جرائم العاطفة في مصر النازفة (8): فندق الحب والقتل

| |




لندن.. موتٌ مريبٌ في ذاكرة المصريين، الذين نزفوا فوقها دماءهم في مناسباتٍ وظروفٍ مختلفة

وفي الساعات الأولى من يوم الثلاثاء الموافق 10 يوليو تموز عام 1923، روِعَ المجتمع المصري بمصرع المليونير علي كامل فهمي بك على يد زوجته الفرنسية ماري-مارغريت ألبير بعد شهورٍ من زواجهما

فندق "سافوي" في العاصمة البريطانية لندن كان شاهداً على الجريمة

فقد صعد الزوج إلى جناحه في الدور الثاني بالفندق، وكان قد تشاجر مع زوجته بعد أن رفض طلبها بالسفر إلى باريس لإجراء عملية جراحية. فكر في أن يناقشها في الأمر.. دخل جناحه رقم (40) وارتدى ملابس نومه، ثم توجه إلى جناحها. طرق الباب، فأبت أن تفتح له..هددها بأن يحدث ضجة، ففتحت له الباب. حدثت الضجة بالفعل بعد أن سمحت له بالدخول. بعد لحظات خرج الزوج شبه مطرودٍ من جناح زوجته

أثار ذلك فضول الخادم الليلي في الفندق فوقف يشاهد ما يجري في الردهة، وكانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف صباحاً. كان علي مرتدياً البيجامة، وقد بدت آثار صفعة الزوجة على خده. خرجت الزوجة بعد لحظة وهي ترتدي ملابس مسائية مطرزة، وأنبأت الخادم وهي تصرخ في غضب أن زوجها حاول خنقها. أدرك الخادم أنه أمام مشاجرةٍ زوجية قد تكون تقليدية..طلب منهما بأدبٍ مراعاة الهدوء وعدم إزعاج باقي النزلاء، ثم مضى في طريقه

كان آخر ما رآه هو مشروع مداعبةٍ بين "البرنس" - وهو اللقب الذي كان يزعمه علي كامل فهمي لنفسه- وبين كلبه الصغير الذي كان يلهو في الردهة، في حين أخذ علي يأمره بصفيره بالعودة

ما كاد الخادم يصل إلى منعطفٍ، حتى سمع دوي رصاصة، ثم أعقبها إطلاق عيارين ناريين آخرين. عاد الخادم ليجد "البرنس" وقد سقط متخبطاً في دمه، والكلب عند رأسه يلغ في هذا الدم، ومسدس "براوننغ" في يد مارغريت فهمي التي كانت تشير إلى جثة زوجها الذي كان الدم يخرج من فمه

وبسرعةٍ، حضر مساعد مدير الفندق إلى مكان الجريمة، وطلب على الفور طبيباً، كما أبلغ إدارة العلاقات العامة في الفندق قبل الاتصال هاتفياً بشرطة اسكوتلنديارد

كان من الممكن أن يظل هذا الحادث أسير صفحات الجريمة في الصحف البريطانية والمصرية والفرنسية، لولا هوية وجنسية القاتلة والقتيل، والتطورات المثيرة التي شهدتها تلك القضية

كانت ليلةً لندنية عاصفة..المطر يتساقط والبرق يضيء في السماء.. شقت سيارة الإسعاف طريقها مسرعةً إلى مستشفى "تشيرنغ كروس"، ونُقِلَت مدام فهمي إلى سيارة البوليس. في هذه الأثناء، كان العاملون في فندق "سافوي" قد أزالوا كل آثار جريمة القتل وخصوصاً آثار الدماء على سجادة الفندق، الذي استضاف منذ افتتاحه في العام 1889مشاهير مثل ونستون تشرشل، وتشارلي شابلن، وهمفري بوغارت، وجون واين، وريتشارد هاريس، وبرناردو برتولوتشي، وإلتون جون. ونامت في غرفه مارلين مونرو، وإليزابيث تايلور في إحدى مرات "شهر العسل"، ومارلين ديتريتش، وآفا غاردنر، وجان مورو، كما رسم فيه كلود مونيه مشاهد من نهر "تيمز"، ومن ذلك لوحة Waterloo Bridge, Temps Couvert (``Waterloo Bridge, Overcast Weather

