جرائم العاطفة في مصر النازفة (12): الحنفي والشافعي..وبينهما امرأة

| |





مصيبةٌ، إن كان في الحب ثلاثة أطراف.. فضيحة، إن أصبح أطراف العلاقة أربعة فما أكثر

قبل غروب شمس العصر المملوكي، حدثت واقعةٌ جمعت بين الحب والمكر والخديعة

كان بطل القصة نور الدين المشالي شاباً في أواسط الحلقة الثالثة من عمره..وظيفته الرسمية: نائب من نواب الحنفية، أي أنه قاضٍ ممن يحكمون على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان. ولم تكن حالته ميسورة نظراً لقلة ومحدودية ما يتقاضاه من المتقاضين. وعلى الرغم من أنه كان متزوجاً وله ولدٌ من هذه الزيجة، فقد ارتبط بعلاقةٍ خاصة مع فاطمة، المتزوجة من أحد نواب "قضاة" الشافعية، ويدعى غرس الدين خليل الذي كان صديقاً للمشالي وأحد رفاقه على المقهى

وظل الأمر على هذه الحال..المشالي على علاقةٍ سرية مع فاطمة، في حين يحتفظ بصداقته لزوجها خليل الذي كان غافلاً عما يحدث، حتى تدخل طرفٌ آخر ليفتح عينيه على ما يجري ويكشف تفاصيل ما يجري في الخفاء: شميس

كان هذا الشاب الملتحق بمجالس القضاة يهوى فاطمة، وكانت بينهما نظراتٌ وعلامات وبشائر اتفاق..وقبل أن تتطور تلك النظرات إلى ما كان شميس يطمح إليه، ظهر الشمالي في أفق فاطمة..وهكذا انصرفت المرأة اللعوب عن شميس وصدَته..من أجل عيني المشالي!

وككل عاشقٍ خائب، فقد ترصدها شميس وأخذ يتحسس أخبارها ليعرف سر انصرافها عنه، حتى عرف أن المشالي هو العاشق الخفي الذي وقعت فاطمة في هواه..وفي 11 ديسمبر كانون أول عام 1513 قرر خليل أن يقضي ليلةً في رحاب مسجد "الإمام الليث" – وهو مسجد بُنيَ بأمرٍ من الملك الأشرف قانصوه الغوري، على مشهد الإمام الليث بن سعد، مفتي أهل مصر، بالقرافة الصغرى، بالقرب من مشهد الإمام الشافعي- مع بعض أصدقائه من الصوفيين يتعبدون وينشدون الأذكار لله ويشكرونه على ما أفاء به من نعيم أعقب شهورالطاعون والكساد

وعندما خرج خليل من بيته قبل صلاة المغرب، كان شميس جالساً على مصطبة أمام منزله المجاور، فألقى عليه الأول التحية وأبلغه بأنه سيقضي الليلة خارج منزله، وعرض عليه أن يصاحبه، لكن شميس اعتذر ورفض العرض

وما إن مضى خليل في اتجاه مسجد الإمام الليث حتى كان شميس قد قرر أمراً: ظل جالساً في مكانه وعيناه مثبتتان على بيت خليل أمامه..تنتقل حيناً إلى المشربية، منتظراً أن يلمح خلفها طيف فاطمة كما كان يحدث في زمن مضى

أخيراً، فُتِحَ الباب

وخرجت من الدار جاريةٌ كان شميس يعرفها تماماً.. إنها كاتمة أسرار فاطمة وموضع ثقتها، وكانت يوماً رسول غرامٍ بينها وبينه..فتبعها إلى أن لمحها وهي تتحدث مع أحد أتباع المشالي في ركنٍ مظلم في أحد الشوارع، فأدرك أن فاطمة قد أرسلت تستدعي عشيقها، وهذا ما تأكد له بعد قليل عندما طرق باب فاطمة أحد أتباع المشالي وهو يحمل بعض اللفافات لم يشك شميس في أنها هديةٌ إلى المعشوقة الفاتنة من عشيقها

وتحت جنح الظلام، لمح شميس من مخبئه غريمه المشالي وهو يتسلل إلى منزل فاطمة. لحظتها قرر الانتقام بدافع الغيرة التي عصفت به، فمضى مسرعاً إلى مسجد الإمام الليث، وهناك وجد خليل مستغرقاً في الذكر بكل جوارحه، فجذبه من كُمه وأخطره هامساً بكل شيء، وركب كلٌ منهما حماره وعادا مسرعين إلى القاهرة. هَمَ خليل بأن يطرق الباب، لكنه خشي أن يخفي الخائنان آثار جريمتهما، فتسلق سور المنزل، وتوجه على الفور إلى حجرة النوم، فوجد المشالي مع زوجته في "الناموسية"، وهما تحت الغطاء متعانقان، فقبض عليهما باليد وأوسعهما ضرباً

