الملك فاروق (2): لحية الخليفة..وسياراته

| |

غريبٌ أمر مسلسل "الملك فاروق"
ميزانيةٌ ضخمة تقدر ببضعة ملايين من الدولارات، لكنها لم تكن كافية للتصوير اللائق في مواقع خارجية مناسبة
ومن تابع المسلسل سيلاحظ أن معظم مشاهد الشارع المصري – إن لم يكن كلها- قد جرى تصويرها في شارع عليه أسماء معينة، هي كالتالي: مقهى الأمراء، أجزخانة الشفاء، فاين آرت، موبيليات وأنتيكات الكرنك، السعد للموبيليا

الأحداث على اختلافها، من احتفالات ومظاهرات ومسيرات ومحاولات اغتيال واعتقالات..مرت في هذا الشارع التليفزيوني العجيب

هل هذا معقول؟

من ناحيةٍ ثانية، كان من الأجدر بالقائمين على المسلسل الاستعانة بجهود د. لطيفة محمد سالم لمراجعة الحلقات، باعتبارها أفضل من كتب عن الملك فاروق، وقد التزمت في كتابيها "فاروق وسقوط الملكية في مصر"و"فاروق الأول وعرش مصر: بزوغٌ واعد وأفول حزين"، المنهج العلمي التاريخي الدقيق والمتوازن الذي قدم طرحه بعيداًً عن منطقي التحامل أو التعاطف. ومع احترامي الشديد للدكتور يونان لبيب رزق كمؤرخٍ بارز، فإن ميوله الوفدية قد تجعل البعض يأخذ ذلك عليه

ولم نر في المسلسل مرحلة اللحية






فقد أصدرت مشيخة الأزهر في عهد الملك فاروق فتوى تقول "إن الملك فاروق من الأشراف ومن حقه أن ينصب نفسه خليفة للمسلمين"

وعقب صدور هذه الفتوى، أطلق الملك العنان لنمو لحيته حتى مطلع الأربعينيات، وظل يسوّق نفسه بوصفه الرجل الصالح والزعيم المؤهل للخلافة الإسلامية، وأخذ يصاحب باستمرار الشيخ محمد مصطفى المراغي ويصلي كل يوم جمعة في مسجد من المساجد، وطلب إلى شيخ الأزهر إعطاء دروس في الدين لزوجته الملكة فريدة

ثم انتهت المغامرة بحلق اللحية

وتزامن ذلك مع الخبر المؤسف الذي هو إلى الهزل أقرب منه إلى الجد، عندما قالت الصحف إن "جلالة الملك المعظم ينتسب من جهة والدته الملكة نازلي بنت عبدالرحيم صبري إلى الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم"‏,‏ وأعلنت الصحف أن "هذا الكشف قد توصل إليه وزير الأوقاف الهمام صاحب المعالي حسين الجندي باشا" وأن الذي أرشده إلى هذا الاكتشاف الخطير وباركه هو السيد محمد الببلاوي نقيب الأشراف في مصر وخطيب مسجد الإمام الحسين‏

والحقيقة أن نازلي هي حفيدة الضابط الفرنسي الذي جاء مع حملة نابليون بونابرت على مصر، قبل أن يسمي هذا الضابط نفسه سليمان باشا الفرنساوي
ويقول مصطفى النحاس في مذكراته: "فاروق ابن نازلي التي يتصل نسبها بلاظوغلي تصبح بين عشية وضحاها من آل البيت النبوي الكريم ويتصل نسبها بخاتم المرسلين.. سبحانك‏..‏ ضحكت كما لم أضحك في حياتي وتذكرت المثل اللي يعيش ياما يشوف"

وقد بدا الملك فاروق عبر حلقات المسلسل كأنه شخصيةٌ محبوبة من الطلبة على طول الخط، دون أن يتوقف القائمون على هذا المسلسل عند نقطة مواجهة ساخنة تسببت في شرخ في العلاقة بين الملك والطلبة: أحداث كوبري عباس

