جرائم العاطفة في مصر النازفة (6): حرب الأمراء

| |



أُحضِرَ الأمير سيف الدين من سجنه إلى المحكمة، وجلس مع أمه وأخته في حجرة جانبية بالمحكمة. وأمام المحكمة قال محامي سيف الدين إن بيان الجريمة تنقصه الدقة، وإن هناك خطأ في تطبيق القانون، وبطلاناً فيما يخص تدخل الأمير أحمد فؤاد في القضية..لكن الأمير سيف الدين عاد إلى سجنه في اليوم نفسه بخُفي حنين، فقد رأت محكمة النقض أنه لا يوجد أي خللٍ في حكم محكمة الاستئناف، ومن ثم فقد رفضت التماس النقض

وبدأ سيف الدين يعاني أكثر تجارب الإذلال في محنة السجن. لم يقتصر الأمر علي أن يعيش جنباً إلى جنب مع أرباب السوابق والمجرمين من نزلاء السجن، بل إن إدارة السجن سمحت للزوار بمشاهدة الأمير السجين وهو يعمل في السجن كنجار. وكان زوار السجن يتطلعون في فضولٍ إلى الأمير وهو جالس على دكةٍ في السجن يحاول - بلا خبرة - أن يحسم بالخشب أشكالاً متنوعة، وكانوا يتغامزون ويضحكون عندما تفلت من بين أصابعه السكين أو بعض المسامير

تحمل سيف الدين كل ذلك فترة طويلة، لكنه في النهاية ثار وتقدم بشكوى، إلا السلطات لم تتحرك إلا بعد مضي شهرين، مطالبةً مأمور السجن بأن يمنع عن الأمير السجين زيارات الإهانة والمهانة

وبعد انقضاء سنةٍ عليه وهو في السجن يتجرع الذل، قدم سيف الدين التماساً إلى الخديو عباس الثاني، إلا أن الأخير أحال الالتماس إلى وزارة العدل. في الوقت نفسه، ذهبت أمه الأميرة نجوان وأخته الأميرة شويكار إلى أبعد من ذلك، وقدمتا التماساً بطلب العفو عنه إلى ملكة انجلترا. غير أن هذه الجهود لم تُجد نفعاً. وعادت الأميرتان لتقدما التماساً إلى الخديو

لكن الخديو عباس الثاني قال في "رقة": إن الشفقة مست شغاف قلبه، لكن الوقت الذي قضاه سيف الدين في السجن لا يكفي للتكفير عن جريمته.. إلا أن الأمير لن يكون مضطراً للانتظار طويلاً حتى يصدر العفو عنه

امتلأت الأميرتان بالأمل، وفسرتا كلمات الخديو على أنها وعدٌ بتعديل الحكم الصادر من محكمة النقض. بل إنهما أبلغتا سيف الدين بأنه يستطيع أخيراً أن يأمل.استبشر سيف الدين خيراً، فتغير سلوكه وبدأ يطيع أوامر السجن دون شكوى، وبدأ يعامل زملاءه من السجناء بأسلوب رقيق

أطلقت عليها الصحف أيامها وصف "حرب الأمراء"

وبدأت الصحف في مصر في الكتابة عن أخبار وأسرار العائلة المالكة، لإشباع فضول القراء، لكنها حرصت في الوقت نفسه على السير فوق حبلٍ مشدود بسبب حساسية هذه المسألة وخطورة الخوض في حكايات عائلةٍ تحكم وتملك الكثير. وربما لهذا كان القارىء مطالباً بالانتباه وفهم الكلام الذي بين السطور

بدت "حرب الأمراء" كأنها مصدر إحراجٍ للعائلة المالكة في مصر بأكملها..ولذا لم يبد مستغرباً أن يستجيب الخديو عباس الثاني لالتماس الرأفة الذي تقدم به الأمير سيف الدين، وكذلك التقرير المرفوع إليه من قبل مدير مستشفى الأمراض العقلية الذي يشهد فيه بأن حالة الأمير العقلية ليست على ما يرام، ويوصي بعلاجه في مستشفى متخصص في بريطانيا


استصوب الخديو عباس الثاني الفكرة. وفي عام 1900 صدر قرارٌ من مجلس حسبي مصر يمنع الأمير سيف الدين من التصرف في أمواله. وبعد أسابيع من قرار الحجر، صدر قرار بالإفراج عن سيف الدين وإرساله إلى انجلترا وفقاً لترتيباتٍ خاصة قام بها لورد كرومر، ثم المفوضية العليا البريطانية إلى مصر، سواء فيما يتعلق بإجراءات السفر أو الإيداع في مصحةٍ للأمراض النفسية

