جرائم العاطفة في مصر النازفة (14): نزهة الألباب في حادثة القبقاب

| |



القلبُ يقود الجيوش، لكنه قد يسقط العروش

واسألوا شجر الدر

وشجر الدر بنت عبد الله، جاريةٌ تركية – وقيل إنها أرمينية- حسناء، أهداها الخليفة العباسي المستعصم إلى نجم الدين أيوب في عهد ابن السلطان الكامل، فأعتقها وتزوجها. وسرعان ما أنجبت منه ولداً سمي خليل، وعُرِفَت به، فهي أم خليل
كانت هذه المرأة ذات حظوةٍ عند نجم الدين أيوب لجمالها وذكائها، وقد شاطرته ما لاقى من محن. مات ولدها صغيراً، فظلت تتكنى به. كانت مع زوجها لما تولى بلاد الشام ولما انتقل إلى مصر وتولى السلطنة. كانت في بعض الأحيان تدير أمور الدولة عند غيابه، وكانت كما يقول ابن إياس: ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، وقد نالت من العز والرفعة ما لم تنله امرأةٌ قبلها ولا بعدها، وكانت تكتب خطاً يشبه خط زوجها الملك الصالح، فكانت تعلم على التواقيع (بدائع الزهور في وقائع الدهور ( كتاب تاريخ مصر): 1/89_ 91)

توفي السلطان الصالح نجم الدين أيوب في ليلة النصف من شعبان سنة 647 هـ / 1249م بالمنصورة، والقوات الصليبية تزحف جنوباً على شاطئ النيل الشرقي لفرع دمياط؛ للإجهاز على القوات المصرية الرابضة في المنصورة. وكانت إذاعة خبر موت السلطان في هذا الوقت الحرج كفيلةً بأن تضعف معنويات الجند، وتؤثر في سير المعركة

اضطرت شجر الدر إلى إخفاء زوجها وأمرت بحمل جثته سراً في سفينة إلى قلعة الروضة بالقاهرة، وطلبت من الأطباء أن يدخلوا كل يوم إلى حجرة السلطان كعادتهم، وكانت تُدخل الأدوية والطعام غرفته كما لو كان حياً، فإذا سُئِلَت عنه قالت: السلطان مريض، ما يصل إليه أحد. واستمرت الأوراق الرسمية تخرج كل يوم وعليها علامة السلطان. عهدت شجر الدر للأمير فخر الدين بقيادة الجيش، حتى انتصر المسلمون على الصليبيين في موقعة المنصورة ثم فارسكور سنة 647 هـ / 1250م. كما أرسلت إلى تورانشاه (أو: توران شاه) ابن الصالح أيوب تحثه على القدوم ومغادرة حصن كيفا إلى مصر، ليتولى السلطنة بعد أبيه

وفي الفترة ما بين موت السلطان الصالح أيوب، ومجيء ابنه تورانشاه في (23 من ذي القعدة 648هـ = 27 من فبراير 1250م)، وهي فترة تزيد عن ثلاثة أشهر، نجحت شجر الدر في أن تمسك بزمام الأمور، وتقود دفة البلاد وسط الأمواج المتلاطمة التي كادت تعصف بها

بعد النصر تنكر السلطان الجديد لشجر الدر، وبدلاً من أن يحفظ لها جميلها بعث يتهددها ويطالبها بما كان عند أبيه من مال وجواهر، فكانت تجيبه بأنها أنفقته في شؤون الحرب، وتدبير أمور الدولة. ولم يكن تورانشاه بالشخص المناسب، فكان غير مستقيم الأخلاق، مفتقراً للمعارف والأنصار من المماليك والمصريين على السواء، لأنه قضى معظم حياته في حصن كيفا، وقد وصفه ابن الجوزي بأنه "كان سيء التدبير والسلوك ذا هوج وخفة" (مرآة الزمان: حوادث سنة 648هـ (1250م)

ولما اشتد تورانشاه على شجر الدر ورابها خوفٌ منه ذهبت إلى بيت المقدس خوفاً من غدر السلطان وانتقامه. غير أن تورانشاه لم يدعها وشأنها، فقررت التدبير لقتله