ففي عام ١٩٤٦ نظم الطلبة مظاهرةً حاشدة للمطالبة ببدء المفاوضات مع بريطانيا للجلاء عن مصر، وسارت المظاهرة قاصدة قصر عابدين، مروراً على كوبري عباس، الذي حوصر وانتهى الأمر بمذبحة. وفي عيد ميلاد الملك اشتعل الموقف مرة أخرى في مهرجان الشعلة وحطم الطلبة الزينات وداسوا صورة الملك بالأقدام، وانتهى الأمر بتحميل الحكومة المسؤولية وتكليف إسماعيل صدقي بالوزارة، واستحدث الملك وظيفة المستشار الصحفي للديوان الملكي، وعين رئيس تحرير جريدة "المقطم" كريم ثابت، وهو لبناني الأصل من بلدة دير القمر في منطقة الشوف. إلا أن المسلسل أغفل الإشارة إلى قرابة كريم ثابت نسباً لوالتر سمارت المستشار الشرقي للسفارة البريطانية
كما قدم مسلسل "الملك فاروق" أثناء الحرب العالمية الثانية وهو يجمع حاشيته الإيطالية وعدداً من كبار مسؤولي السراي ليشرح لهم على الخريطة طبيعة المعارك والقتال بين قوات الحلفاء وقوات المحور والمدن والنقاط الملتهبة في تلك المواجهة، ثم رأيناه يرتدي الزي العسكري قبيل حرب فلسطين ليجمع القادة العسكريين ويشرح لرئيس وزرائه محمود فهمي النقراشي مسار القتال وتوقعاته



ولا أعرف كيف صار فاروق قائداً عسكرياً وهو الذي لم ينل نصيباً يذكر من التدريب العسكري، ولم يحصل على أي شهادة ولم ينل تعليماً حقيقياً، واكتفى في تعليمه بزيارةٍ لبريطانيا عاد بعدها وهو يشعر بخيبة الأمل إذ لم يمكث هناك سوى ستة أشهر ونصف الشهر قضاها في مجرد التعرف على بريطانيا، وقد قال هذا لرئيس وزرائه

إن التقويم السياسي والتاريخي للملك يثبت أنه لم يكن يصلح للمهمة التي ألقيت عليه، رغماً عنه، بعد وفاة والده. ومن الطبيعي ألا يكون فاروق الأول القائد العسكري المؤهل لوضع الخطط وشرحها

والحقيقة أنه بعد أزمة 4 فبراير ١٩٤٢ التي انتهت بتشكيل حكومة مصطفى النحاس بناءً على طلب بريطانيا، بدأ فصلٌ جديد في علاقة الملك بالجيش الذي شعر بمدى الإهانة التي تعرض لها قائده على يد الإنجليز. وأغدق فاروق على كبار العسكريين، وبادله الجيش الحب

ويقول السفير جمال الدين منصور أحد أوائل وأبرز "الضباط الأحرار" في كتابه الصادر تحت عنوان "ثورة الجيش المصري..وثائق الإعداد والتمهيد ١٩٤٥- ١٩٥٢" إنه بعد حادث ٤ فبراير واقتحام الدبابات البريطانية قصر عابدين، لفرض حكومة النحاس على الملك، كان فاروق محل تعاطفٍ من جميع ضباط الجيش وحظي الملك بشعلةٍ من القبول بين الضباط، لكنه تغير بعد ذلك وانساق في طريق الفساد والاستبداد وكان يعامل رؤساء الوزارات والوزراء بطريقةٍ مخجلة، ولم يعط أي اهتمامٍ لمطالب الضباط بإصلاح الجيش

بدأ الضباط الشبان يرفضون تصرفات الملك، خاصة عندما وجدوه يمنح الألقاب العسكرية على هواه، لدرجة أنه منح سائقه الخاص رتبة بكباشي "مقدم" وأخذ في فصل عددٍ من الضباط دون مبرر. وأخذ التذمر طريقه إلى الجيش، وتكونت داخله عدة تنظيماتٍ سرية، بدأت في الحركة لمواجهة فاروق. وفي سعيه للقضاء عليها، استبعد أحمد عطية وزير الدفاع الوطني، وتم تعيين محمد حيدر مكانه عام ١٩٤٧، وهو رجل البوليس القاسي، مما أثار شباب الضباط



المدهش أن فاروق ظل يستشعر أن الجيش مازال القوة التي يعتمد عليها، ولازمه هذا الشعور حتى نهاية حكمه، وكان يزور ثكناته بين القاهرة والإسكندرية، متودداً للضباط. وأمر فاروق بخوض حرب فلسطين بالرغم من عدم استعداد الجيش، حتى إنه التزم بارتداء الزي العسكري -وهذه للأمانة، نقطةٌ أشار إليها المسلسل- ووقعت الهزيمة وحوصرت القوات في الفالوجا وأصبح جهل وزير الدفاع ماثلاً للعيان، وكانت هزيمة فلسطين الصخرة التي تحطم عليها الكيان الملكي في نظر الجيش

أصبحت مواجهة الضباط سافرةً مع فاروق، وتبدى هذا من خلال المنشورات التي صارت أداة حربٍ معلنة على التصرفات الملكية، كما أعلنت أن الجيش جيش الأمة وليس جيش فرد

