أريكة العائلة

| |






كل شيء تغير في هذا المنزل.. سواها

أريكة العائلة، التي جاءت إلى البيت الضيق ضمن أثاث العروسين

يتشبث بحوافها العابرون

لها رائحة القرفة والزعفران، ولها ذاكرةٌ محترقة بكل أنواع النيران التي لا رماد لها

والذكريات تخدش زجاج الزمن

كبرت العائلة وأثمرت الزيجة عن ولدٍ وابنتين..عرفوا جميعاً قيمة تلك الأريكة ذات نقوش عصر الروكوكو الساحرة والمساند الذهبية العتيقة

إنها الوفاء على هيئة قطعة أثاثٍ تناسب لون الستائر

وهي ظلت تلتقطهم وتحتفظ بصورهم وأسرارهم في ذاكرتها المثقلة

حفظت كل رفة عينٍ، التفاتة، إيماءة، حالة تواطؤ صامتة، بكاء مرير مكبوت، شهقة سعادة ممتزجة بالألم

لا أحد يدري كيف تؤطر الأريكة بلا جهدٍ حياتنا الشاسعة

تتصدر المشهد في أناقةٍ لافتة

تباعد بين ساقيها لتفصح عن أنوثتها كأي حبيبة تخلق الألفة معها من أول جلسة

أريكةٌ حين يدركها الغرام تصبح أرجوحة.. تعلو لتلمس سقف السماء، وتقطف نجمةً لتحتضنها في رحلة الهبوط

اختارها الابن البكر مستقراً وفراشاً له، بعد أن ضاقت عليه الشقة بما رحبت

عليها أراح جسده وتوسد أحلامه البسيطة.. أصبحت سريراً تتلاشى أطرافه

يفكر فيها: فتاةٌ في رقة النجوم البعيدة حين تومض في عمق المساء

في الليل، تسحب الأرض نفسها من أمامه

والليل مفرط العذوبة.. والنهار مفرط المرارة

تنتابه الحمى، وتبتلعه دوامة إعصارها

يرى بياض جسدها، وهي منومةٌ بسحر عينيه الجسورتين

لا يُعاب على التفاحة أنها تدعو إلى القضم

بعد مداعبةٍ وجيزة يمسح فيها طبقة القشدة عن قوس الثدي، ينهض الليل كله ليتحرر ويعدو فوق شعاع مكسور


ويندفع الماء من الينابيع الساهية.. كيف نطلب من الكأس ألا ينسكب؟

في مركزه تبقى النافورة وادعة.. شبه نائمةٍ في دائرتها العتيقة

لنكن خفيفين وحانيين إذاً فوق أرضٍ مشتعلة

يثقب الظل فتظهر له كائناتٌ جديدة، إلى أن تغفو العاصفة ويتسلل ضوء النهار من بين شقوق النافذة

كم يكون النائم جميلاً..حتى يفيق

في كل إنسان ينام نبي، عندما يستيقظ يكون الشر قد زاد قليلاً في العالم

لكن الحبيبة ضاعت، أو أضاعت عهد الهوى، واكتفت بدمعتين على النهاية الأليمة..وابتسامةٍ على البداية الجديدة مع رجلٍ آخر

أمطر الفتى دموعه في قلبها ومضى..دفن رأسه بين الأمس واليوم، وحين ناداه السفر حزم حقائبه وهاجر إلى آخر الدنيا
في البلاد البعيدة، جر بصيصاً من عنق اللوم، كان ينفثه مع دخان السجائر وعلى المقاهي التي لا تعرفه..وفي المساء الوحيد لا تنمو على صدره إلا عشبة النوم المتقطع

وفي المنافي نجر وراءنا مقبرة أصدقاء وأعداء. ليس من المهم كثيراً أن تكون تلك المقبرة قد أحيلت إلى مهاوي القلب أو أسقطت على سطح الرغبات

على الأريكة يجالس الرجل ذو الشارب الرفيع صديقته التي تسلل بها إلى المنزل في غياب الزوجة الموظفة

عيناه مثل طائرٍ قلق، لا يستقر على غصن. تنتبه إلى قميصه: كل أزراره نجوم

يتذوق الزائرة ويعتصرها، يضغط عليها ويدعها تتحسس عضلات جسده الرياضي، يتمددان فوق الأريكة فيلمسان في اضطرابهما الطاولة البنية المجاورة ويفقد إناء الورد توازنه ويسقط على الأرض، موزعاً الورد المقطوف من حديقة المنزل على الأرضية الصلبة

