جرائم العاطفة في مصر النازفة (1): زواج رغم أنف الملك

| |




مثل قطارٍ أفعواني في حديقة ملاهٍ، يشق الحب طريقه صعوداً وهبوطاً، وسط صيحات ابتهاج وأحياناً فزع الجمهور

وقصص الحب عجيبة وغريبة، لكن الأغرب دائماً هو نهاياتها
تبدأ رحلة الحب بالعواطف الرقيقة أو الساخنة -لا فرق- حيث تتأجج المشاعر وتتقارب النفوس، ويتناثر من أيدي العشاق ضوء يعبر منه العالم إلى الجنة، إلى أن تهب العواصف فجأة ليظهر الوجه الآخر لأحد الطرفين أو كليهما، لتنهار الأحلام الوردية وتظهر الحقيقة بكامل صورتها وتفاصيلها


وفي تلك اللحظة قد يقع خلافٌ وشجار وصراع، ينتهي بالدماء التي تسيل أو الأرواح التي تزهق، مصحوبةً بهمهماتٍ وتساؤلات وفضول لا ينتهي في أوساط الرأي العام أو وسائل الإعلام. وربما تتحول الجريمة العاطفية إلى قضيةٍ ذات أبعاد سياسية تشغل اهتمام الحكام والسفراء، ويلعب فيها الدبلوماسيون أدوراً مؤثرة

وجرائم العاطفة في تاريخ مصر لها أكثر من شكلٍ وصورة، فهي قد تكون ناجمةً عن علاقةٍ سرية تنتهي بفضيحة وأحياناً الموت على مرأى ومسمع من الناس، أو تبدأ بشجارٍ بين زوجين تتكثف فيه مختلف العوامل، وتطفو على السطح مشاعر الغضب المتراكمة، لتنتهي بمأساةٍ أو رصاصة أو دس السم في الطعام والشراب

وفي كل الأحوال، فإن الجريمة العاطفية في مصر وقعت في القصور مثلما حدثت في المنزل المتواضعة..وشهدتها عصور الفراعنة والمماليك والعثمانيين وما بعد ذلك طبعاً، وصولاً إلى اليوم. قد تكون وقائعها جرت في القاهرة أو الإسكندرية، أو حتى خارج الحدود..في ربوع أوروبا أو في إحدى الولايات الأميركية، ولكنها تظل جرائم عاطفية يجلسُ فيها أحد الطرفين على الأقل متكئاً على عذابه وينام في سرير يأسه، بعد أن كان يظن أن العاشق يهرمُ..ولا تذبل أشواقه

وحين تقع مثل تلك الجرائم التي ترتدي ثوب العاطفة، تولد مآسٍ تثير في النفس أكثر من تساؤل حول أسرارها وتفاصيلها ودوافعها

وها نحن نقدم لك نماذج قليلة لكنها مؤثرة، من تلك الجرائم العاطفية التي هزت مصر، وأثارت الرأي العام بشدة، وجعلته ينسى همومه اليومية ويجري لاهثاً وراء معرفة تفاصيل هذه الجرائم وأسرارها الغريبة

من أبرز هذه الجرائم وربما يكون أكثرها شهرةً في تاريخ مصر، تلك التي شهدها عهد الملك فاروق، وكان أبطالها الملكة نازلي، وابنتها الأميرة فتحية وزوجها رياض غالي





ففي أواخر يونيو حزيران عام 1946 قررت نازلي السفر إلى أوروبا بحجة العلاج والراحة النفسية، ولم يكن ذلك صحيحاً على الإطلاق، وغادرت الملكة نازلي مصر على ظهر باخرة، وبصحبتها الأميرتان فائقة وفتحية