لقد حاولت منشورات ضباط الجيش تنبيه الملك فاروق إلى الخطر المحدق. ولذا نجد منشوراً صادراً عام ١٩٤٧ موجهاً إلى "صاحب الجلالة قائدنا الأعلى" وموقعاً من تنظيم "ضباط الجيش" - الذي نشأ عام ١٩٤٥ ثم اندمج مع مجموعة جمال عبد الناصر بوساطة خالد محيي الدين عام ١٩٥٠ تحت اسم "الضباط الأحرار"- حول سوء أحوال التدريب والتنظيم والتسليح بالجيش وإهمال القيادة

إن الجملة الافتتاحية تقول: "إليك صيحةٌ يا مولاي من قلوب مفعمة بالإيمان بالله وبمليكها.. يرفع هذا ضباط الجيش"، في حين تقول الجملة الختامية، بعد عرض المشكلة والمطالب المتصلة بها: "مولاي.. إن هذا الجيش المخلص لعرشكم المتفاني في الولاء لقائده الأعلى واثقٌ من عطفكم وعدلكم ووطنيتكم"

وفي منشورٍ آخر موجه إلى رئيس الأركان الفريق إبراهيم عطا الله في يوليو تموز عام ١٩٤٧، أراد الضباط زرع الشقاق بين الملك وبين الفريق عطا الله، بعد أن أحال الأخير بعض ضباط التنظيم السبق ذكره إلى المحاكمة وصوَّر نشاطهم على أنه تهديدٌ للعرش. ولذا يؤكد المنشور ولاء الضباط للعرش وللملك مع توجيه سهام النقد إلى رئيس الأركان باعتباره رمز الفساد في الجيش. كان المنشور يهدف إلى وضع الملك بين خيارين، إما اختيار ضباط الجيش الذين يعلنون ولاءهم له، أو رئيس الأركان الذي استطاع كشف بعض ضباط التنظيم وتقديمهم للمحاكمة

وأدى هذا المنشور إلى دفع الملك إلى اختيار الضباط، وتم حفظ القضية والإفراج عن الضباط المعتقلين



وفي منشورٍ ثالث في سبتمبر أيلول عام ١٩٤٧ يخاطب التنظيم الملك في العنوان كالتالي: "من ضباط الجيش إلى مولانا الملك". وفي الفقرة الافتتاحية يتحدث المنشور عن نفاد الصبر فيقول: "لقد فاض الكأس وطفح الكيل ولا نستطيع صبراً بعد الآن يا مولاي، تدارك الأمر بحكمتك وإلا كانت العاقبة وخيمة"
وفي سياق المنشور يخاطب الضباط الملك قائلين: "ولكن يا مولاي بإمكانك القضاء على كل هذا بالإصلاح والتحسين وإقصاء الفاسدين والمضلين من حاشية مولاي الذين يزيفون الحقائق ويضللون..."

يختتم المنشور بنداء استغاثةٍ بحكمة الملك: "مولاي إن الساعة خطيرة وتأذن بالانفجار، فتدارك الأمر يا مولاي بحكمتك السديدة..."

إلا أن فاروق لم يتدارك أخطاء نظامه وتجاهل نداءات الإصلاح من الداخل، وانتابته رغبة قوية في وأد نشاط الضباط الأحرار. وكانت الجولة الأولى في المواجهة في انتخابات نادي الضباط عام ١٩٥١، التي فاز فيها الضباط الأحرار وفشل مرشح الملك اللواء حسين سري عامر، ذو السمعة السيئة، ولم تفلح محاولات الملك في تأجيل الانتخابات، ولم يمتثل لها الضباط


وتلقى فاروق نبأ محاولة الضباط الأحرار اغتيال حسين سري عامر في يناير كانون ثانٍ عام ١٩٥٢- التي اشترك فيها جمال عبد الناصر وحسن إبراهيم وحسن التهامي وكمال الدين حسين - بفزعٍ بالغ وتوعد بالانتقام

وفي أعقاب صدور أمر حل مجلس إدارة نادي الضباط، ارتفع مؤشر نقمة الضباط على الملك الذي منعهم من دخول النادي. وقد أسهم العناد الملكي وخطواته العنيفة بالتبكير في القيام بثورة يوليو 1952

وفي ليلة الثورة كان الملك في حفلٍ ساهر أقامه في رأس التين احتفاءً بإسماعيل شيرين زوج شقيقته لتوليه وزارة الحربية، الذي عزم أن يروع به ما يسمي تنظيم الضباط الأحرار، ولكن ما حدث كان العكس تماماً لينتهي فاروق والملكية من مصر