وهكذا امتدت سنواتُ السجن إلى أجلٍ غير مسمى



ويرى البعض أن ما حدث للأمير سيف الدين لم يكن وليد صدفةٍ، بقدر ما كان مخططاً للحصول على ثروته التي كانت تعد من أكبر الثروات في مصر آنذاك..بل إننا حتى الآن عندما نسير في شارع قصر العيني قد نرى عماراتٍ شهيرة، مثل العمارتين اللتين تحملان رقمي 68 و88، زُينت أبوابها الحديدية بشعار سيف الدين. والأمر نفسه مع شارع كورنيش النيل، الذي تقف فيه العمارة رقم 1095 المطلة على نهر النيل، وكانت ملكاً للأمير البائس

غير أن فريقاً آخر يذهب إلى القول بأنه لم يكن متوقعاً أن يبقى الأمير سيف الدين طويلاً في المنفى، إلا أن التطورات السياسية لم تكن في مصلحته. فاندلاع الحرب العالمية الأولى وإعلان الحماية البريطانية على مصر وغير ذلك من أحداث تسببت في مجملها في عددٍ من التغييرات غير المتوقعة، لعل أهمها هو إنهاء السيادة التركية الاسمية على القاهرة وإلغاء الإجراءات الرسمية التي كانت تقضي بأن تجري المصادقة على أي حاكمٍ مصري بفرمان صادر من أسطنبول

وعندما انتهى عهد عباس الثاني في عام 1914، رشحت بريطانيا عمه حسين كامل للحكم بعد أن حصل على لقب سلطان. وبعد وفاة حسين كامل في عام 1917، ورفض ابنه الأمير كمال الدين حسين تولي عرش مصر، لم يجد الإنجليز سوى أحمد فؤاد لتولي العرش

وهكذا، على حين غرةٍ تولى غريم سيف الدين حكم البلاد، وأصبح صعلوك الأمس ملكاً على البلاد. اختير فؤاد، في البداية كسلطان، ولكن جرى تغيير لقبه إلى ملك عقب إصدار إعلان 28 فبراير
1922


وبطبيعة الحال، لم ينس الملك فؤاد الأول أبداً الإصابات التي ألحقه بها الأمير سيف الدين في الكلوب الخديوي قبل نحو ربع قرن من الزمان

بعد فترةٍ وجيزة من اختياره لحكم مصر، أصدر فؤاد مرسوماً يخص العائلة الحاكمة من شأنه أيضا أن يلعب دوراً فى تحديد مصير صهره السابق. وفي المذكرة الملحقة بالمرسوم، على سبيل المثال، يرد أن العائلة الحاكمة هي عماد الدولة بالنظر الى العلاقة مع من يشغل العرش والحقوق المترتبة على الخلافة، وباعتبارها أكبر وأنبل عائلة، والقدوة في السلوك القويم

وتستند المواد الاثنتان والعشرون من مرسوم العائلة المالكة إلى مبدأ أن "من يشغل العرش هو رب العائلة المالكة وبهذه الصفة، فإن له حق الوصاية على أعضائها". كلمة "الأعضاء" تتضمن: أطفال الملك وأبناؤهم، وأخوة وأخوات الملك، وأطفال الخديويات والسلاطين السابقون، المتحدرون من نسل محمد علي وفق النحو الذي ورد في قائمة ملحقة بالمرسوم، وهؤلاء الذي أنعم عليهم الملك بلقب أمير أو أميرة وزوجات أو أرامل السابق ذكرهم إلى أن يتزوجن مرة ثانية

وبعد بضعة أيام، صدر مرسوم ملكي جديد يقضي بأن أعضاء عائلة محمد علي الذين لم يتأهلوا للقب أمير سيعتبرون نبلاء. وفي 4 يوليو تموز عام 1922 نشرت صحيفة "الأهرام" قائمةً تضم 21 أميراً و29 أميرة و29 نبيلاً ونبيلة، يتمتعون جميعاً وبشكل طبيعي بتلك الألقاب. وشملت القائمة الأمير سيف الدين والأميرة شويكار - طليقة الملك فؤاد الأول- والأميرة نجوان والدة سيف الدين. ولم يكن بوسع القصر أن يفعل شيئاً يحول دون أن يثير هذا المرسوم في أذهان الناس ذكرى تلك الحادثة الدموية التي وقعت في الكلوب الخديوي