كانت مارسيليا، أجمل موانيء فرنسا، هي المحطة الأولى لنازلي وابنتيها

طار خبر سفر الملكة من القاهرة إلى قنصلية مصر في مارسيليا التي قررت انتداب أمين المحفوظات رياض غالي ليساعد الملكة والأميرتين في تسهيل سفرهن إلى سويسرا. وبمجرد وصول الملكة وابنتيها إلى ميناء مارسيليا كان رياض غالي واقفاً في انتظارهن منذ الصباح. ما كادت الملكة تراه حتى سألته بالفرنسية: هل أنت مصري؟

وحسب شهادة الكاتب الصحفي مصطفى أمين، فقد انحنى رياض غالي بين يدي نازلي كرقم 8 وقال لها إنه مصري


واندهشت الملكة نازلي من إجابته وقالت: غريبة، كنت أظنك من أميركا الجنوبية. ابتسم رياض غالي وسار إلى جوار الملكة، وفجأة قال لها: لقد جئت بالشمس معك إلى فرنسا

فوجئت نازلي بكلام رياض وقالت: غريبة، ألم يكن عندكم شمس؟
قال لها رياض ببساطةٍ رائعة: لقد مضت بضعة أيام بغير أن نرى الشمس، وها هي تشرق مع إشراق جلالتك

التفتت الملكة نازلي ناحية مندوب إدارة البروتوكول الذي أوفدته وزارة الخارجية الفرنسية ليكون في استقبالها، وسألته في جديةٍ شديدة وباللغة الفرنسية: هل ما يقول صحيح، أم أنه يجامل؟
وقال مندوب وزارة الخارجية بالفرنسية: بل هو الصحيح يا صاحبة الجلالة

كلفت نازلي الشاب رياض غالي بأن يعتني بحقائبها وكان عددها 36 حقيبة ثم سافرت نازلي إلي بلدة برن ولحق بها رياض في لوري ضخم حاملاً الحقائب


وعندما وصلت نازلي إلى الفندق ـ في مدينة برن ـ كان في استقبالها موظفو المفوضية ولاحظوا مشهداً مثيراً وغريباً، فقد رأوا رياض ينزل من جانب سائق اللوري، ويقدم نفسه على أنه رياض غالي من القنصلية الملكية في مارسيليا ثم صعد مع الحقائب إلى جناح الملكة. وبعد أن انتهى من إدخال كل الحقائب إلى جناح الملكة قالت له نازلي: أتعبتك معي


وفوجئت نازلي برياض وهو ينحني ويقول لها: إن هذا شرفٌ عظيم لقد كنت أود لو أنني حملت كل هذه الحقائق على ظهري. إن اليوم هو أسعد أيام حياتي لأنني ركبت سيارة مع حقائب الملكة
فرحت نازلي بما تسمعه وسألته: ما اسمك؟
ولدهشتها سمعته يقول لها: خادمك رياض غالي
التفتت نازلي ناحية الأميرة فتحية وقالت لها بالفرنسية: كم هو مؤدب

وهنا تقدم رياض ليستأذن من الملكة في الانصراف قائلاً: كنت أود أن أبقى طوال حياتي خادماً لك هنا، ولكنني مضطر لأن أعود إلي وظيفتي في مارسيليا

وببساطةٍ شديدة قالت له نازلي: ابق هنا يوماً أو يومين


اعتذر رياض لها بأن الأوامر تقضي بأن يعود، وفوجئ بالملكة تحسم الأمر بقولها: أنا أصدرت الأوامر بأن تبقى

وبالفعل بقي رياض


ويقول مصطفى أمين: إن وزارة الخارجية كانت قد حددت لرياض خمسة جنيهات كبدل سفر ما دام في خدمة الملكة، لكنه أخفى ذلك عنها، وقال إنه قرر البقاء ليكون في شرف خدمتها

حرص رياض على استخدام أبرز مواهبه وهي شدة التأنق، ورشاقة الرقص، وبراعة البروتوكول، والخنوع حتى التمكن


أعجبت نازلي بلياقة الشاب ونشاطه فطلبت السماح له بمرافقتهن إلى سويسرا. وبدأ الشاب في التقرب إلى قلب وثقة الملكة الكبيرة، والتغزل بشبابها الضائع ورفع روحها المعنوية بعد أن فقدت زوجها الثاني أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي


