جرائم العاطفة في مصر النازفة (3): زوجة البرنس المفلس

| |






كأن الرصاص لغة العاطفة، التي لا تسلم من الأذى إلا حين يراق على جوانبها الدم

بطل الأحداث التالية هو الأمير أحمد سيف الدين. شابٌ رفيع، طويل القامة، يتمتع بقدرٍ من الوسامة، عصبي المزاج.. من أكثر أمراء العائلة المالكة المصرية إثارةً للضجيج في القرن التاسع عشر، مع أنه لم يتول أي منصب رسمي في حياته داخل القصر الملكي أو خارجه.. وهو حفيد إبراهيم باشا نجل محمد علي
الطرف الثاني من القصة هو الأمير أحمد فؤاد الذي أصبح فيما بعد السلطان فؤاد ثم "صاحب الجلالة الملك فؤاد"..والد الملك فاروق الأول

وبينهما امرأة: الأميرة شويكار.. شقيقة الأول وزوجة الثاني

وبالرغم من أن الأمير أحمد فؤاد أو "البرنس فؤاد" كما كان يطلق عليه في تلك الأيام كان سليل الحكام، باعتباره أصغر أنجال حاكمٍ شهير هو الخديو إسماعيل، وحفيد حاكمٍ أشهر هو محمد علي باشا الكبير، فإن شخصية البرنس أحمد فؤاد في الواقع كانت نموذجاً للشاب المستهتر

وفي أوراقه التي تحمل عنوان "حكايات من دفتر الوطن" يرسم الكاتب صلاح عيسي صورة "البرنس فؤاد" في تلك الأيام قائلاً:

في تلك الأيام، وبالتحديد في عام 1895 كان البرنس أحمد فؤاد في السابعة والعشرين من عمره. وكان معروفاً آنذاك في أوساط العائلة المالكة بأنه شاب مفلس كثير الاقتراض مقامر.. سكير.. وهي شهرةٌ تعدت الأوساط الملكية لتصل إلى رجل الشارع العادي، الذي كان يصف البرنس فؤاد بأنه "شمام" وهو تعبير يصف تدهور أحواله العامة وافتقاره للاحترام الاجتماعي

كان بتعبير المرحوم بيرم التونسي "مقامراً لا ترحب به أندية القمار" لأنه مفلس ولا يسدد ديون اللعب، وكان يركب الحنطور ولا يدفع لحوذي عربة "الحنطور" أجرته، ويطرق منازل أصدقائه ليلاً ويطلب الطعام.. وبدا هذا كله طبيعياً لأنه ابن الخديو إسماعيل


وكما يقول الأديب يحيى حقي، فإن الفرع الذي ينتمي إلى إسماعيل من سلاطين وملوك أسرة محمد علي فرع شرهٌ إلى المال بدرجةٍ مرعبة، فمن تولى منهم العرش: توفيق وعباس حلمي وحسين كامل وفؤاد وفاروق، كانوا لصوصاً مشهورين، وكان شرههم الأساسي للأرض. يبذلون الجهد للاستيلاء عليها بأي سبيل، حتى لو كان هذا السبيل هو اغتصاب الأوقاف الخيرية والأهلية. بل إنهم لم يتعففوا حتى عن السرقات الصغيرة.

والسبب في ذلك معروف.. فقد انتقلت أملاك الخديو إسماعيل إلى ملكية الدولة بموجب قانون التصفية الذي صدر قبل عزله عن العرش، تسديداً للديون الشخصية التي كان قد اقترضها من الأجانب. وبهذا لم يترك لأولاده ثروات موروثة تكفيهم للحفاظ علي هيبة الإمارة، فأصبح هم كل الذين جلسوا على كرسي العرش من بعده أن يستردوا الميراث الذي استولت عليه الدولة - في رأيهم - دون وجه حق. ويكفي للتدليل على هذا أن البرنس فؤاد لم يرث عن أبيه سوى 800 فدان فقط. واستطاع بعد توليه العرش أن يصل بها إلى 35 ألف فدان بالإضافة إلى 45 ألف فدان من أراضي الأوقاف، وثروة نقدية لا تقل عن أربعة ملايين جنيه

