اكتئاب المصريين (2): إغماء جماعي

| |








إن عدم المبالاة هو أخطر وأسوأ مواليد الإحباط. وهذه الحالة تقلل ثلاثة أشياء: الانتماء للوطن، الانتماء للدين، والانتماء لمنظومة الأخلاق والقيم

والثابت أن العمل والعطاء بحبٍ وإخلاص يكون سلوكاً صعباً للغاية دون إحساسٍ بالانتماء إلى الوطن. والآن لدينا حالة من اللامبالاة - وربما عدم الثقة- يعاني منها المواطن المصري، وهي تتضح في قراءة نسبة الذاهبين إلى أي انتخاب أو استفتاء، وبينها الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي أجري في 26 مارس آذار عام 2007. وعدم المبالاة يظهر أيضاً في الشارع المصري بمثالبه وسلبياته، بدءاً من رمي القاذورات، وكتابة الشتائم البذيئة على الأسوار والجدران وأبواب دورات المياه العامة، وإتلاف الأشجار، والفوضى المرورية، وغيرها

وحين تفقد منظومة القيم والأخلاق، تطل المظاهر الزائفة برأسها لتصبح محاكاة ملامح الثراء سبيل من لا يملكون قوت يومهم أو لا يستطيعون تحقيق أحلامهم الاجتماعية والاقتصادية. وفي يوليو تموز 2007 قالت دراسة أعدها المركز القومي للاتصالات في مصر إن المصريين ينفقون نحو 186 مليون جنيه (قرابة 33 مليون دولار) سنوياً على نغمات ورسائل الهاتف المحمول. وتتنوع هذه الرسائل بين الصور الفاضحة ومقاطع من الفيديو كليب الجنسي يتناقلها الشباب فيما بينهم

ومع ذلك حين تسأل المصري بشكل عام عن حالته المزاجية ستجده دائم الشكوى من كل شيء حوله، ومن أن "الآخرين" أصيبوا بالبلادة، وقد يختم حواره بالقول إنه يشعر بالاكتئاب مما يجري حوله، أو يتحدث عن حلمه أو تفكيره في السفر أو الهجرة و"الخروج من هذا البلد على خير"

إن الاكتئاب ثمنٌ يدفعه عادة من يعيشون حياتهم بسلبية مطلقة وحالة عدم مبالاة وينخرطون بالتواطؤ أو التورط في عالم الفساد والتفاهة.. ثم يكتشفون في لحظةٍ ما أن طبقة البلادة على أحاسيسهم تذوب لتبدأ رحلة المعاناة..والاكتئاب

لقد سكت وسكن المصريون طويلاً، واكتفوا بالتذمر والغمغمة، ظناً منهم أن التغيير سيحدث لهم وهم قاعدون، مع "إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم"

وقد يقول قائلٌ إن الوضع في مصر مستحيل، لكن الصحيح أنه وضعٌ صعب مثل بكرة صوفٍ يتلاعب بها قط. علينا أن نؤمن بأن الحل ممكن، وأن نثق في قدراتنا، وأن نعمل بجدية وانضباط للخروج من هذا المأزق الخطير، وأن نمارس الالتزام والانضباط الذي نتقيد به حين نكون خارج مصر. بل إنه يصح القول إن التزام وانضباط المصريين في تجربة مترو الأنفاق، يجعلنا نستغرب كيف يلتزمون تحت الأرض ولا يفعلون ذلك فوقها. فهل المسألة تتعلق بالنظام أو فرضه بقوة الأمن أو تنمية الشعور بالمسؤولية؟!

ولنا في انضباط الشارع المصري في عهد وزير الداخلية أحمد رشدي أسوة حسنة، فقد أثبت هذا الرجل أنه يمكن ببعض الجدية والحزم القضاء على كثيرٍ من مظاهر الفوضى المؤذية في شوارعنا وأحيائنا، إلى أن استقال أحمد رشدي بعد معارك مع تجار المخدرات ورؤوس الفساد، وعقب أحداث الأمن المركزي التي وقعت في فبراير شباط عام 1986، لتعود الفوضى إلى حكم البلاد والعباد