وهكذا عادت شجر الدر وجعلت تتصل بأنصارها من المماليك البرجية المعـادين لتورانشاه، فهاجموه وهو في معسكره في فارسكور، وذلك في 29 محرم عام 648 هـ (1250م)، ما اضطره لإلقاء نفسه في البحر من فوق برج خشبي كان قد التجأ إليه، فحرقوه عليه بعد أن قذفوه بالسهام، فـمات جريحاً غريقاً حريقاً، دون أن تنفعه استعطافاته وصياحه "ما أريد مُلكاً، دعوني أرجع، خذوا مُلككم ودعوني أعود إلى حصن كيفا"، ولكنهم لم يلقوا بالاً لأقواله وقالوا: "بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها"

وقيل إنه حاول الاستنجاد بأبي عز الدين رسول الخليفة العباسي، الذي كان معه في المعسكر فصاح: "يا أبا عز أدركني"، غير أن أبا عز الدين لم يكن يملك أن يفعل شيئاً تجاه هؤلاء القادة الغاضبين

وقيل: بقيت جثته على شاطئ النيل ثلاثة أيام، ثم دفنت مكانها وقيل: بل كشف عنها الماء بعد ثلاثة أيام، فنقلت إلى الجانب الآخر وذلك بجرها في الماء بصنارةٍ من قبل شخصٍ راكب في مركب كـما يجر الحوت


وهكذا انتهى حكم الدولة الأيوبية من مصر بعد أن حكموها إحدى وثمانين سنة ليبدأ بعد ذلك عصر المماليك

بايع أمراء المماليك وأعيان الدولة شجر الدر، فنصبوها سلطانة على مصر في الثالث من صفر عام 648 هـ السابع من مايو آيار 1250 م، في ذروة احتفال مصر بهزيمة لويس التاسـع ملك فرنسا وحملته الصليبية السابعة، ومغادرتهم لدمياط، ولقبوها باسم "الملكة عصمة الدين شجر الدر والستر العالي والدة الملك خليل
حكمت هذه المرأة ثمانين يوماً، وخطب الخطباء لها على المنابر بعد الدعاء للخليفة العباسي المستعصم بالله. وكان نص الدعاء لها على المنابر: "احفظ اللهم الجهة العالية الصالحية ملكة المسلميـن، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة الملك الـصالـح". كـما نقشـوا على السكة والنقود "المستعصمية الصالحية، ملكة المسلمين، والدة خليل، أمير المؤمنين"
اشتهرت شجر الدر بالدهاء حتى وصفها ابن إياس بأنها "صعبة الخلق، قوية البأس، ذات شهامة زائدة، وحرمة وافرة، سكرانة من خمرة التيه والعجب"

أخذت شجر الدر تعمل على تدعيم موقفها في الداخل، خصوصاً أن المسلمين لم يألفوا حكم النساء، وإن لم تكن شجر الدر أول امرأة تحكم في العالم الإسلامي، فقد سبق أن تولت رضية الدين سلطنة دلهي، واستمر حكمها أربع سنوات (634-638هـ/1236-1240م). أخذت شجر الدر تسرف في التقرب إلى أهل الدولة ومنحهم الرتب والإقطاعات كما خفضت الضرائب عن الرعية لتستميل قلوبهم إليها
وكان أول عمل اهتمت به بعد تولي الحكم هو تصفية الوجود الصليبي في البلاد، وإدارة مفاوضات معه، انتهت بالاتفاق مع الملك لويس التاسع الذي كان أسيراً بالمنصورة على تسليم دمياط، وإخلاء سبيله وسبيل من معه من كبار الأسرى مقابل فديةٍ كبيرة قدرها ثمانمئة ألف دينار، يدفع نصفها قبل رحيله، والباقي بعد وصوله إلى عكا، مع تعهدٍ منه بعدم العودة إلى سواحل المنطقة مرة أخرى

وبالرغم من كل ذلك فقد اضطربت الأمور في مصر عامة والقاهرة خاصة، وذلك احتجاجاً وأنفـةً من حكم امرأة، وعمت الفوضى القاهرة، ما اضطر شجر الدر إلى الأمر بإغلاق أبوابها منعاً لانتشار خبر هذه الاضطرابات

