جرائم العاطفة في مصر النازفة (4): رصاص في الكلوب

| |





بعد يومين من الواقعة، كان الأمير أحمد فؤاد قد اكتشف هروب زوجته، فعاد على الفور إلى القاهرة وتوجه إلى قصر أصهاره في الجزيرة
في القصر وجدت الأميرة شويكار شقيقها "البرنس" سيف الدين، فروت له كل ما حدث ومعاناتها داخل قصر الزعفران من زوجها المقامر السكير وحماتها سليطة اللسان

هنا، لا بد أن نتوقف قليلاً لنحكي عن الأمير سيف الدين


فقد كان هذا الأمير يعيش مأساة شخصية..خيط البداية لهذه المأساة هو قصة عنيف عاشها سيف الدين في القاهرة، إذ ارتبط عاطفياً بالأميرة نعمت هانم ابنة "البرنس جلال" وتقدم يخطبها لنفسه، وأخذ يتبادل معها رسائل غرامية بالتركية والفرنسية ووجد فيها صديقة يبدو أنها قدرت حالته العصبية المضطربة التي أثرَت في عاطفته المرضية تجاهها..لكن أعصابه أخذت تتوتر وتفاقمت حالته العصبية..فقد أخذت الأسرة تتندر على الخطابات التي يرسلها إلى خطيبته، وأهمل شقيقه الأكبر الأمر..ثم بدأ عمه الأمير أحمد كمال يبدي اعتراضاتٍ على الزواج ويشهٍر بتصرفاته العصبية أمام أنسبائه لينفرهم منه، وهو الدور نفسه الذي لعبته عمته "البرنسيس" عين الحياة هانم أفندي، وكانت أميرة عجوزاً من النوع التركي الصارم إلى حد العدوانية. وقد وجدت في الأمير أحمد سيف الدين هدفاً سهلاً لعدوانيتها المستمرة، لذلك لم يكف لسانها الشرس عن التشهير بالعاشق المسكين


لم يستطع سيف الدين مواجهة هذه الضغوط على شخصيته المريضة عصبياً إلا بالإغراق في احتساء الخمر، لتبدر منه تصرفاتٌ أكثر طيشاً وتوتراً، لدرجة أن عمه بدأ يهدد بأن يضعه تحت الوصاية ويطلب الحجر عليه من المجلس الحسبي بداعي السفه، خاصةً بعد أن سجلت محاضر الشرطة حوادث تدل على نزقه وهو عصبيٌ أو مخمور

وفي تلك الفترة كانت شقيقته شويكار تعاني أيضاً من تصرفات زوجها، فهربت إلى قصر أسرتها باحثةً عن حلٍ أو مواساة



اصطحب البرنس سيف الدين أخته ليتمشى معها في حديقة القصر وليهديءمن روعها






وبعد قليلٍ حضر البرنس فؤاد وشاهدهما من بعيد. فطلب من جاريةٍ حبشية أن تخطر الأميرة شويكار بأنه ينتظرها في صالون القصر
بعد دقائق، صعدت إليه الأميرة شويكار مع شقيقها الأمير سيف الدين
لكن البرنس فؤاد تجاهل وجود شقيق زوجته، وطلب من الجارية أن تخبره بأن يتركه مع زوجته


وبكل هدوءٍ انصرف البرنس سيف الدين إلى صالون مجاور


وبأسلوبٍ لا يخلو من العجرفة والتعالي، أخذ البرنس أحمد فؤاد يصرخ في زوجته لأنها هربت من قصر الزعفران دون إذنه، فصرخت فيه الأميرة شويكار: "اسمع.. أنا مش جاريتك"!


ثار البرنس فؤاد، وصاح فيها: "أنتِ.. لازم ترجعي الآن قصر الزعفران"
ردت عليه في إصرار: "أبداً، لن أعود إلى الزعفران.. سأعيش هنا وسط إخوتي ليحموني.. وإذا كنت تريد أن تعيش معي هنا أو في قصر الدوبارة لا مانع.. أو حتى تستأجر لي قصراً في القاهرة.. لكن الزعفران مستحيل"!