يا لدهاء البنفسج وغواية الورد

تلقي الأريكة نظرةً خاطفة على الجار الذي هوى، وفوقها نافذةٌ تشبه الشاهد الصامت

والجيران عالقون في الشباك يسترقون السمع

النافذة تهجع أسفل الكلام، والريح تلعن النوافذ المغلقة

تختلس الأريكة نظرةً خاطفة إلى المرآة العريضة التي تغطي الجدار المقابل، وتكتوي برؤية كيف يقشر مصاص دماءٍ شقائق النعمان

يحمل الرجل الزائرة مثل طفلةٍ إلى غرفة الحميمية المقدسة؛ ليكمل رحلته في جسدها الذي تراخى ولان وتأهب للغزو، وبدت في إغفاءةٍ تشبه الموت.. والموت صنو الروح

وهناك، تتحول الساق اليمنى إلى ساريةٍ تصطاد نوارس المتعة التائهة

معظم الجسد عالقٌ بين فكي سمكة قرش.. فقط يطل وجهها ورقبتها وكتفاها من بين الفكين

ثمة راهب وجزار يتشاجران داخل كل رغبة

في اللذة كما في أوقات الهلع، نبحث عن فرويد وصورة القرد الذي يبلغ المجد أخيراً..ولو لمدة الصرخة أو الآهة
يرميها جانباً كطفلٍ ملَ لعبته، نهداها يغفوان مجهدين وهي تكرر: أنت رائع

في المساء، تهمس الجارة في أذن الزوجة بحكاية الزائرة الغريبة، في حي تنتشر فيه الحكايات أسرع من الأوبئة

وتتكفل الرائحة وبقعةٌ غامضة على الأريكة بافتضاح أمر العلاقة..وإنهاء الزيجة التي كانت سعيدة


في الأسبوع الثاني من الانفصال، تجعل الأريكة من نفسها يداً تواسي الأم التي تضع الابنة الصغيرة في حضنها، وتفكر في ما هو آتٍ

يا لكمية التعب التي كانت ترتاح في دماغها..تسألها الطفلة عن أبيها الغائب فتطمئنها وتسألها عن يومها الدراسي

الحكمة تستر جراحنا: إنها تعلمنا كيف ننزف خفيةً

بعد أربعة أشهرٍ يأتي صديق قديم للعائلة بابتسامةٍ صفراء وقميص مشجر، ويخوض في هراءٍ ممتد عن المطاعم الجديدة في المدينة، والموسيقى التي يتعين أن تسمعها لتصبح مثقفاً، ورغبته في إخراج المطلقة من سجن عزلتها
تحمل المرأة رأسها باتزانٍ وترفع قوسي حاجبيها لتواجه نظراته التي تشي بما في رأسه، وتباغته بلهجةٍ ساخرة: عفواً، هل كنت تقول شيئاً؟ إن صوت رغبتك المرتفع كان يشوش على كلامك

ياقته القاسية تكسرت من ركلةٍ واحدة

ويمر على تلك الأريكة زمنٌ كافٍ كي ينضج جسد الابنة، فتجلس بجوار خطيبها الشاب الذي اغتنم إجازته من وحدته العسكرية ليرى الحبيبة

كان فستانها مذعوراً من الهواء العابث الذي تحركه مروحةٌ عتيقة مرصعةٍ بعلامة تجارية مغمورة

يتذبذب النيون مثل حسرةٍ، أو استراحة من هواء

مكيدةٌ عاشقة بين الهواء والضوء، تحرك خصلات شعرها

يحاول هو أن يحصر زهرة حمراء بين هلالين، ويتسلل بأصابعه إلى جسدها الغض محاولاً اكتشاف أسرار تلك الفتاة الفارعة الطول التي تمنحه كل شيء إلا عذريتها التي تحتفظ بها.. له

خيوط الأريكة تنحل، تتفكك مثل جسد الفتاة، وتهبط بالحشية قليلاً.. لكنها تظل ساحة مثالية لعاشقين ذابا مثل قطعة سكر في كوب شاي ساخن

يهمس في أذنها ليقشعر بدنها على شكل حبيباتٍ صغيرة من أسفلها إلى أعلاها

ثمة رغبة سحيقة في الكلام..رغبة في القبلة

أليس محزناً أننا نغمض أعيننا حين نتبادل القبل؟

نريد عيوننا مفتوحة دائماً، لأننا أبصرنا قبل الأوان

في عناقهما تتناسل الشوارع والأزقة، الصحو الرائق، زهو الألوان، تبرج الأشجار، وأزهار الحدائق المنسقة

تبدأ رغبة السلسلة الذهبية في عنقها المرمري بالتأرجح

يقبلها بشغفٍ ويهبط باتجاه جنوب خريطة الجسد فتمسك رأسها بأصابعها منتشيةً.. وتكتفي الأريكة بمطالعة الحذاء المقلوب في أسىً


