غرباء

| |



أفضلُ ما في التنقل هو أن نبقى خفيفين، نحتفظ بالقليل..ونمضي
أسوأ ما في التنقل، هو أن جزءاً ما من روحنا ومشاعرنا وذكرياتنا، يفلتُ منا وينام في حضن المكان الذي نغادره..وهكذا ينتهي بنا الأمر: كثيرٌ من الذكريات..قليلٌ من البراءة
وفي كل الأحوال نلتقيهم: غرباء في مدنٍ غريبة

موظف البنك هوزيه يبدو عائداً للتو من رحلة استجمامٍ على شواطيء فلوريدا. وجهُه كسمكةٍ مقلية خرَجَت لتوها من الزيت. يتحدث بلكنةٍ أمريكية عن إجراءاتِ إغلاق حسابي المصرفي، لكنه عندما يعد النقود يستخدم اللغة الإسبانية: أونو، دوس، تريس

يا لحظِ النشال الذي يسرقُ محفظةً يختبيء فيها العالم

مسؤولته الإريترية الأصل استقبلتني قربَ المدخل بابتسامةٍ ودية. وجهُها يصبُ الشقاء من قلبها الفائضِ بالمرارة، ذاك الذي لن يُحلِيه الأسى
تسألني عن جنسيتي، فأجيبُ وأنا أختلس النظرَ إلى البطاقة التي على ردائها وتحمل اسم "سأبا". تقول لي: "إننا نشترك في مياه البحر الأحمر"، ثم تدعني غارقاً في حيرتي

وحدهم الخارجون من البحرِ تفوحُ منهم رائحة الاغتراب، والروائح: بصمة

عثمان أو"أوسمان" كما يناديه كثيرون، يبدو بقامتِه المديدة الشخصَ المناسب لإدارةِ برجي "كريستال تاورز". يحدثني الرجلُ الذي تشرب من نهر السنغال في طفولته وتطلُ من ندوب الوجه تعاويذ جدته، عن إجراءاتِ تسليم مفاتيح الشقة وصندوق البريد، ثم يختم لقاءنا بكلمةٍ واحدة: سلام

المرآةُ التي لا تسعف طوال القامة كي يروا وجوههم، تقترحُ عليهم أن يعلقوا رقابهم يوماً في سقفِ الغرفة المظلمة

فاروق، يضع قبعة البيسبول فوق رأسه وسماعة الهاتف الجوال في أذنه اليمنى، ويشغلُ نفسه عن العابرين في مدينةٍ تبدو المقابرُ فيها أجملَ من البيوت. الجبهة المشدودة مليئة بالعروق الخافقة. يبادرني بالترحابِ كلما دخلتُ المطعم الباكستاني ساعة الغداء، ويقول لي: تملكُ ابتسامةً صافية
شابٌ يحتسي النسيان ويتمرد على جاذبية الأفلاك، لكن قلبه مفعمٌ بالصدق والحنين

لعله يكره الملحَ الزائد في الطعام..والانقلاباتِ العسكرية

أَصِلُ عبر صديق مشترك إلى شخصٍ يشبه شيخَ الحارة..إنه يوسف، الشاب المغربي الذي يقود سيارة "بي ام دبليو" ويتحدث مع خمسة أشخاصٍ في وقتٍ واحد. رأسُه مثل قبابِ الصالحين، مليئةٌ بالأضرحة. يقودني يوسف إلى أطراف المدينة التي لا تزورها الشمس للقاءِ مستشارٍ قانوني، وفي الطريق يقدم مشورته وخبراتِه هاتفياً لعملاء راغبين في شراء أو بيع عقارات. وعندما يمد يده لتشغيل المسجلِ الموسيقي في سيارته، تصدح أغنيات "الله يا مولانا" و"ما يدوم حال" و"فين غادي بيا خويا" لفريق "ناس الغيوان"

ميزةُ الصعلوك أنه يعزفُ على أكثر من آلةٍ، ويجرح الغيمَ بأسفارِه الكثيرة

تمدُ يدَها لتصافحني وهي تقول لي: مرحباً، اسمي ناتاليا. تطلِقً من نظراتِها سهام الفضول..عيناها تشبهان رمية نردٍ غامضة، وفي ليلِها الغريب تضيء الشموعَ لضحاياها كي تنيرَ طريقَهم إلى الهاوية


وحين نتبادلُ الحديث على المقاعد الوثيرة في غرفةِ الاستراحة، أكتشفُ أنها جاءت من روسيا قبل أربعة أشهر بحثاً عن حياةٍ جديدة وعملٍ أفضل. نهدان يثبان مثل كرة المضرب، وفمٌ باندفاع علوي حاد. يتحول وجهها إلى ما يشبه الشمع تحت ذلك الضوء الأصفر الذي يميز عمارات الشقق السكنية
تسألني: "أنت أمريكي؟" وحين أجيبُ بالنفي، تفترُ ابتسامتها وتبحث عن وسيلةٍ للاستئذان والانصراف

الدنيا ذهبتَ بها بعيداً، وهي ما زالت تتسلقُ أسرارها القديمة


عربات المترو تهتز بإيقاعٍ رتيب في الرحلة بين أرلنغتون والعاصمة واشنطن. ربع ساعة كانت كافية كي تحدثك فيها المراسلة المصرية المهاجرة عن مشروعها الطموح

"أريد أن أقدم النماذج العربية المضيئة في المهجر: المرشدون عن أي مشتبه بهم في الجاليات العربية"

تلمح بقعةَ حبرٍ تتسرب من القلم السائل المفتوح سهواً الذي تضعه في جيب ثوبها الداكن، فترتبكُ قائلةً: "يا لهوي"

النحلُ يلسع مرةً ثم لا يقاومُ الرحيق


اللبنانيةُ جانيت التي تستقر في ديترويت منذ عشرين عاماً، تشكو لك من تعسفِ القاضي الذي حكم بترحيل زوجة ابنها البوليفية بعد اكتشاف خطأ في أوراق هجرتها. تبتسم قائلةً إن الطلبةَ العرب في المركز الذي تعمل به ما زالوا يغازلونها. تشعر بحموضةٍ مفاجئة ثم تعتذر في خجلٍ؛ لأنها أفرطت اليوم في تناول الكبة النيئة على الغداء

البعض ينقش اسمه فوق الماء..وآخرون يسجلون مواليدهم في دفاتر المفقودين

ألمحُ من شرفة مسكني الكائن في الطابق الخامس تلك السيدة الصينية التي تقتربُ من حمام السباحة في حذر. تتلفت يمنةً ويسرةً قبل أن تنزع عنها غِلالةً. وبأطراف أصابع قدميها تنسلُ كحوريةٍ في الماء

تتقن خطها في الماء، ويسقطُ خيالها عن سرج حصانها

ينظر إليها البعض في استغراب، ويركزون أبصارهم على بِنطالِها الأسود الذي يقترب من الركبة الذي نزلت به إلى الماء
حين يأتي الطوفان، يتوهم البعض أن النجاةَ هي أن تغرق في بحرٍ عميق، أملاً في ألا تطفو جثته على السطح

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "غرباء"

أكتب تعليقا