تناثرت الشتائم وتناولت الآباء والأجداد، وارتفعت الأصوات أكثر عندما تحدثت عن التوكيل، وطالبته بالتنحي عن التصرف في أموالها..جن جنون البرنس فؤاد وجذبها من يدها بشدةٍ من المقعد الذي كانت تجلس عليه.. فاندفعت بقوة الجذب إلى وسط الحجرة، وهي تصرخ مستغيثة. وهنا أسرع شقيقها الأمير سيف الدين لإنقاذها، واندفع يوجه لكمةً هائلة إلى الأمير أحمد فؤاد..لكن الأخير كان أقوى جسدياً، فرد الصاع صاعين، وأوسع الأمير سيف الدين ضرباً.. ولم يجد سيف الدين أمامه سوى أن يهرب من المكان هابطاً درجات السلم، في حين كان الأمير أحمد فؤاد يصرخ في أحد الخدم: "امسك الكلب ابن الكلب ده.. وسلمه للبوليس يحبسه"


وبينما سيف الدين يغادر القصر، كان فؤاد يسحب زوجته من شعرها على سلم القصر وهي تقاومه..هبط بها بالقوة، حيث كانت عربته تنتظره لتعود بها إلى قصر الزعفران


ومن سجنها في هذا القصر كانت شويكار تبعث برسائل إلى شقيقها تقطر ألماً، ومن ذلك قولها: "أؤكد لك يا أخي أن كل كسرة خبز آكلها تشعرني بخوفٍ لا حد له..أستودعك الله يا حبيبي..ومني لخطيبتك ألف قبلة.. الصبر..فبعد قليل سأكون بعيدة عن هؤلاء"

أصبح سيف الدين على يقين من أن شقيقته في خطر، وزادت وساوسه فتصور أنهم قد يدسون لها السم أو يقدمون لها عقاقير تذهب بعقلها. وبعد أن فشل في إيجاد من يتدخل لإنهاء معاناة شقيقته سواء مع الخديو عباس حلمي الثاني -ابن شقيق البرنس فؤاد- أو اللورد كرومر ممثل الاحتلال البريطاني في مصر، كشفت له شقيقته شويكار عن سرٍ خطير، مفاده أن زوجها يغريها بدس السم لشقيقها سيف الدين لترثه ويستمتعا معاً بأملاكه وثروته الطائلة


في صباح اليوم التالي، بدأ سيف الدين برنامجاً للتدريب على إطلاق الرصاص

وحين أطل صباح يوم السبت الموافق 7 مايو أيار عام 1898 كان القدر يعد للعائلة المالكة في مصر دراما من نوعٍ مأساوي شديد اللهجة وهو إطلاق الرصاص

ذهب سيف الدين في ذلك اليوم إلى محل "بايوكي" للأسلحة والذخائر وطلب خرطوشاً لمسدسه. وما إن غابت الشمس حتي كان الأمير سيف الدين قد حشا معدته بكمية من الخمر ومسدساً بالرصاص ودماغاً بأفكار سوداء
توجه سيف الدين إلى الكلوب الخديوي في شارع المناخ..وفي شرفة النادي كان البرنس فؤاد يقف مع صديقه نقولا صباغ يتحادثان..لمح نقولا مركبةً تسرع آتيةً من شارع الإسماعيلية - التحرير حالياً- في اتجاه الشارع الذي يقع الكلوب على ناصيته - وهو شارع رشدي الآن- فحدق فيها ليرى البرنس سيف الدين. لفت نظر البرنس فؤاد إلى الأمر..فما كان من الأمير أحمد فؤاد إلا أن قال هازئاً وضاحكاً: "لعله قادمٌ لقتلي"

وقد كان

سأل سيف الدين بواب الكلوب عن البرنس فؤاد، وكان الأخير عندما يذهب إلى النادي يلعب البلياردو فترة قليلة، ثم يعكف على الشراب مع لعب القمار حتى ساعة متأخرة من الليل. قفز سيف الدين إلى صالون الدور الأول.. وما كاد كعباني باشا ناظر "أي وزير" الحربية يقف لتحية البرنس فؤاد، ومظلوم باشا وزير المالية يطوي صحيفةً كان يقرؤها، حتى كان البرنس أحمد سيف الدين يقف أمامهم وهو يشهر مسدسه. أدرك فؤاد على الفور ما يضمره سيف الدين الذي صاح في وجهه: "سأقتلك". اختبأ البرنس فؤاد خلف عياني باشا ثم انسحب في اتجاه قاعة لعب القمار

