جرائم العاطفة في مصر النازفة (11): لعنة "أولاد الذوات"

| |






في قضية مقتل علي كامل فهمي..دخل الفن على الخط

يقول د. لويس عوض في سيرته الذاتية "أوراق العمر": "وقد كانت أهم ثمرة في أدب المسرح لتعاظم هذه الحملة على الزوجة الأجنبية هي مسرحية "أولاد الذوات" التي كتبها ومثلها يوسف وهبي (عام 1930) وهي تصور وجيهاً مصرياً اغتر بالنشرة الحضارية البراقة التي تتميز بها المرأة الأوروبية فتزوج من فتاة أجنبية بددت أمواله وخربت بيته واكتشف أنها تخونه. وقد كنا نتندر ونحن صغار بذلك الكريشندو الذي بلغه يوسف وهبي وهو يصيح في زوجته الأجنبية قبل أن يطلقها "يا امرأة الكل يا مزبلة". ويبدو أن "أولاد الذوات" كانت الرد الميلودرامي على قضية مارغريت فهمي وعنصرية مارشال هول، من وجهة نظر مصرية. بعبارة أخرى: إذا كنتم تصفون كل الأزواج المصريين بأنهم جلادون يسحقون زوجاتهم, فنحن أيضاً نصف كل الزوجات الأجنبيات بأنهن ساقطات يخن أزواجهن, ونبقى خالصين, والبادي أظلم. وهذه التعميمات في الحالتين سذاجات لا تليق بالمتحضرين"

لا بد من القول إن فيلم "أنشودة الفؤاد" من إخراج ماريو فولبي عام 1932, هو أول فيلم مصري طويل ناطق. وبالرغم من أن "أنشودة الفؤاد" أنجِزَ قبل فيلم "أولاد الذوات" إخراج محمد كريم، فإن الفيلم الثاني سبقه إلى العرض في 14 مارس آذار عام 1932 في سينما رويال بالقاهرة, في حين عرض "أنشودة الفؤاد" في 13 أبريل نيسان في سينما ريالتو بالإسكندرية ثم في سينما ديانا بالقاهرة في اليوم التالي

عن نص "أولاد الذوات" كتب يوسف وهبي قصة وحوار الفيلم الذي أخرجه وكتب له السيناريو محمد كريم بالعنوان نفسه. أبطال الفيلم هم: يوسف وهبي، أمينة رزق، سراج منير، كوليت دارفيل، أنور وجدي، حسن فايق. وملخص قصة الفيلم من واقع ما نشر عنه: يخون حمدي زوجته المصرية مع فتاة فرنسية, ويسافر معها إلى باريس, وهناك يكتشف أنها تخونه, فيقتلها ويقتل عشيقها, ويحكم عليه بالسجن. يعود حمدي إلى مصر يوم زفاف ابنه ليجد ان زوجته قد تزوجت من ابن عمها بعد أن تصورت أنه توفي في فرنسا. ومن دون أن يعرف نفسه، يتقدم حمدي نحو ابنه ويقدم له التهاني, فيتصور الابن أنه شحاذ ويعطيه بعض المال. يغادر حمدي المنزل وينتحر!

يذكر المخرج محمد كريم في مذكراته أن جريدة "لابورص" الفرنسية هاجمت فيلم "أولاد الذوات" ونشرت جريدة "المقطم" ترجمةً عربية للمقال في عدد 30 مارس آذار عام 1932 جاء فيها "إذا تركنا جانباً الوجهة الفنية التي عمل عليها فيلم "أولاد الذوات" وهي تعد عتيقة مضحكة, فنحن نجد أن هذا الفيلم هو على مثال أفلام روسيا الشيوعية التي تترك الفن للفن وتقصد الدعاية, فقد أرادوا به أن يروجوا الدعوة لدى المصريين لكراهية المرأة الأوروبية وخاصة الفرنسية, فهي تخرب البيوت وتقود الرجال ضحيتها إلى الدمار وإلى الجريمة وإلى الموت. ولكي يستكملوا المظاهرة وضعوا بطريقةٍ كلها عبث أطفال جميع الرذائل وضروب الخسة في شخص تلك المرأة وعهدوا بها للمدموازيل كوليت درافيل التي قامت بالدور عن طيب خاطر، وهو موضع العجب"