وبعد طرده من وزارة الخارجية، أصرت نازلي على إلحاق رياض في حاشيتها كسكرتير خاص لها براتبٍ شهري قدره مئة جنيه.. وأرسلت خطاباً شديد اللهجة إلى فاروق تتهمه فيه بالظلم والاستبداد، وتقول له: إن رياض غالي لن يموت من الجوع وإنها ستدفع له أضعاف مرتبه

ومن سويسرا انتقلت نازلي إلى الولايات المتحدة حيث أجريت لها عمليات جراحية، في الوقت الذي كان الملك فاروق يرسل إليها بين الحين والآخر طالباً إليها أن تعود إلى مصر فكانت تعتذر، ثم راحت تصرح برفض العودة نهائياً مما جعل الملك يكلف سفير مصر في واشنطن بمحاولة إقناعها بالعودة، فأصرت على الرفض

اختارت نازلي أن تسكن في لوس أنجليس وعلى مقربةٍ من هوليوود عاصمة السينما، وتعرفت على كثيرين من نجومها، وأصبحوا زواراً لبيتها يحضرون حفلاتها إذا وجهت لأحدٍ منهم أو منهن دعوة، لأن الكل يريد أن يكون في "أجواء صاحبة الجلالة"

واختارت الملكة لإقامتها في البداية بيتاً في شارع قريب من هوليوود اسمه تاور رود، وقد زارها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في هذا البيت، الذي يقول: "حين عبرت الحديقة ماراً بحافة حمام السباحة مع رياض غالي كان رجاؤه وقد وصلنا إلى باب البيت أن أنتظر في الصالون قليلاً، لأن "جلالتها تؤدي صلاة الظهر حاضراً"

كان الملك فاروق يعرف أن والدته صادقت رجل بترول أميركي اسمه ريتشارد باولي، وأن باولي أقنعها أن تبيع مجوهراتها وتستثمر أموالها في حقل بترول كبير في منطقة جيتسبرغ. وبالفعل باعت الملكة مجوهرات بما قيمته ثلاثة ملايين دولار (وبقيمة النقود وقتها فإن ذلك كان مبلغاً هائلاً) ثم إن باولي دفع للملكة مبالغ مما قال لها أنه أرباح الحقل، ثم "نفد الحقل" قبل الأوان، وكذلك زادت طلبات نازلي من مصر وراحت تتهم "الخاصة الملكية" بأنها تسرق إيراد أرضها وتستولي على دخلها من غير الأرض، ولا تبعث لها بشيء مما يتوافر لها من إيرادها، ثم راحت تتهم ابنها مباشرة بأنه يحاول "أكل حقها"، وهددته برفع قضايا مطالبة بمستحقاتها

وزاد الطين بلة أن اثنتين من بنات نازلي كانتا معها في الولايات المتحدة، وهما الأميرتان فائقة وفتحية، وقد وقعت كل منهما في غرامٍ لم يكن فاروق راضياً عنه : الأميرة فائقة مع دبلوماسي مصري هو فؤاد صادق وقد تقدم بالفعل يطلب يدها من الملكة نازلي، والأميرة فتحية مع رياض غالي الذي تقدم لخطبتها هو الآخر من الملكة نازلي

وكان الملك فاروق قد تلقى تقارير من بعض أصدقائه في الولايات المتحدة أن رياض غالي كان على علاقة مع الملكة نازلي نفسها، وأن تلك العلاقة هي التي مهدت له الاختلاط ب "فتحية"

ووصلت سيطرة رياض غالي على الملكة نازلي إلى حد أنها قالت إنها إذا أرادت أن تختار بين صداقتها لرياض غالي وأمومتها لفاروق فإنها تختار صداقة رياض غالي، لأن فاروق أثبت في كل مناسبة أنه ولدٌ عاق، أما رياض فقد أثبت أنه ولدٌ مخلص