وزاد من خطورة هذا الوضع انضمام علماء المسلمين إلى العامة في هذه المعارضة، وعلى رأسهم الشيخ عز الدين عبد السلام، الذي كتب كتاباً حول ما قد يبتلي به المسلمون بولاية امرأة. كـما لم يوافق الخليفة العباسي على توليها السلطة، وعيَر أهل مصر بذلك قائلاً في رده على رسالة من المماليك يطلبون فيه تأييده لحكمها "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير لكم رجلاً"

ولا أدل على شعور المعاصرين بالحرج من قيام امرأة في حكمهم هو عدم إبراز اسم السلطانة مكشوفاً، فكانت المراسيم والمناشير تصدر وعليها علامتها "أم خليل"، كما نقش اسمها على السكة والنقود "المستعصمية الصالحية" ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل أمير المؤمنين

وعلى الرغم من نجاح شجر الدر في تسيير شؤون البلاد فإن ذلك لم يشفع لها عند الأمراء الأيوبيين المنتشرين في مصر وبلاد الشام، فانقسم البر الشامي عن البر المصري لتبقى بلاد الشام في حوزة الأيوبيين في حين انتقلت مصر لتُحكَم من قبل أميرة مملوكية
ولم تجد شجر الدر إزاء هذه المعارضة الشديدة بداً من التنازل عن العرش للأمير عز الدين أيبك، وكان يشغل منصب (أتابك العسكر)، أي رئيس الجند، الذي تزوجته، ليصبح لقبه الملك المعز أيبك
ولفظ أيبك من التركية بمعنى "الأمير القمر" وكان في الأصل مملوكاً لأولاد التركماني، وهم بنو رسوم في اليمن فعرف بأيبك التركماني، ثم انتقل لخدمة الملك الصالح أيوب (جمال الدين بن يوسف بن تَغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)
وإذا كانت شجر الدر قد تنازلت عن الحكم والسلطان رسمياً بعد ثمانين يوماً، وانزوت في بيت زوجها، فإنها مارست بمشاركة زوجها مسؤولية الحكم، وخضع هو لسيطرتها، فأرغمته على هجر زوجته الأولى أم ولده عليّ، وحرّمت عليه زيارتها هي وابنها، وبلغ من سيطرتها على أمور السلطان أن قال المؤرخ الكبير ابن تغري بردي: "إنها كانت مستولية على أيبك في جميع أحواله، ليس له معها كلام"

غير أن أيبك انقلب عليها بعدما أحكم قبضته على الحكم في البلاد، وتخلص من منافسيه في الداخل ومناوئيه من الأيوبيين في الخارج، وتمرس في إدارة شؤون البلاد

ثم دب الخلاف بين أيبك وزوجته شجر الدر، بسبب تسلطها وشدة غيرتها عليه، فحاول أن يتزوج من ابنة بدر الدين لؤلؤ الأتابكي صاحب الموصل نكايةً بها، خصوصاً وقد شعر بتآمرها مع أنصارها من المـماليك البحرية عليه وعلى مماليكه المعزية
غضبت شجر الدر وأخذت تفكر في الخلاص من زوجها، فأرسلت إلى الملك الناصر صلاح الدين، صاحب حلب ودمشق، برسالةٍ أسرَت فيها إليه أنها تريد قتل المعز أيبك والتزوج منه وتمليكه عرش مصر، فلم يجبها وظن أن في الأمر خدعة
وعَلم بدر الدين لؤلؤ بأخبار هذا الاتصال بين شجر الدر والناصر يوسف، فأبلغ أيبك به، فاحتاط لنفسه من غدر شجر الدر، وقرر في طويته قتلها
ولم تلبث شجر الدر أن سبقته في تنفيذ عزمها