ويستطرد كاتب المقال قائلاً: "وليس من شك أن الكثير من الناس الطيبين قد صدقوا أن هذا هو حال المرأة الأوروبية. ولا حاجة للقول إن شخصية "دافاس" إنما هي كاريكاتورية بل وكاريكاتورية مشوهة, فقد جمعوا فيها كل شيء ليجعلوها رمز رذيلة الغرب في مقابل فضيلة الشرق. وكان هذا منهم عملاً رديئا. كما لو أنهم مثلوا في أوروبا عصابة يبدو فيها شاب مصري يخدع امرأة, فمثل هذا الفيلم يضيق به الناس لأنه ينطوي على الحقد, ولكن ما من أوروبي صنع ذلك الفيلم, فكيف يخرجون في مصر فيلماً كهذا مبنياً على التعصب من دون أن يكون حتى على شيء من الفن"

ويقول محمد كريم في مذكراته: "ثم نشرت "المقطم" النبأ التالي: "قدم بعض الأجانب شكوى إلى وزارة الداخلية في فيلم "أولاد الذوات" وقالوا إن فيه تعريضاً وأسباباً للنفور فندبت الوزارة جناب المستر غرايفز ومعه أعضاء اللجنة المختصة بهذه الأمور فذهبوا يوم الأربعاء إلى سينما متروبول حيث عرض الفيلم عليهم فحكموا بأن ليس فيه ما يستحق الاعتراض أو المؤاخذة على المرأة الفرنسية, وأكدت اللجنة إجازة الاستمرار في عرضه على أنظار الجمهور. وكان قد حدث على أثر هذه الحملة أن أوقفت وزارة الداخلية الفيلم في أول يوم من عرضه الثاني في سينما متروبول في الحفلة الصباحية, وحدثت في البلاد هزة كبرى لهذا المنع أفادت الفيلم فائدة عظيمة, وصادف عرضه إقبالاً كبيراً"





وفي عام 1947 أنتج فيلم The Paradine Case للمخرج ألفريد هيتشكوك عن رواية وضعها عام 1933 روبرت هيتشنز ، الذي كان لفترةٍ مساعداً للأديب أوسكار وايلد. بنى هيتشنز روايته على جريمتين مثيرتين في بريطانيا، الأولى هي جريمة الأمريكية فلورانس مايبريك التي وجدت مذنبة وأدينت بتسميم زوجها البريطاني في ليفربول العام 1889. أما الحادثة الثانية فهي قضية مدام فهمي

كما شهد عام 1994 تقديم مسلسل تليفزيوني يحمل عنوان "في ظروف مثيرة للشكوك"
"In Suspicious Circumstances"

كانت الحلقة الأولى منه حول جريمة مدام فهمي، ولعبت دورها الممثلة جوستين ميدا

ويرى البعض أن أحداث وتفاصيل جريمة قتل علي كامل فهمي تؤهلها لأن تكون من أكثر الجرائم العاطفية إثارة في القرون الثلاثة الأخيرة. وإن كنت من المؤمنين بحكاية لعنة "الملك توت" أو لعنة الفراعنة، فلا بد أن تتوقف طويلاً عند جريمة القتل المذكورة. فقد كان علي كامل فهمي شخصيةً اجتماعية معروفة في بلاط الملك فؤاد - وأثناء فترة زواجه القصيرة زعم أنه يمت بصلةٍ للملك فؤاد وأسبغ على نفسه لقب "برنس"- وكان من أوائل من زاروا معسكر هوارد كارتر ولورد كارنارفون في العام 1922، لمشاهدة الكنز الثمين الذي تم اكتشافه للفرعون الشاب توت عنخ آمون. ويورد البعض اسم علي فهمي ومصيره المأساوي ضمن قائمة طويلة بالنهايات الأليمة التي نزلت بمن شاركوا في هذا الكشف الأثري أو كانوا شهوداً عليه في مراحله الأولى


وقد يستوقفنا في هذا الصدد بحثٌ مهم أعدته لوسي بلاند ونشر في كتاب الجنسانية والتاريخ Gender & History. البحث يحمل عنوان "نساء بيضاوات ورجال ملونون: المخاوف من تمازج الأجناس في بريطانيا عقب الحرب العظمى" White Women and Men of Colour: Miscegenation Fears in Britain after the Great War

