهمس لها: أحِبُّ أن أتذوّقَ ليلكِ، وأن أُلبّي نهاركِ.
وقصصُ الحُبِّ تبدأ بورقةٍ صغيرة أو شاشة ساطعة، لتنتهي إلى كتابٍ أو مطار أو سرير.
كم يجعلُنا الحُبُّ ساذجين!
تمنحُه لحظةٌ ما فرصةً كي يتألق. يذهل مَن حوله لهذا الإتقان وتلك السرعة، وحين يفرغُ من مهمتِه يوقظون الجزء الخامل من غروره، ويطلبون منه أن يُعلمهم سرَ الصنعة.
يبتعدُ بهدوء. كان عليه أن يبكي قليلاً كساحرٍ متقاعد، فقَدَ يديه.
في الفندقِ الذي يشبه القصرَ المنيف، كان ضميرُه يمنحُه الحرية في أن يتثاءبَ كعاطل.
هنا النساءُ مثلُ النصوصِ الأدبية، تُقرأُ من كل الجهات.
المكانُ هو أحد أسماءِ الرهبة.
في الشوارعِ الضيقة، حيث تنحني الحاراتُ على الحارات، نقتلُ الحكايات التي تطاردنا، فإن لم نفعل فإنها تقتلنا.
والبلادُ الصغيرة بحجم حبةِ قمح تصبحُ أرضـًا وسيعة، يدبّ على سطحها سائحون، باحثين عن أمكنة أخرى أضاعوها في زمان بعيد.
في الطابق الخامس والعشرين من البرج المطل على سماءٍ واطئة، يشمُ رائحة زهر النارنج.. يسأله كريم إن كانت الشقةُ قد أعجبته فيقولُ له: كم أودُ أن أشتري الشرفة فقط!
في مدينةٍ نسيتْ طعم الحنان، يستوقفه مشهدُ زوجٍ يمسكُ بطرف الغطاء الصغير لزوجته كي تلفه حول رضيعٍ غرقتْ ملامحه في بئر اللفافة.
على الشاشةِ، يتقاتل الجميع من أجل لا شيء.. يحرسون الوهم ويموتون في معارك خاسرة. والقاتلُ ينحني للسكين لا السكينة، ويمتدحُ البنادق المعطوبة لا الزنابقَ العطِرة.
الفتاةُ التي لجسدها رائحةُ الصنوبر، تنتظرُ نبيـًا ينقذُ عالمها، وهي تنتفض مثل عصفورٍ قلقٍ على جناحيه من الضمور.

يشاغبُها ذاتَ يومٍ قائلاً: "هل كانت هذه النقوشُ على فستانكِ حين ابتعته، أم أن ورد البساتين هربَ ليلتصق به بعد أن لامسَ جسدكِ؟!".
والمرأةُ المولعةُ بالقطط، خفيفة كالريش.. تصيرُ بين يديه مثل عصفورٍ بلا جناحين.
وحده كان قادرًا على فك أزرارِ ثوبها الطويل وتعريةِ روحها.
كان يسميها المائدة.. ويأكلها أكلاً.
تلتصقُ به مثل طابع بريد، وتقول له في الظلمة: البسني.. كي تراني.
لكنه يتمهل.. علَمَته سنواتُ الظمأ الامتناعَ عن الارتواء المفاجئ. الجسدُ الذي عاش الدهرَ مشتاقـًا يجب أن يصله الماء بالتدريج، حتى لا تصيبه غيبوبة الارتواء.
وكما فعلَ معاوية، يُبقي بينهما شعرةً تلهو بها الريح.
ها هو يبلل نساءه بأحلام مستحيلة.
يتذكر!
تمامـًا مثل صيادِ السمك، كان يدخل مكتبة الكلية، يتنقل بتؤدةٍ بين الأرفف التي تنام فوقها الكتب، ثم يخرج بعد أقل من ساعةٍ مُحمَلاً بطالبةٍ من برج الأبنوس تودُ أن ترى مكتبتَه الخاصة.
على طاولةٍ تطلُ على البحيرة الصناعية، يتأمله بسام طويلاً، كأنه يبحث عن شيء ما في ملامح وجهه، ثم يقول له: صِرتَ أنحف.. وأهدأ.
تخبره ليلى أنها ستزور المدينة قريبـًا ويتفقان على اللقاء.. وحين يفاجئه عُمران بزيارةٍ يقولُ له: أرهَقتَ من جاؤوا بعدك.
يردُ بابتسامةِ امتنان، لكنه يوقنُ أنه ليس سوى ساحرٍ متقاعد، سحقته حفنة نملٍ جاءت تحت حذائه سهوًا.
فكرّ في أن المناصبَ لعنة.. إنها تضعك دائمـًا في ذلك المكان الذي يتعلم فيه الهواة مهنة الرماية.








يحرقُ جثثَ الأفكار، حين يمنحه الماضي دفعة أسى، كأنها هبّاتٌ ساخنة آتية من أعماق رحمٍ يوشك ماؤه على أن يجف.

الليلُ يبسطُ نفسه فوق عرشِ المدينة. يسافر بتؤدةٍ، وينسى فينا متاعه.

عمالُ النظافة ينتشرون في صمتٍ، ليصلحوا ما أفسده أناسُ النهار.. كان الأسفلتُ الممددُ بين الأرصفة أفعى هادئة تخلت عن شراستها لأنها تريدُ أن تستريح.

ما أجمل الليالي التي يسيرُ فيها كل شيء بسلاسةٍ ويُسر.

يمدُ يدَه في جيب سترته ليخرجَ صورةَ جبلٍ وحيدٍ، مثله تمامـًا.. يسائلُ نفسه قائلاً:  هل يجبُ عليّ أن أحرسَ الفِراشَ وحيدًا؟

كم يحتاجُ إلى حلمٍ بلا أقراص منومة!

يتكئ على الضوء.. وينام.


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "يوميات ساحر متقاعد"

أكتب تعليقا