عامان: ضوء يفتح النافذة

| |

كبُرت قبل الولادةِ، ربتني حكاية

سلتي مليئةٌ بالثمار، لكنني اخترتُ على الدوامِ ثمرةَ الصمتِ الناضجة

في قلوبِكم خبأتُ أسراري، والكاتبُ الصادق يجلس في حدائقِ الغيب، ليقطف لأحبتِه وردَ الأقحوان

وفي الذكرى الثانية لمولد "قبل الطوفان"، كان لا بد من وقفةِ مراجعةٍ مع النفس..ومع قراءِ هذه المدونة

ليكُن

الأحداث: أورام الزمن، والأيامُ كالرفاق..بعضهم يتأبط ذراعَك ويمنحُك ابتسامةً دافئة، والبعض الآخر يمر بك ولا يبالي

وكي ترصد الأحداث، كُن فيها لا خارجها

آليتُ على نفسي منذ البداية أن يكون صدري للبحر، ووجهي للشمس، وقلبي للقراء

وهكذا كتبنا بالنار والحبر ونحتنا بالإزميل، كي تكون الملامحُ أوضح والصورة أصدق

غزونا الأرق كي نصطاد غزلان المعرفة، ونمنا على وسادة الفجر بعد أن أدركنا الحقيقة: وحده الصقر يتنفس العواصف

نحن نخاف على أوطاننا..والخوف يؤدي إلى الوعي، الخوف المرضي وليس الخوف الطبيعي، وإلا لكانت الحيوانات قد بلغت درجة وعيٍ تفوق وعينا

لا يسكن المرء بلاداً، بل يسكن لغةً.. ذلك هو الوطن ولا شيء غيره

وربما لهذا فتحنا ملفاً كأنه كرة اللهب: جرائم العاطفة في مصر المحروسة

وفي مواجهة التعتيم والأخطاء والزيف الذي باعوه في مراكز التسوق على أنه التاريخ الحقيقي، ألقينا الضوء على أسرارٍ لم ينشر بعضها من قبل باللغة العربية عن الملك فاروق

لم نخش شيئاً، وتأملنا في صورة الرئيس المصري السابق أنور السادات ممثلاً، ووزير الحربية المصري السابق شمس بدران..الرجل الذي تكلم كثيراً

رصدنا خلافات أهل الثورة، التي كانت دائمة..ودامية

كشفنا حكاية سقوط وزير الدفاع في طبق الجيلي، ومضينا لنسقط القناع عن عددٍ من أشهر الخونة في تاريخ مصر

سردنا أحاديث التليفون التي هزت مصر.. من كلام الرؤساء، إلى ألاعيب المسؤولين، مروراً بفضائح اللاهثين وراء المتعة ورنين الذهب

على صفحة مياه النيل، سهرنا مع ثرثرة العوامات.. المكان بطلاً

وعقب الموتِ المريب لأشرف مروان في العاصمة البريطانية، شرحنا في سلسلةٍ من التدوينات حكايات الموت الغامض في لندن، من علي شفيق إلى الليثي ناصف وصولاً إلى "أخت القمر" سعاد حسني، وانتهاءً بصهر الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر

تحدثنا عن اكتئاب المصريين، أو تلك العين الزجاجية التي تجعل أحاسيسهم تموت يومياً..ربما دون ذنب

وقفنا على أطلال موت خفيف، لنؤكد أنه منذ القِدم ونحن نموت، ومع ذلك لم يفقد الموت شيئاً من نضارته.. هنا يكمن سر الأسرار

رسمنا ملامح غرباء في مدن غريبة، وغرقنا بإرادتنا في طرف من خبر الآخرة، وركلنا فضاء الشارع والذاكرة في هذيان المقهى، حتى سال حبر اليقين على أوراقنا وفي قلوبنا. واكتفينا بأن نعيش غوايات مؤقتة، لأن الوظيفة الوحيدة للذاكرة تكمن في مساعدتنا على الندم

وبالمثل، استدعينا الذاكرة الجريحة لدى البعض في قارب الجسد، لعل البعض يشفى أو ينهض مثل عنقاء من رماد الألم

وفي الرياضة كتبنا عن مطعم الفراعنة الذي تخصص إفريقياً في ركوب أفيال كوت يفوار وقهر جديان السودان، وصولاً إلى تقديم صنفٍ جديد على مائدة نهائي الكرة الإفريقية: لحم أسود الكاميرون

أبدينا تحفظنا على انتشار الخرافات في معجزات دينية للبيع، لأن الظاهرة غولٌ مخيف يلتهمنا جميعاً

كتاب الرغبة مر بمحطات نوال السعداوي، ولطيفة الزيات، وأهداف سويف وغسان كنفاني، وسحر الموجي..وبقيت محطاتٌ أخرى تروي سيرة وأسرار من وضعوا إصبع النار في قلق الثقوب، وابتل كبريت كبريائهم بالشبق وأحلام الطفولة

قدمنا للناس منتدى نهاوند للموسيقى في غيمة تمطر أصالة، لأننا نكتب فضائلنا على باب اللحن ونغسل خطايانا فوق شباك الأغنية

ومن رحم "قبل الطوفان" وُلِدَ كتابان: "قبل الطوفان: التاريخ الضائع للمحروسة في مدونة مصرية" و"جمهورية الفوضى: قصة انحسار الوطن وانكسار المواطن"

هكذا تكبر القامة وتعلو الهامة.. بالفعل والعمل

ولذا نقول باطمئنان: ما يجده القارىء في هذه المدونة، لن يجده في أي مكانٍ آخر من فضاء التدوين
وهذه المدونة تؤمن أن النصوص وحدها تقاوم الزمن، وتحفظ إلى الأبد صور من يطبعون الشوارع الغريبة بخطواتهم، ويذوبون في سينما النجوم الحالمة بأيدٍ متشابكة، وبعدها يسهرون بضحكاتهم المغلفةِ بالحنين في مطعمٍ لا يقدم لرواده سوى مقاعد تستدرج منا الغرام
لنبق معاً، نبحث في صندوق المعنى ونوقظ الوعي، ونسكب في أوعية من نعرفهم الأفكار ساخنة، وننفخ في روحِ وأشرعةِ الزَّمن، ونمسح دمعةً تغلق الباب على نفسها

فالكلام الناضج مثل الضوء يفتح النافذة، ويقطع الطريق على الظلام

لنبق معاً..فليست هذه سوى البداية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "عامان: ضوء يفتح النافذة"

أكتب تعليقا