في قسم الشرطة، قالت مارغريت: "قتلته، ولست أخشى شيئاً"!.. لكنها بعد لحظةٍ انخرطت في بكاء حاد، بعد أن وصلت قصة الحب الفاجعة إلى نهايتها.. فالقتيل علي كامل فهمي بك المشهور بالفشل والإسراف واللهو، وقع في غرام المطلقة الفرنسية ماري-مارغريت ألبير وأغرقها بالهدايا ليفوز على منافسيه من عشاقها، وذلك بعد أن زارت مصر في شتاء عام 1922،
وقضى العاشقان أياماً بعد ذلك بين فرنسا وإسبانيا

كان لدى علي كامل فهمي ثلاثة أشقاء، وبدا للجميع أنه ينفق ببذخ كأنه أمير، لدرجة أنه، ووفقاً لجريدة "الأهرام"، أنفق في السنوات الأربع التي سبقت مقتله "نصف مليون جنيه على النساء والخمور والسيارات. وتكلف القصر الذي بناه لنفسه 120 ألف جنيه. وكان من عادته أيضاً تقديم هدايا ثمينة إلى الشرطة في كل مدينةٍ يقيم بها"

وفي مذكراتها بشأن زواجها من علي كامل فهمي – وهي المذكرات التي تسابقت الصحف على نشرها بعد محاكمتها-
تقول مارغريت إنها كانت في القاهرة حين بدأ الرجل الذي سيصبح لاحقاً زوجها، في التودد إليها. وبطبيعة الحال، تأثرت مارغريت بهذا الغزل والإعجاب "ومع تنامي حب فهمي لي ليصبح أقوى يوماً بعد يوم، بدأت أرى أمامي حياةً قرأت عنها فقط في كتاب "ألف ليلة وليلة" وسمعت كلاماً عاطفياً عن الحب ووعوداً بما يمكن أن توفره لنا ثروته الضخمة من سعادة"
وقدمت مذكرات مارغريت صورة عن سخاء وبذخ زوجها، إذ كانت لديه ثلاثة هواتف في غرفته بالفندق، موضوعة بشكل معين بحيث توفر عليه مشقة التنقل في الغرفة. وكان لديه قارب سريع مزود بمحرك بقوة 450 حصاناً "كان يندفع به على سطح نهر النيل بسرعةٍ مخيفة وخطيرة، صانعاً أمواجاً قوية تتسبب في اهتزاز العوامات بشدة وميلها باتجاه الضفاف، وتحطيم الأواني الفخارية الموجودة بها، في حين كان شاغلوها يصعدون إلى سطحها ليطلقوا وابلاً من الشتائم على القارب وركابه"

وبعد مراوغاتٍ من المرأة اللعوب وافقت على الزواج منه، وعُقِدَ الزواج المدني في 26 ديسمبر كانون أول عام 1922وفي 11 يناير كانون ثانٍ أشهرت مارغريت إسلامها وحملت اسم والدة زوجها منيرة..وبعد بضعة أسابيع أخرى عُِقدَ الزواج الديني

وكما نُشِرَ في مجلة "اللطائف المصورة" عدد 23 يوليو تموز عام 1923، فإن علي كامل فهمي أنفق 120 ألف جنيه في تأثيث القصر الذي بناه على النيل في الزمالك (مجمع الفنون الآن) عشية زواجه من مارغريت في فبراير بعد أن أسلمت وأطلقت على نفسها اسم منيرة, وابتاع لها في باريس جواهر بمبلغ 200 ألف فرنك أمنت عليها بمليون ومئتي ألف فرنك. ووصفت المجلة آنذاك صورة مارغريت بأنها "صورة الشيطان في جسم ملاك"