والمشهد الحالي يعطي انطباعاً بأن المصريين أصبحوا جماعة غير منتظمة، تفتقد الأمل والهدف والرؤية. والجماعة غير المنتظمة، غير المنظمة، انفعالية للغاية، مندفعة، عنيفة أحياناً، متقلبة المشاعر، متضاربة، متناقضة الهوى والهوية، مترددة، متحيرة، تظهر انفعالات خشنة، قاسية فظة، لا تبدو عليها أية مشاعر حساسة أو رقيقة، قابليتها للإيحاء عالية جداً، مهملة عمداً، لا تراعي الآخر، في أعضائها الذين لا يعرفون بعضهم البعض، أنانية، جوفاء، شديدة التأثر

ويبدو أن المصريين عواطفهم فوّارة، مثل القرص الفوار، تفور وسرعان ما تهدأ.. نتحمس للشيء، ثم تخمد حماستنا وتفتر همتنا وعزيمتنا.. إننا نغضب ونولول ونصرخ، لكننا نهدأ بالسرعة نفسها. هذه الشخصية غير المتزنة عاطفياً سمة كثيرٍ من المصريين، ممن قد يغالون في الوصف والتعبير بكلمات وعباراتٍ مطاطة بها قدرٌ كبير من توابل المبالغة والتهويل والإكثار من استخدام أفعال التفضيل

إن المبالغة في العواطف لا تعني عادةً صدق العواطف. والشعور بالإحباط والإحساس بأن توقعاتك محبطة يدفعانك إلى اليأس، وهنا فإنك قد تهرب من الواقع بالتطرف والزهد، أو الإدمان لتنسى الواقع

ومما يسترعي الانتباه أن نسبةً كبيرة من المصابين بالاكتئاب في مصر تنتمي إلى الطبقة الوسطى من الموظفين والضباط وأساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء والتجار وأصحاب المصانع الصغيرة. وكما هو معلومٌ، فإن أي اختلالٍ يصيب هذه الطبقة يوازيه ـ بداهة ـ اختلال على مستوى جميع الطبقات الأخرى، فهي الوعاء الحافظ لقيم المجتمع وتقاليده ومعالم ثقافته
المشكلة أن الطبقة الوسطى – تحت وطأة ضغوطٍ اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة- تآكلت الكثير من تقاليدها وقيمها ومحرماتها، وهو أمرٌ يهدد البنيان الاجتماعي بشكلٍ عام ويثير الخوف والفزع من انهيارٍ أكبر، مما يزرع الهلع في النفوس. علاوةً على ذلك، فإن تهديد الحياة أو الممتلكات أو الحقوق يجعل الفرد غير آمن، خاصة في ظل بطء التقاضي، وعدم تنفيذ البعض لأحكام القضاء التي تحكم بإعادة الحقوق إلى أصحابها، مما يغلق نافذة الأمل الوحيدة لنيل وضمان الحقوق

هذا الخوف ليس مقصوراً على المواطن العادي، وإنما يفرد مظلته أيضاً على الكبار والمسؤولين، فالوزير أو المسؤول في مصر عنده من عدم الأمن وعدم الاستقرار والخوف ما هو أكثر مما لدى المواطن العادي الذي لن يخسر في العادة شيئاً، أما الوزير أو المسؤول فهو مهددٌ بأن يخسر كل شيء في لحظة، لأنه لا يعرف لماذا جاء إلى المنصب وأحياناً لا يدري لماذا يتركه. إن المصريين، وفي مقدمتهم النخبة الضيقة من الحاكمين في الحزب والدولة والنخبة المحيطة بهما، يسقطون في فخ التخمينات حول المرشحين لتولي مختلف المناصب الوزارية، وبينهم رئيس الحكومة نفسه، وينتهي الأمر غالباً إلى اختيار أشخاصٍ لا يعلم أحدٌ عنهم شيئاً يذكر، فالذي يختارهم هو رئيس الجمهورية وحده ومعه دائرة معاونيه شديدة الضيق

وما دامت المعايير غائبةً والمعلومات محجوبة، وما دامت الكفاءة والنزاهة ليستا أساس البقاء في المنصب، فكيف يطمئن الوزير أو صاحب المنصب على مصيره؟!