وبعد ثلاثة أعوام، عادت "حرب الأمراء" لتطفو على السطح بشكل أكثر حدة. ففي 18 أغسطس آب عام 1925 أوردت "الأهرام" أن الديوان الملكي قرر إبعاد محمد سعيد باشا رئيس الوزراء السابق عن منصب القيَم على ممتلكات الأمير سيف الدين، وتعيين محمد علي إبراهيم في مكانه، واختيار رئيس الوزراء السابق يحيى إبراهيم باشا مشرفاً

وفي اليوم التالي شرحت الصحيفة سبب هذا التغيير، قائلةً إن الديوان الملكي تلقى تقريراً مجهول المصدر يفيد بأن سعيد قد اختلس مبلغ 42 ألف جنيه من أموال الأمير سيف الدين. وحين استدعى المجلس الموظف المالي المسؤول واستفسر منه عن المبلغ المتبقي في الخزينة أجاب بأنه 41 ألفاً و245 جنيهاً. إلا أنه بعد فتح الخزينة لم يتم العثور سوى على مبلغ 900 جنيه. واستدعى المجلس محمد سعيد الذي اعترف بأنه أخذ المبلغ المالي الناقص وكتب إقراراً خطياً بهذا الأمر، وطلب السماح له برد المبلغ بالتقسيط. وبالرغم من أن المجلس رفض النظر في طلبه، فإنه وافق على فترة السماح التي طلبها لرد المبلغ المختلس. الغريب أننا حين نتابع ما نشرته "الأهرام" في أعداد لاحقة سنكتشف أن محمد سعيد باشا لم يرد على الإطلاق المبلغ الذي اختلسه

ووفقاً لتقرير رفعه خبير من قسم عوائد بلدية الإسكندرية، فإن أملاك الأمير سيف الدين تضمنت 20 ألفاً و202 فدان من الأراضي الزراعية ومجموعة من الممتلكات -كالقصور والفيلات والعمارات والمحال التجارية- في القاهرة والإسكندرية، علاوة على 20 ألفاً و243 متراً مربعاً من الأرض الخلاء. وأضاف الخبير المالي أن دخل الأمير سيف الدين من أملاكه المختلفة، في عام 1927 وحده، وصل إلى 119 ألفاً و483 جنيهاً. ولم تكن معظم تلك الأموال والإيرادات تصب إلا في جيوب المنتفعين، مثل إسحق أحمد القيَم ما بين عامي 1900 و1901 وحسين فهمي الذي تولى المنصب لثمانية أعوام تلت ذلك التاريخ، والأمير يوسف كمال الذي شغل المنصب لمدة عام، وصولاً إلى محمد سعيد باشا الذي احتفظ بالمنصب والمكاسب لأطول فترة ممكنة، وذلك على مدار عشرة أعوامٍ كاملة

وكان سعيد باشا قد تولى المنصب مكافأةً له على ولائه للعرش، وكانت أصوله التركية ومكانته كأحد النبلاء وعلاقاته مع القصر ضمن المؤهلات التي قادته إلى المنصب، مثلما قادته من قبل لمنصب رئيس الوزراء بعد اغتيال بطرس غالي عام 1910 ثم أوصلته للمنصب المرموق مرة ثانيةً في عام 1919. وبفضل هذه الصلات القوية مع القصر، ابتلع سعيد باشا المال الذي اختلسه ولم ينفذ تعهداته برد المبالغ المستحقة عليه

وسرعان ما وصلت أنباء اختلاس أموال الأمير سيف الدين إلى أمه في تركيا. كانت الأميرة نجوان في ذلك الوقت متزوجةً من شخصية تركية ذات نفوذ، ولذا بدأت من قصرها المطل على ضفاف البوسفور في تدبير خطةٍ ستشكل الفصل التالي من حياة ابنها

والشاهد أن الأميرة نجوان لم تسكت منذ البداية على قرار إيداع ابنها مصحة عقلية في بريطانيا، وهو قرارٌ اعتبرته جائراً، فخاطبت كل أولي الأمر فى مصر وأثارت الموضوع مع لورد كرومر، غير أنها لم تصل إلى حل ينهي مأساة الأمير سيف الدين.. بل إنها ذهبت إلى انجلترا حتى تطالب بالإفراج عن ولدها أو حتى تستطيع زيارته، فقيل لها إنه مجنون وجنونه من النوع الخطر الذي يستوجب استمرار احتجازه في المصحة