تقول الباحثة إنه "من المقترح أن تمازج الأجناس وقف كعلامةٍ حدودية بريطانية، تفصل بين المقبول وطنياً وما يمثل تهديداً وطنياً. والطرفان المعنيان هنا: الرجل البدائي الملون والمرأة البيضاء – من النوع الرخيص- كانا يصنفان بوصفهما من ذوي الانحراف الجنسي"

وفي مقالةٍ ثانية، نشرت لوسي بلاند في العام ألفين دراسةً مهمة تركز على هذه الحادثة تحت عنوان " محاكمة مدام فهمي: الاستشراق، العناد الجنسي وتهديد تمازج الأجناس"The Trial of Madame Fahmy: Orientalism, Sexual Perversity and the Threat Miscegenation

وتبين بلاند أن مسألة العرق وليس العجرفة المعكوسة، هي التي أنقذت مدام فهمي أثناء محاكمتها بتهمة قتل زوجها، الذي كان يُمثَلُ على أنه "شرقي" وبالتالي متوحش ومنحرف جنسياً. وكما تفسر لنا بلاند، فإن المتهمة جسَدَت "الأنوثة الغربية، في مواجهة وحشية الشرق" (ص 193)

ويمكن أن نجد تلك الدراسة في كتاب حررته شاني دكروز بعنوان" العنف اليومي في بريطانيا (1850-1950): الجنسانية والطبقة والعنف في بريطانيا، 1850-1950"، الصادر عن دار لونغمان للنشر

Shani D'Cruze (ed), Everyday Violence in Britain, 1850-1950: Gender, Class and Violence in Britain, 1850-1950

معلوماتٌ أخرى يضيفها أندرو روز في كتاب "فضيحة في سافوي: قضية القتل سيئة السمعة في عشرينيات القرن العشرين" Scandal at the Savoy: The Infamous 1920's Murder Case

يقول المؤلف إن مقتل المليونير المصري العابث في الأول من شهر سبتمبر أيلول عام 1923 على يد زوجته الفرنسية الحسناء في فندق "سافوي" الفخم في لندن، أثار بعناصره المختلفة اهتمام وسائل الإعلام لتنال الجريمة تغطيةً موسعة وتثير نقاشاً مستمراً في أوساط الرأي العام لشهورٍ طويلة

وينطلق أندرو من خبرته العريضة في القانون الجنائي ليفحص الحقائق خلف القضية، ويلقي الضوء على معلوماتٍ وأسرار كثيرة تتعلق بمدام فهمي وزوجها، لم تتح للقاضي ولا المحلفين فرصة معرفتها. ويقول أندرو إن الميول الجنسية المزدوجة لدى علي فهمي هي سر المأساة والجريمة. ولعله من الضروري القول إن أندرو هو أول شخص من العامة يُسمحُ له بالاطلاع على ملف الشرطة بشأن الحادث

لقد كرهت مارغريت زوجها طوال أشهر زواجهما الثمانية، لكنها كانت من الذكاء بما يكفي كي تقتله في لندن، حيث يمكنها الحصول على محلفين أكثر تعاطفاً ومحامي دفاع أفضل، كما نجد في الجزء رقم 86 من مجلة MURDER CASEBOOKوالصادر عام 1991 تحت عنوان"طلقات في الظلام: مارغريت فهمي ولوك آه تام"
Shots In The Dark: Marguerite Fahmy & Lock Ah Tam


The Mammoth Book of Women Who Kill (Mammoth Books)
تأليف ريتشارد غلين جونز

Chronicle of Murder: A Chronological Analysis of Murder
تأليف بريان لين

Murder on Several Occasions
تأليف جوناثان غودمان

ولكن ماذا عن ماري-مارغريت ألبير، أو "مدام فهمي" كما أسمتها الصحافة البريطانية؟

بعد نيلها البراءة، خسرت مارغريت دعوى قضائية أقامتها لنيل تعويض مادي من أهل الزوج الراحل، لكنها سرعان ما انشغلت بمهنتها الجديدة: التمثيل

فقد رفضت في البداية عرضاً بالوقوف على خشبة المسرح، ثم وافقت على عرضِ قدمه لها أحد المنتجين بأن تمثل على الشاشة، على أن يكون دورها الأول هو دور زوجة رجل مصري

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (11): لعنة "أولاد الذوات""

أكتب تعليقا