إن خوف الوزراء وكبار المسؤولين أكبر بكثيرٍ مما قد يتصور البعض، فهم قد يدخلون من باب السلطة ثم ينتهي بهم الأمر داخل زنزانة، مثل وزير المالية محي الدين الغريب ووزير السياحة توفيق عبده إسماعيل، وأي وزير يكون ولاؤه عادةً لمن أوصله إلى المنصب وليس للشعب، ولذا فإن ولاءه يكون لصانع القرار السياسي. وفي ظل هذه المعادلة يشعر الوزير بالقلق والذعر باستمرار، ولذا يتندر البعض قائلين إنه مع كل تعديل او تغيير وزاري فإن أول دواءٍ يختفي من الصيدليات هو أدوية الإسهال!

والكبار هنا قد يتسمون بالاستكانة والخنوع والخضوع أكثر من المواطنين العاديين، بما يجسد مخاوفهم الزائدة. وحين كتب الكاتب الساخر أحمد رجب في زاويته "نصف كلمة" في جريدة "الأخبار" قائلاً: إن اثنين من الوزراء دخلا مصحة نفسية وعولجا، حادثه د. أحمد عكاشة هاتفياً وقال له إنه لا عيب في في دخول الوزير كإنسان مصحة نفسية، لأنه يكون في هذا الأمر شأنه شأن أي مريضٍ يعالج من مرضٍ ما كالزائدة الدودية أو الفتق أو أمراض القلب الشائعة، ولكن ماذا عن الوزراء الذين دخلوا الوزارة ولم يُعالَجوا نفسياً. في اليوم التالي للمحادثة الهاتفية، كتب أحمد رجب في "نصف كلمة" قائلاً: "كلمني الدكتور أحمد عكاشة وقال لي إنني حزين لأنك تتحدث عن وزيرين عولجا في مصحة نفسية. والدكتور عكاشة يأسف لأن باقي الوزراء لم يدخلوا مصحات نفسية للعلاج بما يحسن الأداء الحكومي"

الخوف- الذي هو جزءٌ من القلق- ليس له علاج إلا بتوفير الأمن والأمان واحترام آدمية المواطن ومنح الحقوق والخدمات. وفي حالة القلق والخوف فإنك تكون قابلاً للإيحاء وتصدق أي شيء، خاصةً أنه لا توجد جهة ذات مصداقية تمنحك معلومات تفند الإشاعة وتكذبها وتوضح الحقائق دون مواربة

وبدءاً من 31 مارس آذار عام 1993 لم يكن من حديثٍ على ألسنة العامة سوى حوادث الإغماء الجماعي التي أصيبت بها أكثر من 500 من طالبات محافظة البحيرة، وامتدت لتصيب مئات الطالبات في 15 محافظة مصرية بينها القاهرة. وبدأت الإشاعات تتحدث عن وجود غازات تبثها إسرائيل في الجو وما إلى ذلك من ترهات، في حين أن ما حدث لم تصب به سوى طالبات المرحلة الإعدادية اللاتي أجمعن على أن الأعراض تمثلت في الإحساس بالدوار وفقدان القدرة على التركيز، والرغبة في السقوط والارتماء على الأرض

وبعد أن هدأ الغبار قال عددٌ من الأطباء النفسيين إن ما جرى ليس سوى هيستيريا جماعية، غير أن عدداً من النواب المصريين ثاروا على التفسير الذي قاله أمامهم وزير الصحة الدكتور راغب دويدار في 5 أبريل نيسان عام 1993، بالرغم من أن الوزير دعم كلامه بالبيانات والإحصاءات عن عدد المصابات وحالاتهن والتفسير الطبي لهذه الحالات والنتائج المخبرية والعينات التي أخذت منهن. رفض النواب بيان الوزير المسؤول، ولم يقبلوا فكرة الإيحاء التي تسببت في هذه الموجة من الإغماء لدى الطالبات، وأثاروا المخاوف حول وجود غازٍ غامض استخدم عمداً للتأثير في هرمون الأنوثة

ووسط صراخ وزعيق عددٍ من غير المتخصصين، أُهمِلَ الطب النفسي في فحص الحالات، ووجهت الجهود واتجهت التفسيرات إلى البحث عن مصدرٍ للتلوث البيئي. ويمكن أن نقرأ عن هذا الموضوع وغيره من الأزمات التي تبين مدى هشاشة المجتمع وإخفاق الدولة في إدارة الأزمات في كتب ودراسات لا تحصى، بينها كتاب "التخطيط لمواجهة الأزمات: عشر كوارث هزت مصر" للدكتور محمد رشاد الحملاوي (مكتبة عين شمس، 1995)

ثم نعود ونتساءل عن سبب خوفنا الدائم، وسر اكتئابنا المزمن!