ووصلت الأميرة نجوان بعد دفع رشى إلى مكان ولدها الشاب حتى تخلصه من مصيره المظلم، وعرفت ما فعلوه في هذا الشاب الذي كان من أغنى أغنياء المحروسة. فقد شهد حارسه أن الأمير كان في صحةٍ عقلية جيدة عند وصوله للمصحة، واستمر على هذه الحال بضع سنوات كان أثناءها مرحاً وبشوشاً، لكن سنوات العزلة القسرية طالت، ووجد من يدس له ما يوفر له الخمور والدخان. وسرعان ما اندمج الأمير في السكر والسهر والدخان، حتى فقد آدميته وتوحش ثم أخذت حالته النفسية تتدهور عاماً بعد آخر وقواه البدنية تخور

كل ذلك والقيَم على ثروته لا ينفق عليه وهو من يمتلك الملايين من الجنيهات لم يكن يحصل سوى على 4000 جنيه سنوياً، في حين بلغ ريع ثروته نحو 120 ألف جنيه مصري سنوياً

وهكذا أصبحت دائرة الأمير سيف الدين هي الدجاجة التي تبيض ذهباً، وكان الخديو عباس يختار القيَم من أصدقائه ويظل قيماً لسنوات ثم يعزل بعد أن يكتشف سرقته من الدائرة وغناه الفاحش على حسابها

وبعد بضعة أيامٍ من الكشف عن فضيحة سعيد باشا، ذكرت صحيفة "ديلي كرونيكل" البريطانية أن الأميرة نجوان كتبت إلى لندن مطالبةً بالإفراج عن ابنها من المصحة العقلية التي نُقِلَ إليها في مقاطعة كنت. وقالت الصحيفة إن الأميرة هددت بأنه في حال رفض السلطات البريطانية الاستجابة لطلبها فإنها ستطلب تعويضاً قدره أربعة ملايين جنيه استرليني. وفي 4 سبتمبر أيلول عام 1925، نشرت صحيفة "الأهرام" خبراً عن هروب الأمير سيف الدين من المستشفى. لم يكن هناك شك في وقوف الأميرة نجوان وراء واقعة الهروب، نظراً لأنه لم يكن بوسع الأمير التخطيط للأمر وترتيب أمر الفرار سراً، حتى مع افتراض سلامة قواه العقلية



انقسمت الآراء في مصر حول الأطراف الأخرى المتورطة في تلك الخطة. "الأهرام"، على سبيل المثال، رأت أن السلطات البريطانية قد تكون سهلت الهروب. ولم تكن تلك الفرضية بلا أساس، فبحلول صيف عام 1925 كانت العلاقات قد توترت بين المندوب السامي البريطاني لورد لويد والملك فؤاد، بعد استقالة حكومة سعد زغلول وإطلاق يد حسن نشأت رئيس الديوان الملكي، وهو ما جعل بريطانيا تخشى من وقوع اضطرابات شعبية في البلاد. ولذا سعت بريطانيا إلى مجموعة من الحيل والتكتيكات للضغط على الملك فؤاد وإبعاد ساعده الأيمن حسن نشأت



وربما كانت قصة هروب الأمير سيف الدين واحدةً من أدوات الضغوط على فؤاد، الذي رضخ للأمر الواقع فعزل حسن نشأت من الديوان الملكي في 8 ديسمبر 1925، وجرى نقله إلى السلك الدبلوماسي. ومع أن صحيفة "وستمنستر غازيت" طالبت بإجراء تحقيقات قانونية في ظروف وملابسات اختفاء الأمير سيف الدين، فإن الشكوك في الدور البريطاني تعززت عندما نشرت صحيفة "ديلي ميل" خبراً يفيد بأن الخارجية البريطانية لن تطلب من وزارة الداخلية تعقب الأمير الهارب "لأن رحلته لم تكن مخالفة قانونية"

لم يكن خبر هروب الأمير سيف الدين بالأمر السار على الملك فؤاد، الذي طلب من الأمير محمد علي، القيَم على أملاك الأمير سيف الدين، العودة إلى مصر فوراً، وكان محمد علي يقضي الصيف في فرنسا. وكتب الملك فؤاد إلى الأمير محمد علي قائلاً إن هروب سيف الدين إلى تركيا لن يغير من مسألة بقاء أملاكه تحت إدارة القيمَ وتحت إشراف يحيى إبراهيم باشا