وأثناء شهر العسل، اتضحت الهوة بين الزوجين..فكلٌ منهما ينتمي إلى حضارة مختلفة.. إذ كان الزوج البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً حريصاً على أن يسيطر على زوجته النمرة المتمردة فيما ضاقت هي بتصرفاته الشرقية. وبدأ الصراع يتطور حتى أخذ الزوج يعامل مارغريت - التي تكبره بعشرة أعوام، إذ كانت في الثالثة والثلاثين- باعتبارها جاريةً يملكها، فيضربها أمام خدمه ويهجرها. وأثناء الأسابيع التي استغرقتها رحلة اليخت من القاهرة إلى الأقصر لقضاء شهر العسل، عاملها الزوج بقسوةٍ، في محاولةٍ للسيطرة على تصرفاتها التي أثارت في نفسه الغيرة والشكوك، لدرجة أن الرعب تملكها، فكتبت رسالة إلى محاميها المصري البروفيسور أسود، وطلبت من وصيفتها الفرنسية أن ترسلها له بالبريد.. وألحقت بالرسالة وثيقة طلبت من المحامي أن يحتفظ بها

وجاء في نص هذه الوثيقة: "أنا ماري-مارغريت ألبير..أقر وأنا مالكة لقواي العقلية تماماً أنني في حالة مصرعي بالعنف، أو وقوع أي مكروه لي.. أتهم رسمياً زوجي "علي بك" بأنه قد ساهم في اختفائي من الحياة..ذلك أنه في الساعة الثالثة من بعد ظهر أمس- 21 يناير 1923- تناول القرآن ثم لثمه..ثم وضع يده عليه، وأقسم بأن ينتقم لنفسه مني ذات يوم، سواء غداً أو بعد غد أو بعد أسبوع أو شهر أو ثلاثة أشهر..المهم أن أختفي من الأرض بيده..وقد أقسم زوجي هذا القسم دون أدنى سبب مفهوم، سواء من غيرة أو سوء سلوك أو مشهد عاصف جانبي..لذلك فإنني أرغب، بل وأطالب بإنصاف ابنتي وأسرتي من عواقب فعلته..والثأر لي منه"

لكن المفارقة وقعت، إذ كانت "ماغي" ذات الجسم الصغير والمثير هي التي أقدمت على قتل زوجها بإطلاق الرصاص عليه في ظهره، بعد أن ضاقت ذرعاً بساديته واستمتاعه بتعذيب من يحب، إضافة إلى ميلوه المنحرفة في علاقته الحميمة معها، لدرجة أنها خضعت لعلاجٍ طبي من آثار هذا الانحراف، ونصحها الطبيب المعالج بإجراء عمليةٍ جراحية. وعندما رفض علي كامل فهمي سفرها إلى باريس للعلاج وزيارة ابنتها غير الشرعية ذات الخمسة عشر ربيعاً التي تدرس هناك، دب الخلاف بينهما

وفي إفادتها، قالت مارغريت إن زوجها كان يسيء إليها جسدياً ويحبسها في يخته أثناء رحلة شهر العسل. وفي الأقصر، جعلها ترقد في مقبرة فرعونية فارغة لالتقاط صورة لها. وحين وصلا فندق "سافوي" بعد بضعة أشهر، وصلت العلاقة بينهما إلى نقطة الفراق، بعد رفضه دخولها مستشفى لإجراء عملية جراحية كانت تحتاجها

وفي ظل هذه الصورة المعقدة، اتجهت أنظار المعنيين بالقضية إلى المحاكمة

وفي قاعة المحكمة، وقعت مفاجآتٌ من العيار الثقيل

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (8): فندق الحب والقتل"

أكتب تعليقا