أثارت الجلبة فضول الجيران الذين كان معظمهم مستغرقاً في النوم في تلك اللحظة، وسرعان ما فتحت النوافذ وأطل الجميع مستفسرين، ووقف عددٌ من المارة يتسمعون ويحاولون معرفة وفهم ما يجري. فقد المشالي أعصابه - كما يروي صلاح عيسى في كتابه "حكايات من دفتر الوطن"- بعد أن افتُضِحَ أمره في فراش رجلٍ آخر وهو عارٍ ومخمور، لكنه استطاع أن يتمالك ما بقي من أعصابه ليطلب من خليل أن يهدأ، ويتوسل إليه ألا يفضحه، ويعده بأن يكتب له صكاً بألف دينار، فيما قالت له فاطمة إنها مستعدةٌ للتنازل عن جميع أمتعة البيت، على أن يتستر المشالي على الأمر

أصر الزوج على الرفض على الرغم من توسلات المشالي وفاطمة، واستفزه ما عرضاه عليه حتى يصمت ويتستر على الفضيحة، فانهال عليهما ضرباً. وفي النهاية أغلق عليهما باب الحجرة، ووضع عليهما حراسةً من بعض خدم المنزل، وتوجه فوراً إلى دار حاجب الحجاب، أي كبير الأمناء، وهو منصبٌ مملوكي، كان صاحبه يقوم مقام النائب في الولايات، وإليه يشير السلطان، وإليه يرجع عرض الجند وما شابه ذلك، وإليه تُقدّم العروض.. وهو من يقوم بالنظر في مخاصمات الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك (المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، 2/ 219)

بمجرد أن سمع حاجبُ الحجاب، الأمير أنسبائي، تفاصيل القصةِ حتى أرسل فألقى القبض على العاشقين اللذين افتضح أمرهما، وعندما وصلا إلى داره بدأ التحقيق معهما. بدا المشالي مرتبكاً ويود أن يتخلص من الموقف بأي شكل، فاعترف بكل شيء. سمع حاجب الحجاب التفاصيل باهتمام، ثم أرسل لإحضار أحد زملاء المتهم، وهو القاضي شمس الدين بن وحيش، فأعاد التحقيق أمامه، ثم أحضر دواةً وقلماً، فكتب المشالي اعترافه بخط يده، ووقع القاضي ابن وحيش على المحضر بما يفيد أن الاعتراف تم في حضوره، دون ضغطٍ أو تعذيبٍ للمتهم

وبعد أن انتهى التحقيق أمر حاجب الحجاب بضرب المشالي، فضُرِبَ ضرباً مبرحاً حتى كاد يلفظ أنفاسه، ثم رُفٍعَت المرأة على أكتاف الجنود وضُرِبَت هي الأخرى حتى أغميَ عليها..وأمر حاجب الحجاب بالتشهير بهما وتجريسهما في القاهرة

وفي صباح اليوم التالي بدأت عملية "التجريس" وأُركِبَ نور الدين المشالي وفاطمة كلٌ على حمار، وأجبٍرَ المشالي على وضع عمامته وهي الشارة التي تدل على أنه من القضاة..وكان وجه كلٍ منهما إلى مؤخرة الحمار، وطافوا بهما الشوارع المحيطة، والجنود حولهما يدقون الأجراس وينادون على الناس ليجتمعوا حولهما ويسمعوا قصتهما..والمغاني في الخلف يزفونهما بالطارات..وقد وضِعَ في عنق المشالي "ماشة" و"هون". وهكذا طافوا بهما في أحياء "الصليبة" و"قناطر السباع"- حي السيدة زينب حالياً- ثم عادوا بهما إلى دار حاجب الحجاب حيث ضربوهما بالسياط أمام الناس عقاباً لهما

وربما كانت هذه الفضيحة كافيةً لتوقيعها على العاشقين، بعد أن ضُرِبا وعُذِبا و"جُرِسا" في أنحاء القاهرة..وغاية ما هناك أن المرأة كانت ستُطَلَق، أما المشالي فكان المنطقي هو أن يُفصل من وظيفته..لكن الموقف تم تصعيده على نحوٍ غريب ليرسم ملامح أخرى لتلك الحادثة