الوجه الآخر من عملة الخوف هو التسلط، فلا يظهر دكتاتور إلا إذا كان الشعب خائفاً ومستكيناً. والفرد في هذه الحالة يمحو ذاته في سبيل السلطة. والخوف من السلطة أو التسلط أو حتى البلطجة على المستوى الفردي، يشجع على ظهور شتى أنواع الرذائل

تنتشر في مناطق من عالمنا اليوم - انطلاقاً من جنوب شرق آسيا- ظاهرة تتجلى بالعنف اسمها Amok أو سعار القتل الجماعي. وكلمة أموك مستقاة من لغة المالاي، وتعني جنون الغضب أو الغضب الذي يخرج عن نطاق السيطرة. وتقدم بعض التفسيرات النفسية لظاهرة الأموك على أنها انفجار مفاجيء في التوتر الداخلي ناجم عن الحياة في مجتمع شديد الهرمية، وأغلب التفسيرات تربطه بمسألة شعور الرجل تحديداً - يصيب واحداً في المليون من الرجال مقابل واحدة من عشرين مليوناً بين النساء، ولذا كان 95 % ممن يصابون به من الرجال- بالخزي لعدم تمكنه من العيش بكرامةٍ وشرف في مجتمعه.

وتقول بعض الدراسات إنه يصيب ثلاثة أصنافٍ من الناس: جماعة الشيزوفرنيا (الفصام)، والمصابون بـ (الاكتئاب) وأخيراً (ذوو الشخصيات المضطربة). يمتاز مريض القتل الجماعي الآموك بعدة صفات: إنه في المتوسط رجل في حدود 35 عاماً، والأقرب أن يكون متعلماً وبقدر ثقافته يكون بطشه. وعادة يقع في ظروف الحادثة تحت انهيار نفسي من البطالة بالرغم من كفاءته المهنية. ويمتاز بأنه خامل جنسياً أو خجول لا يعرف الحب أو الجنس. وهو مستعدٌ للقتل بسرعةٍ وأعصابٍ باردة، وفي النهاية ينتحر أو يقتله شخصٌ آخر لمنعه من مواصلة جرائمه

ولكن ما علاقة المصريين بما نقول؟

إن العائدين من سيناء مشياً على الأقدام بعد حرب يونيو حزيران عام 1967 كانوا في حالة من عدم المبالاة، ولكن إذا سمعوا صوت المترو أو صفير القطار فإنهم كانوا ينبطحون ويختفون تحت السرير ويأخذون في الصراخ، لأنهم مروا بتجربة قاسية ساروا فيها على أقدامهم دون طعامٍ أو شراب لمسافات طويلة، خائفين من القصف الجوي الإسرائيلي وأن تحصد أرواحهم تلك الطائرات الحربية التي تحلق فوقهم

هؤلاء المذعورون من صوت المترو أو القطار كانوا يخرجون بعد مروره بفترةٍ من تحت السرير في حالةٍ مشدودة، فإذا حدثت أحدهم وجدته في حالة عدم تركيز أو إعياء تام نتيجة الفزع. وقد تبدو هذه الحالة مشابهة لحالة "أموك" بدرجةٍ ما؛ لأن الخوف والفزع يجعلان الشخص غير مبالٍ، وقد يؤدي عدم المبالاة إلى إيذاء الغير

إن استمرار الخوف والقلق يؤدي إلى الاكتئاب ويقود إلى تشخيص جديد هو الإنسان المستهلك Burned out وهو الشخص الذي يفقد التركيز ويصاب بالبلادة ويصبح عصبياً لأقل منبه أو مثير، وقد يصاب بالصداع ويعاني الأرق، ويسيطر عليه إحساس بالعجز واليأس


وفي ظل الزحام الخانق وصعوبة ضمان الرزق الذي يوفر سبل العيش الكريمة، ومتاعب السياسة وهموم الظروف المعيشية، والإحساس بعدم الأمان، فإن المصري مرشحٌ قوي لأن يستقبل ضيوفاًً ثقيلي الظل تحت مسمى الخوف والاكتئاب..وربما أموك!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "اكتئاب المصريين (2): إغماء جماعي"

أكتب تعليقا