فقد أخذت شجر الدر ترق له وتتلطف به، وفي ليلة دعته إلى زيارتها في قصرها بالقلعة فاستجاب لدعوتها . وبين رياش وحرير وطعام لذيذ وشراب أثير، أوشك أن يقترب منها فتمنعت بدلال الأنثى طالبة منه أن يغتسل من وعثاء السفر، فساقته إلى المسبح ودخله بقدميه، ولم يخرج منه إلى الأبد، إذ كانت قد أعدت خمسة غلمان لقتله فدخلوا عليه وقتلوه في الحمام في (23 من ربيع الأول 655هـ= 1257م)

أشاعت شجر الدر أن أيبك قد مات فجأة بالليل، ولكن مماليك أيبك لم يصدقوها، فصعدوا إلى القلعة ليحققوا في سبب وفاته، فعلموا بالحقيقة باعتراف الغلمان الذين قتلوا أيبك فأعدموهم وحاولوا قتل المحرضة، وكادوا ينجحون في ذلك لولا تدخل بعض المـماليك الصالحية، الذين نقلوها على عجل إلى البرج الأحمر في القلعة حمايةً لها. أما المماليك المعزية فقاموا بتعيين الطفل نور الدين علي نجل معز الدين أيبك مكان أبيه باسم الملك المنصور، وكان عمره خمس عشرة سنة، وعينوا قطز أتابكاً له

وكان أول عمل قام به السلطان علي بمساعدة أتابكه قطز، هو الأمر بقتل السلطانة السابقة شجر الدر، وذلك بتحريض من والدته، بعد أن ضعف شأن حماتها من المماليك الصالحية، فأمر بحملها إلى أمه وكانت تتحرق شوقاً للانتقام منها، فأمرت بقتلها "فضربتها الجواري بالقباقيب إلى أن ماتت، وألقوها عن سور القلعة إلى الخندق، وليس عليها سوى سروال وقميص. فبقيت في الخندق أياماً. أخذ بعـض أراذل العامة تكة سراويلها (المزينة بالجواهر الثمينة)، ثم دفنت بعد أيام وقد نتنت، فحملت في قفة إلى تربتها قريب المشهد النفيسي"
قبة السلطانة شجرة الدر، هي عبارة عن غرفة دفن مربعة الشكل تعلوها قبة، وهناك ثلاثة أبواب في وسط ثلاثة من أضلاعها؛ بينما يوجد المحراب في وسط الضلع الرابع من جهة القبلة. وللمحراب بروزٌ شبه دائري من الخارج، وعلى كل جانب من جانبيه كوة يعلوها عقد ذو زاوية. وفي وسط كل ضلعٍ من الأضلع الأربعة للضريح توجد كوة مستطيلة من الجص بالداخل. ويعلو كوة المحراب عقد نصف دائري. وجميع العقود محمولة على إفريز خشبي يحتضن الضريح تماماً
وهذا المحراب هو أول نموذج في مصر يحتوي على فسيفساء في شكل شريط مضفر وسط خلفية مذهبة، وبه رسم لشجرة بأغصان مسترسلة. ويوجد في وسط الضريح تابوت من خشب حديث نسبي؛ يضم أجزاء أخذت من التابوت القديم


وقيل إن امرأة أيبك الأولى احتفلت بالتخلص من غريمتها وضرتها، فصنعت حلوى من الرقاق واللبن المحلى بالسكر ووزعتها على العامة من المصريين الذين لم يعرفوا اسم هذه الحلوى، فأطلقوا عليها اسم صاحبتها "أم علي"

يقول ابن تغري بردي إن شجر الدر لما تيقنت أنها مقتولة جمعت جواهرها فسحقتها في الهاون لئلا يأخذها ابن زوجها الملك المنصور
وهكذا انتهت حياة السلطانة السابقة على هذا النحو: اغتيالٌ يجمع بين الغرام والسياسة
قضت شجر الدر بعد أن كانت ملء الأسماع والأبصار، وقد أثنى عليها المؤرخون المعاصرون لدولة المماليك، فيقول ابن تغري بردي عنها: "وكانت خيّرة دَيِّنة، رئيسة عظيمة في النفوس، ولها مآثر وأوقاف على وجوه البر، معروفة بها…"
غير أن الناس لم يعودوا يتذكرون من الحكاية سوى قباقيب الجواري..وحلوى أم علي

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (14): نزهة الألباب في حادثة القبقاب"

أكتب تعليقا