إذاً.. كان الأمير فؤاد في ذلك الوقت هو "البرنس المفلس"

وهي صورة أكدها الصحفي الكبير مصطفى أمين عندما قال: عندما تولى الأمير فؤاد عرش مصر كان مديناً لكلوب محمد علي بثلاثمئة جنيه قيمة طعام وخمور لم يدفع ثمنها..وكان مديناً للخياط الإيطالي ديليه بألف جنيه قيمة ملابس لم يدفع ثمنها..وكان مديناً للبنك الأهلي ولبنك موصيري وللبنك العثماني ولبنك الكريديه ليونيه
بل إنه كان مديناً للجزار والبقال، وكان مديناً لطباخه وللسفرجي إدريس الذي كان يأخذ مرتبه بالتقسيط. وعندما تولى الأمير فؤاد عرش مصر أنعم على السفرجي إدريس برتبة البكوية.. فتنازل الأخير عن باقي ديونه
وكان مديناً بعدة آلاف من الجنيهات لمدام مخلع باشا.. وعندما أصبح سلطاناً عيَنها وصيفة في القصر..وكان مديناً لكثير من أغنياء اليهود مثل يوسف موصيري بك ويوسف قطاوي باشا بمبالغ كثيرة

وضاقت الدنيا في عين الأمير المفلس "البرنس فؤاد"، ولم يكن هناك أمامه من مخرج سوى أن يتصرف بالطريقة المعتادة التي يلجأ اليها أمثاله من سلالة الملوك والسلاطين المفلسين.. وكان الحل الوحيد: البحث عن زوجة تكون غاية في الثراء.. يعيش على حسابها

لكن الثراء لم يكن الشرط الوحيد المطلوب في هذه الزوجة، إذ كان ضرورياً أيضاً أن تكون من سلالة ملوكٍ وسلاطين مثله


أخذ البرنس فؤاد يبحث هنا وهناك بين أميرات أسرة محمد علي عمن تتوافر فيها هذه المواصفات، حتى عثر على ضالته المنشودة: الأميرة شويكار

كانت الأميرة شويكار حفيدة إبراهيم باشا قد ورثت ثروة كبيرة من أموال وعقارات وأطيان، لأن ثروة إبراهيم باشا لم تصادر. وبالرغم من أنها لم تكن جميلة فإنها كانت "الصفقة المناسبة" للأمير المفلس البرنس فؤاد

لم يتطلب الأمر مجهوداً كبيراً منه للإيقاع بها، إذ وافقت الأميرة شويكار سريعاً على عرض الزواج الذي تقدم به الأمير المفلس..بل إنها وافقت على شرطه بأن يؤجل سداد مهرها البالغ عشرة آلاف جنيه لحين ميسرة

وتزوج البرنس أحمد فؤاد من الأميرة شويكار، لتنتقل من قصر الدوبارة - مسكن عائلتها- إلى قصره المتواضع في الزعفران

ومن اليوم الأول لزواجها اكتشفت الأميرة شويكار حقيقة هذا الزواج.. وعرفت أن البرنس فؤاد تزوجها من أجل ثروتها وبدأ قصر الزعفران يشهد كل يوم فصلاً من فصول مهزلة هذا الزواج. لم يكن البرنس فؤاد يكتفي بعدم الإنفاق على زوجته، وبأنها تتحمل تكاليف الحياة في القصر ومرتبات الخدم والحشم، بل كان يأخذ كل يوم منها مبلغاً، ثم ينطلق إلى القاهرة فيمضي أيامه هناك في قصر "البستان" الذي يملكه في باب اللوق وهو يسكر كثيراً..ويخسر أكثر في القمار..ومعظم وقته ضائع في "الكلوب الخديوي" يحاول أن يربح دوراً من البوكر