هنا، بدأ رنين الذهب..وصوت الطمع يعلو فوق الجميع

إذ قبل أن يأمر حاجب الحجاب بالإفراج عن المشالي وفاطمة، فكرَ في أن يكسب من "الجهد" الذي بذله أثناء التحقيق في القضية، فاستدعى الرجل والمرأة وطالب كلاً منهما بمئة دينار كي يفرج عنهما. أبدى المشالي استعدادهلدفع المبلغ، أما المرأة فاعتذرت قائلةً إن زوجها وضع يده على جميع ما تملك من مال

وعلى الفور، أرسل حاجب الحجاب في استدعاء خليل وطالبه بأن يحضِر من مال زوجته مئة دينار على سبيل الرشوة.. إلا أن خليل الذي بدا مذهولاً مما حدث رفض دفع المبلغ، فثار حاجب الحجاب وأمر جنوده بإلقاء القبض على الزوج المخدوع وتعذيبه حتى يذكر مكان مال زوجته ويحضر منه المال المطلوب

دفع المشالي الرشوة فأفرج عنه..وأفرج عن المرأة..وهكذا أفلت المذنبان واعتقل الزوج المسكين وبديء في تعذيبه..لكن خليل الصغير استغل مرور السلطان بالقرب من حوش "الدهيشة" السلطاني في القلعة، فارتمى أمام موكبه وقص على السلطان قانصوه الغوري ما حدث. استفز السلطان ما حدث فاستدعى القضاة وهو غاضبٌ، ثم قال في حضورهم: "والله افتخرتم يا قضاة الشرع..نوابكم شيء يشرب الخمر، وشيء يزني، وشيء يبيع الأوقاف"..ثم سأل عن القاضي ابن وحيش الذي حضر اعتراف المشالي بالزنا..وعندما وقف أمامه طلب منه أن يشهد في المجلس بما صدر عن الزاني من اعتراف. وفي النهاية سأل السلطان القاضي عن رأيه، فقال ابن وحيش: "أنا ثبت عندي رجمهما..لا بد من تطبيق الحد"، فقال السلطان على الفور: "إذاً أصدر حكمك برجمِهما"


غير أن ابن وحيش أثار نقطة شكلية، فقال إنه لا يستطيع أن يصدر حكماً في القضية لأنه مجرد "نائب"، إلا إذا حصل على إذن بالحكم فيها من قاضي قضاة مذهبه، وهو القاضي الشافعي كمال الدين الطويل، فأذن له القاضي الشافعي بذلك. وهكذا أمر السلطان بإعادة القبض على المشالي وفاطمة لتنفيذ حكم الرجم عليهما، وتم اختيار مكانٍ تُحفَرُ فيه حفرةٌ لكلٍ من الزاني والزانية عمقها بطول قامةِ كلٍ منهما، بحيث لا يظهر منهما سوى الرأس فقط، لتكون هدفاً سهلاً للحجارة التي يلقيها الناس عليهما حتى يموتا. أودِعَ المشالي سجن "المقشرة"، وما أدراك ما "المقشرة!

يذكر المقريزي في كتابه "السلوك" الجزء الرابع في حوادث سنة 820هـ أن البرج المجاور لباب الفتوح من سور القاهرة الشمالي بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين جامع الحاكم بأمر الله رسم أن يعمل سجنًا لأرباب الجرائم بعد هدم خزانة شمايل، وكان يُعرف باسم برج المقشرة؛ لأنه كان يقشر فيه القمح. ويصفه المقريزي بأنه من أشنع السجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف‏، وبلغ الأمير فخر الدين أن السجن الذي استجدَّ عند باب الفتوح بالقاهرة- عوضًا عن خزانة شمايل- يقاسي فيه أرباب الجرائم شدة من ضيقه ويقاسون غمًّا وكربًا شديدًا فعين قصر الحجازية بخط رحبة باب العيد ليكون سجناً عوضاً عنه

أما فاطمة فقد ذهبوا بها إلى سجن النساء، وكان يُعرَفُ باسم "الحجرة"، وأفرِجَ عن الزوج المسكين

الغريب أن تطبيق حد الزنا لم يكن يُطبَقُ في مصر منذ عهد الخلفاء الراشدين، ما أثار موجة من الجدل والنقاش في أنحاء القاهرة آنذاك

غير أن الآتي كان أعظم

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (12): الحنفي والشافعي..وبينهما امرأة"

أكتب تعليقا