ولم يكن رياض غالي يحلم بنازلي ولكن كان يحلم بفتحية، ولكنه كان يعلم أنه لن ينال قلب فتحية إلا برضاء نازلي، بكل ما تعنيه الكلمة، وبكل ما توحي به. وقد كانت فتحية ابنة السادسة عشرة من العمر ترى فيه فارساً من فرسان القصص والروايات الغرامية

وقيل إن هذا الفارس عثر لفتحية على مشبكٍ من الألماس كان قد سقط منها في أحد المسارح، وبهذا المشبك شبك قلبها.. إلا أنني عثرت في مجلة "تايم" الأميركية (بتاريخ 2 يوليو تموز عام 1947) على خبر مفاده أن الملكة نازلي كانت في زيارة إلى مانهاتن مع ابنتيها فتحية وفائقة حين قررن حضور أحد عروض برودواي، وأن فتحية فقدت مشبك صدر يضم 36 ألماسة و 25 قطعة سفير. وأضافت "تايم" أن فتحية استعادت المشبك الثمين في اليوم التالي، ومنحت المرأة التي عثرت عليه مكافأة قدرها 100 دولار



وزاد إعجاب فتحية بالشاب رياض عندما وجدته يشتري مسدساً سريع الطلقات؛ ليحميها ويحمي الملكة الأم، ولم يخطر على بالها أن هذا المسدس هو الذي ستُقتَلُ به، وأن الخطر الحقيقي سيكون أقرب إليها مما تتصور

بدأ رياض غالي يسهر مع فتحية بموافقة الملكة نازلي..وسرعان ما نقل السفير المصري في الولايات المتحدة إلى الملك فاروق أنه رأى الأميرة فتحية وهي في مشهدٍ غرامي مع رياض غالي في ملهى ليلي. استشاط فاروق غضباً فقال للسفير: "يا نهار أسود.. إذا لم تعد غالي هذا فسوف أقتلك"


غير أن محاولات السفير مع غالي باءت بالفشل، فطلب فاروق من رئيس الوزراء مصطفى النحاس الاتصال هاتفياً بالملكة نازلي في الولايات المتحدة لمنعها من تزويج فتحية من غالي، ولكن الملكة العنيدة قالت للنحاس: "أظن أن موضوع زواج ابنتي ليس من اختصاص رئيس الوزراء. قل للملك فاروق إننا لن نعود والبنت حأجوزها لرياض لأنه بيحبها وبتحبه"..ثم أغلقت السماعة في وجه رئيس الوزراء

طار عقل فاروق وأرسل إلى أمه يحذرها من إتمام مشروعها الخاص بزواج شقيقتيه وطلب سرعة عودتها، لكنها أصرت على موقفها. كما فشلت محاولة فاروق خطف فتحية من الولايات المتحدة، فوجه طلباً رسمياً إلى الولايات المتحدة لطرد أمه وشقيقته، غير أن نازلي هددت بنشر هذه الفضائح على صفحات الصحف الأميركية. ورفضت نازلي كل المساعي الرامية إلى منع إتمام هذا الزواج، مثلما رفضت مساعي حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالإنابة، وردت طلب شقيقها الذي سعى إليها في الولايات المتحدة لإقناعها برفض هذا الزواج وعاد من هناك يجر أذيال الخيبة

وأغلب الظن أن إجلاء نازلي عن الولايات المتحدة كان أصعب من إجلاء الإنجليز عن مصر

وفي لحظة تفككٍ وتشرذم، تحولت العائلة الملكية إلى كتيبة إعدامٍ شديدة القسوة

فقد انهالت الطعنات على النظام الملكي من الداخل، ولم يكن المغامر رياض غالي سوى ريحٍ هبت على العائلة الملكية فإذا بها تقتلع معها جذور الروابط العائلية الممزقة بين القاهرة..وهوليوود

ولم يجد فاروق أمامه سوى إعلان الحرب.. على الملكة الأم

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (1): زواج رغم أنف الملك"

أكتب تعليقا