ارتبط الأمير فؤاد بموائد القمار وكؤوس الخمر، تاركاً زوجته حبيسة جدران قصر الزعفران

بل إنه مل من كثرة مطالبتها كل مساء بأن تمده بما يحتاج من المال، فلجأ إلى أن تعطيه توكيلاً بإدارة أعمالها المالية، ففعلت. وعندما اكتشفت أنه يبيع بعض ما تملك عمدت إلى إلغاء التوكيل

وعندما أبلغه قلم كتاب المحكمة بأن التوكيل الذي لديه قد ألغته صاحبته كانت ليلةً سوداء على شويكار، إذ انهال عليها ضرباً بالكرباج وهي تصرخ ولا من مجيب

واستمر الزوج "الأمير فؤاد" يعيش دور البرنس الأعزب الطائش. كان يسكر كل ليلة حتى الثمالة، وكان يلعب القمار كل ليلة. ولم يكن مقامراً شريفاً، فكان لا يتورع عن سرقة "الآس" من أوراق اللعب وإخفائها في حذائه


عاشت الأميرة شويكار نهارها وليلها في عذاب

في الليل، كانت حفيدة إبراهيم باشا وابنة الأميرة العثمانية نجوان هانم تبقى وحيدة مع دموعها في حجرة نومها، في حين كان زوجها البرنس فؤاد يلهو ويسكر ويقامر في القصر الموجود حالياً تحت اسم نادي الدبلوماسيين، وكان اسمه من قبل نادي محمد علي، كما كان من قبل الكلوب الخديوي. وفي النهار.. كانت ترى الويل على يدي حماتها أم الأمير فؤاد وهي امرأة تركية حادة الطباع، سليطة اللسان. فإذا عاد زوجها "البرنس فؤاد" مع الفجر مخموراً عابساً من خسارته في القمار، وشكت له من سوء معاملة أمه لم يكن يهتم، بل كان يصرخ فيها طالباً منها المزيد من النقود. وإذا اعترضت، أخذ يكيل لها وابلاً من السباب والشتائم القذرة بخليط من اللغات العربية والتركية.. والفرنسية!

وإذا ردت عليه، لم يكن يتورع عن توجيه اللكمات إلى وجهها وجسدها، أو التقاط كرباج معلقٍ على الجدران، لينهال به ضرباً عليها بكل قسوة غير عابيء بصراخها وتوسلاتها

شعرت الأميرة شويكار بأنها سجينة داخل قصر الزعفران. وكلما طلبت من زوجها أن تخرج لزيارة أهلها كان يرفض بإصرار، فلم تجد أمامها وسيلة لإخبار أهلها بما يحدث لها سوى تهريب الرسائل والخطابات إليهم، تروي لهم فيها عن حياة الذل التي تعيشها في ظل هذا الزوج النصاب الملكي، وتطلب إنقاذها من سجن الزعفران

وكان للأميرة شقيقان: الأمير وحيد الدين، والأمير سيف الدين، في حين كانت والدتها نجوان هانم تعيش في الآستانة

ذات يوم..وبينما كان البرنس فؤاد بعيداً عن القاهرة في غزواته اليومية لدور اللهو، دبت خناقةٌ حامية بين الأميرة شويكار وحماتها. انتهزت شويكار الفرصة وغياب البرنس فؤاد، وأسرعت هاربةً من قصر الزعفران إلى بيت أهلها. وعاد البرنس فؤاد ليكتشف هروبها، فانطلق وكله غضب كالمجنون إلى سراي الجزيرة، حيث تسكن عائلة الأميرة شويكار

وهناك حدثت مشاجرة..وفيما بعد انتهت هذه المشاجرة بأكثر القضايا الملكية إثارةً في تاريخ مصر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (3): زوجة البرنس المفلس"

أكتب تعليقا