أما ما ظهر في المسلسل عن حرب 1948 فحدث ولا حرج





فقد ساير المسلسل ما كانت تنشره الصحف المصرية من رواياتٍ خيالية عن بطولات جيوش التحرير العربية في فلسطين، وفي الوقت نفسه تقلل من أهمية القوات اليهودية


أما الجيش المصري، الذي احتارت السراي والحكومة بشأن قرار مشاركته في تلك الحرب، فإن هذا الجيش لم يكن ببساطة مستعداً ولا جاهزاً لخوض لحرب


يكفي أن نشير إلى أن هذا الجيش المصري لم يقم بمناورةٍ واحدة من عام 1931 إلى عام 1948


وكان الجيش في تلك الأيام موزعاً بين الاحتفالات، كسفر كسوة المحمل أو المولد النبوي، وبين أعمال الوزارات العادية. وزارة المالية مثلاً كانت تستعير من الجيش فرقة للحراسة، ووزارة الصحة تستعير بعض أفراد إحدى الفرق لمقاومة الفيضانات، ووزارة الصحة تستعير بعض فرق الجيش لمكافحة الجراد، ووزارة الصحة كانت تستعير فرقاً من الجيش: في الحرب ضد الأوبئة مثل الكوليرا.. ووزارة الداخلية كانت تستعير بعض فرق الجيش لحفظ النظام وقمع المظاهرات


هكذا تحول الجيش إلى أداةٍ مدنية، وكاد يفقد تماماً الروح العسكرية

ويقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في يومياته عن حرب فلسطين إن محمود فهمي النقراشي أبلغ اللواء أحمد محمد المواوي أول قائد مصري لحملة فلسطين بأن موقف مصر بين الدول العربية يحتم عليها الدخول، وأنه يعتقد أن حرب فلسطين سوف تسوى سياسياً بسرعة، وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل، وأن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية، وليست عملاً حربياً

وصباح يوم دخول مصر حرب فلسطين، حملت الصحف المصرية مانشيتات تقول:


"الطائرات المصرية فوق تل أبيب والمستعمرات اليهودية"
"إلقاء منشورات بطلب تسليم اليهود في ظرف ساعة"
"دخلت الجيوش العربية فلسطين"

ولكن سرعان ما ظهرت الحقيقة..واتضحت معالم الهزيمة

وكان هذا اليوم هو يوم الإشاعات في القاهرة

فقد أشيع أن الإسكندرية وقعت فيها حوادث، وأن داوود عدس صاحب محال عدس الشهيرة قد قُِتلَ وأن محله نُهِبَ، وأن الفريق حيدر باشا سافر إلى الحدود.. في حين أنه كان في اجتماع عسكري

وأشيع أيضا أنه جرى نسف الأزهر الشريف بالديناميت

وظهرت إشاعات أخرى عن ذبح ثلاث حاخامات في مذبح القاهرة، وإشاعةٌ عن قتل 250 يهودياً في ميدان الملكة فريدة

وكانت الصحف المصرية في ذلك اليوم تحمل خبر إعلان قيام دولة إسرائيل، واعتراف الولايات المتحدة بها

وعاش أهل القاهرة في حيرة..لم يكن أحد يعرف ماذا يحدث في فلسطين

وتاهت الحقيقة في طوفان البرقيات والإشاعات والخطب الحماسية، في حين كانت هناك دماء تسيل على أرض فلسطين.. في اليوم نفسه


ولقد أخطأ صانعو المسلسل بالقول إن أحمد عبد العزيز قائد قوات المتطوعين في حرب فلسطين قُتِلَ في الفالوجة، وهو الذي قضى نحبه في عمليةٍ طائشةٍ في منطقة عراق المنشية

في 22 أغسطس آب عام 1948، دُعي أحمد عبد العزيز لحضور اجتماعٍ في دار القنصلية البريطانية بالقدس لبحث خرق اليهود للهدنة. وفي مساء اليوم نفسه توجه أحمد عبد العزيز بصحبة اليوزباشي صلاح سالم -أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد- إلى مقر قيادة القوات المصرية في المجدل؛ لينقل إلى قادته ما دار في الاجتماع. وكانت منطقة عراق المنشية مستهدفةً من مسلحين يهود يستغلون ظلام الليل للهجوم عليها، فكانت ترابط بها كتيبةٌ عسكرية لديها أوامر بضرب كل عربة تمر في ظلام الليل. فلما اقتربت سيارة أحمد عبد العزيز من تلك المنطقة ظنها أحد الحراس من سيارات العدو، فأطلق عليها الرصاص، فأصابت إحداها أحمد عبد العزيز فلقي حتفه في الحال