وبعد حوارٍ قصير تبادلا فيه الشتائم باللغة الفرنسية، أخرج سيف الدين مسدسه وأطلق على صهره ثلاث رصاصات، إلا أن الطلقات الثلاث لم تود بحياته, ففي حين استقرت الأولى في فخذه وطاشت الثانية لتصيب كُم ثوبه, أصابت الثالثة - وهي أخطرها- أسفل البطن، فمرت تحت الكبد وانتهت قرب القلب. في المقابل، أخرج فؤاد مسدسه من جيبه الخلفي وحاول إطلاقه، لكن ظنه خاب إذ كان خالياً من الرصاص


وقع البرنس فؤاد على الأرض.. انحنى عليه الكونت دي لاسال..قال له أحمد فؤاد بالإيطالية: "لقد مُتُ يا عزيزي لاسال..قتلني"، في حين قال سيف الدين بالإنجليزية


Finish
(أي انتهى)
نزل سيف الدين بثباتٍ، لكن يعقوب آرتين وكيل نظارة (أي وزارة) المعارف الذي سمع الصيحات وإطلاق النار أمر البواب بإغلاق باب النادي. حاول الجاني فتح الباب فلم يستطع.. أطل عليه من باب الكلوب الزجاجي عسكري..طلب منه البرنس أن يفتح الباب، لكن العسكري اشترط عليه أن يعطيه المسدس أو أن يستسلم، فقرر تسليم نفسه، ليتم اقتياده إلى قسم شرطة عابدين

وفي طريقه إلى القسم كان "البرنس" هادئاً للغاية، وكان يسير على قدميه والمسدس في يده وبصحبته العسكري وخلفه على مسافة قصيرة عددٌ من الباشوات. على مكتب المعاون وضع البرنس المسدس أداة الجريمة، وقال بهدوءٍ: "لقد قتلت الأمير فؤاد لأنه عدو عائلتنا هو وعمه الخديو عباس، الذي منذ أن جلس على كرسي الحكم يتصدى لنا ويناصبنا العداء"

ولي العهد -السلطان فيما بعد- حسين كامل، علق على ما جرى قائلاً: "في أسرتنا أي الأسرة المالكة، من هو سكير، ومن هو نصاب، ومن هو مقامر.. ولكن كنا نظن ليس بيننا قتلة وسفاكون"



أما الأميرة شويكار فعندما علمت بما حدث لم تهتم كثيراً، بل إنها - كما قالت في مذكراتها- خاطبت نفسها قائلةً: "في ستين داهية..راجل بلطجي"
في الليالي التالية، سهرت القاهرة وهي تتابع فصول المأساة وتتعرف أكثر على الكواليس السرية للعائلة المالكة، وأحصت الجرائد اليومية جزئيات هذه الحادثة من يوم وقعت إلى يوم الحكم فيها حتى جاءت -كما يقال- بالذرة وأذن الجرة


صحيفة "المنار" الأسبوعية قالت تعليقاً على الحادث إن "هذه أول دعوى وقعت في القطر، سيق فيها أحد عائلة الإمارة، بل أسرة الملك إلى المحكمة، وأوقف فيها في موقف المجرمين، وحكم عليه بالعقوبة، وكان من شهودها الوزراء : كعباني باشا ناظر الحربية، ومظلوم باشا ناظر المالية، ويعقوب أرتين باشا وكيل نظارة المعارف





وأضافت الصحيفة قائلة "إن هذه الحادثة قد كشفت الستار عن كثيرٍ من الشؤون الداخلية لهذه العائلة العظيمة القدر، تمس مقام غير أمير وأميرة منها، وترميهم بالطمع الشائن مع واسع ثروتهم، وما سبب ذلك إلا التربية الإفرنجية الخاسرة. دع ذكر المبالغ العظيمة التي طلبتها دولة الأميرة "البرنسيس" نازلي هانم من المتهم لإنقاذه، وذكر المعاملة القاسية التي كان يعامل بها دولة فؤاد باشا قرينته الأميرة شويكار هانم لأجل توكيله على أمور مالية، حتى كان من تبرمها وشكواها لأخيها سيف الدين بك ما حركه على الانتقام منه ، كما شكت لعمها صاحب الدولة أحمد كمال باشا ولغيره"

غير أن المفاجآت توالت في تلك الحادثة.. وكان أولها أن الأمير أحمد فؤاد نجا من الموت

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (4): رصاص في الكلوب"

أكتب تعليقا