يصعد درجات الريح ليرى ما.. لا يُرى

وحين يودعها، تشعر بالنداوة الحارة التي تركها

تتعلم درسها الأول: في المرة المقبلة، حين تفرغين من ممارسة الحب.. لا تضعي وردة على قبر الشهوة، فهي لا ترقد تحت هذا التراب.. إنها الآن داخلك

وما هي إلا سنواتٌ قلائل حتى تستضيف الأريكة زائراً جديداً: خطيب الشقيقة الصغرى

جاء من أقصى الخليج يسعى، باحثاً عن شريكة عمره، فلم يجد أفضل من الجارة الوديعة

أعجبته خفة ظلها، رقتها، بشرتها السمراء المحببة إلى النفس فقرر أثناء تلك الإجازة السنوية أن يعقد قرانه عليها

خطوةُ سمحت له بالخلوة، والاختلاء بالمرأة التي ستصبح يوماً أم أبنائه.. وبعد تلاقي الشفاه النهمة، ونداء الأجساد الجائعة، استحث الأسرة على أن يدخل بفتاته، لكن الأم رفضت بإصرار، قائلةً إن إنهاء السنة الدراسية الأخيرة وتخرج الابنة في الجامعة يأتي أولاً..وبعدها يمكن للشابين أن يستمتعا بزواجهما

غير أن الوردة ظلت مشتهاة

وفي غابة الأحضان، كم ترهل الخيط الذي كان مشدوداً

وذات ليلةٍ صيفية، زار العائلة في غياب الأم التي سافرت على عجلٍ إلى قريتها الصغيرة لأداء واجب التعزية في إحدى قريباتها

جاءته فتاته برائحة عَطِرة تلعب النسمات دور موزع البريد لها، وبنطالٍ مقلم يمكن أن تغيب وسط خطوطه المغوية

يلمح ثرثرة الأقراط، وهي تحدثه بحرارةٍ عن يومها الطويل

وتلتقط خطته غير البريئة، وهو يكلمها عن نهرٍ قديم عثر عليه في عينيها

لم يكن يصغي إلى لثغتها.. فالعاشق بدا مأخوذاً بحزنها الأبدي

لم تهتم بندبةٍ أعلى جبينه صنعتها مغامرات الطفولة..فالعاشقة كانت تصطلي بأنواره العذبة


اعتدل في جلسته، وأسند يده التي تحمل سيجارةً مشتعلة على جانب الأريكة، فأصابها بحرقٍ شوه أحد نقوشها
لم يأبه العاشقان لأثر الحرق كثيراً.. كانت نيرانٌ أخرى تنبعث منهما

وحين يلتقي جسدان، نستكشف لون الظمأ، نرشف من الوقت أجساداً مهجورة تصب بلمسة واحدةٍ أيقونة.. رغماً عنها
طوق كتفها وحشرت رأسها في صدره الواسع

هكذا يغني العشب تحت جلودنا

توغل أكثر، لتئن الأريكة بحمولتها الثمينة

ثم تقع أول حربٍ جميلة عرفها الكون

يحدثان جلبةً تقلب الأشياء المرتبة في الغرفة

بكت وهي تنظر إلى ثيابها المبعثرة هنا وهناك، وضربته بالوسائد الصغيرة الحمراء على شكل قلب

ليلتها لم تنم الأريكة

بقيت عيناها مفتوحتين على عيون النائمين المغلقة في هذا المنزل

ربما لو كانت لديها شجاعةٌ كافية، كل يوم، كي تصرخ ربع ساعة، لتمتعت بتوازنٍ كامل

سمع الجيران صوت بكاء غامض ينبعث من غرفة الجلوس.. لكنهم لم يملكوا للأمر تفسيراً

وأنت لا تفهم وصية إصبعك حتى تكسر الحرب يدك

في تلك الليلة، تقدم القمر مرتجاً ليواسي قطعة الخشب المطلية التي تتنفس ألماً؛ لأنه ما من أحدٍ سواها يحتفل بالظلام

ولا أحد غير القمر الساهر يعرف كم من الصعب سؤال الأرائك عن الأحبة الغائبين في تلافيف الدنيا، أو في تلافيف الجسد الذي كان

في الصباح، فوجيء أهل المنزل باختفاء الأريكة

ولم يصدق أحد رواية الشاهد الوحيد.. طفل في السابعة قال إنه رأى قطعة أثاثٍ تحلق بجناحي الاعترافات واللعنات، تنافس طائرته الورقية الملونة فوق منازل الحي، وتطير بعيداً.. بعيداً، باتجاه سماء لا تُمس


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

19 التعليقات على "أريكة العائلة"

أكتب تعليقا