وحسب مراسل "الأهرام" في أسطنبول، فإن الأمير سيف الدين وصل إلى الميناء التركي على ظهر سفينةٍ مساء يوم 21 سبتمبر أيلول، ولم يكن أحد على تلك السفينة يعلم بأمره. ووصفه المراسل بأنه شاب نحيل، ذو بشرة داكنة، يرتدي معطفاً رمادي اللون ويضع على رأسه قبعة. وعقب نزوله من السفينة، تبعه فريد الدين باشا زوج الأميرة نجوان، والدة سيف الدين. بدا الأخير متعباً ومتكئاً على حارسه الإنجليزي ذي القامة الطويلة. وعقب نزول "البرنس" إلى قاربٍ لينقله إلى الشاطيء، أشعل سيجارةً وأخذ يتأمل في مياه البوسفور

وبعد يومين، أبلغ فريد الدين باشا الصحافة بالقصة الحقيقية لرحلة الأمير، قائلاً إن البرنس غافل حراسه في 31 أغسطس آب وأبحر إلى فرنسا حيث كانت أمه وزوجها في انتظاره. استقل الثلاثة طائرة إلى باريس حيث أخذوا يتنقلون بين الفنادق ويغيرون السيارات التي يستخدمونها لتضليل من يحاول تعقبهم، خصوصاً من عيون وجواسيس الملك فؤاد. حلق الأمير سيف الدين ذقنه واختفى عن الأنظار قدر الإمكان، إلى أن تمكنوا من الحصول على جوازات سفر، ثم سافروا إلى مارسيليا وأبحروا منها إلى أسطنبول. وعلى سبيل التمويه، كانت رحلتهم البحرية في الدرجة الثانية، حتى لا يلفتوا الانتباه إليهم

وبينما قال وزير الصحة البريطاني رداً على استجواب في مجلس العموم إن ثلاثة اخصائيين فحصوا الأمير سيف الدين في عام 1924 واستنتجوا أنه يعاني من اضطراب عقلي، قال زوج أمه فريد الدين باشا إن "البرنس" عزا حالته إلى سوء المعاملة في المستشفى، حيث جرى مع الزيارة عنه ولم يكن يُسمح له بالخروج إلا مرةً واحدة في الأسبوع


على أن أفضل تفسيرٍ لحالة سيف الدين جاءت على يد مراسل تركي أجرى حواراً مع "البرنس". كتب الصحفي قائلاً: "إنه بالكاد قادرٌ على جلب كأس من الجعة إلى فمه دون أن يتسرب منه بعض المشروب، كما أن يده تهتز بشكل عنيف. إنه يسير بشكل واهن وذاكرته أصبحت بالغة الضعف. وكل ما يهمه الآن هو الأكل والشرب بشكلٍ جيد، والنظر إلى النساء والاستماع إليهن وهن يتحدثن. وإذا رأى امرأة في الشارع فإنه يتوقف عن الكلام حتى يحملق فيها"



وفي تركيا، برز تساؤلان، يتعلق أولهما بمسألة تسليم الأمير سيف الدين إلى الحكومة المصرية، والثاني مرتبط بمصير أملاكه في مصر. تولت السلطات التركية مهمة السؤال الأول، فقالت إنه نظراً إلى أن الأمير مولودٌ لأبوين تركيين فإن له حق البقاء في تركيا وأن يصبح مواطناً تركياً بموجب اتفاقية لوزان لعام 1923. وبالطبع فإن الأمير سيف الدين، أو على الأقل من كان يتخذ القرارات نيابةً عنه، اختار هذا المخرَج المناسب بلا أدنى تردد، ليس فقط لأنه ينقذ "البرنس" من براثن الملك فؤاد وإنما أيضاً لأنه يفتح نافذة للأمير كي يطالب بثروته

وبدا مفهوماً أنه في حال حصول الأمير سيف الدين على تقرير واضح من السلطات الصحية التركية يؤكد سلامة قواه العقلية فإنه سيكون بوسعه نيل حُكمٍ من القضاء التركي يمنحه الحق في استعادة أملاكه. ومن تلك النقطة يمكنه أن يقيم دعوى أمام المحاكم المختلطة في مصر. وهذا بالضبط ما حدث، مما استدعى إقامة سلسلة من الدعاوى القضائية، تسببت إحداها في إسقاط أول حكومة شكلها الزعيم الوفدي مصطفى النحاس

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (6): حرب الأمراء"

أكتب تعليقا