واليوم، يوجد نصبه التذكاري الشامخ في مقبرة قبة راحيل شمال بيت لحم

ولنفتح معاً باب المال والاقتصاد، الذي يرتبط للأسف في كثير من الأحيان بفساد الذمم

وللأمانة، لا بد من القول إن النظام في العهد الملكي لم يكن حر التصرف ولا مطلق اليد في ثروات البلاد.. وكل هذه الثروات كانت ملكاً لأفراد ولا أحد يستطيع أن يمد يده عليها.. لذلك كان الاقتصاد المصري أقوى من الآن بمراحل رغم الاحتلال والسراي والفساد..وكان الجنيه المصري أعلى سعراً من (الجنيه الذهب)..وكان الجنيه الذهب يساوي (٩٧.٥ قرش صاغ مصري)..والثورة استلمت البلاد والجنيه المصري أقوى من الاسترليني والدولار والريال والمارك الألماني والين الياباني.. وحتى بداية السبعينيات من القرن الماضي، كان الدولار بـ(٣٥ قرشاً مصرياً) والريال السعودي بعشرين قرشاً

لقد أشار المسلسل إلى أن الملك فاروق عاش أكثر من ضائقةٍ مالية، حتى إنه طلب قبل زواجه من ناريمان أن تمنحه الوزارة نصف مخصصاته الملكية مقدماً..لكن المسلسل أغفل السفه والتبذير في حياة الملك الذي خسر ماله في صالات القمار وأهدر أموال وطنه مع رفاق السوء

وفي العدد الصادر من مجلة "المصور" في 5 ديسمبر كانون أول عام 1952 نطالع قوائم دقيقة لثروة فاروق الحقيقية. ففي مجال الأطيان والأرض الزراعية تبين أن مجموعها 24 ألفاً و73 فداناً و16 قيراطاً، وكان لفاروق دخل آخر يحصل عليه من ريع الأوقاف يقدر بحوالي مليون و365 ألف جنيه..وهذا بخلاف دخلٍ سنوي كبير يقدر بحوالي 300 ألف جنيه يستولي عليه بصفته ناظراً على عددٍ من أوقافٍ أخرى يبلغ عددها 14 وقفاً

أما دخل فاروق من الأسهم التي كان يملكها في الشركات فيبلغ ثلاثة ملايين و398 ألفاً و145 جنيهاً. وكان فاروق يملك 71 سيارة خاصة به غير السيارات الملكية "الحمراء" والسيارات المخصصة لرجال الحاشية والقصر، ومن هذه السيارات الخاصة بالملك السابق سيارات كاديلاك ومرسيدس ويوبكي وأوستني ورينو وكورد وفيات ولنكولن وفورد وشيفروليه وجيب ليموزين وتوربين للسباق. أما اليخوت واللنشات فيبلغ عددها عشرين قطعة، قدر ثمنها بحوالي 58 ألف جنيه

وهناك ممتلكات أخرى تتمثل في الأثاثات التي ملأت قصري الطاهرة والبستان واستراحات وادي الرشراش والغردقة والمعمورة

ولعله من المناسب هنا أن نقول إن هواية الاقتناء سلبت لب فاروق، حيث حرص على امتلاك مجموعات من التحف التي تعددت أنواعها: العملة وبخاصة الذهبية، طوابع البريد، ورق اللعب، أدوات لعب القمار، الأصداف، اللوحات، التماثيل، الآثار، علب السجائر، الولاعات، النياشين، الساعات، الأسلحة، الكتب، النباتات وشمل بعضها الحشيش والأفيون، الحشرات غير المألوفة، رؤوس الغزلان، الحيوانات النادرة، الفصائل الأصلية من الكلاب والخيول، السيارات الحمراء - هذا اللون اختص بالملك وحده - وكان من أهم ما حُبب لنفسه اقتناء المجوهرات ويأتي بعدها الذهب، وقد برع في فهم تلك المقتنيات بأنواعها وأشكالها المختلفة

ومع ذلك، كان فاروق مصاباً بداء الكليبتومانيا، أي هوس السرقة والولع بها

كان فاروق الأول مغرماً باختلاس ما خف حمله وغلا ثمنه من ساعاتٍ وولاعات ذهبية‏.‏ وعُرِفَ عنه أن يده خفيفة يدسها في حقائب يد السيدات لينشل ما فيها في لمح البصر‏,‏ وهو واثق من أن السيدة الضحية لن تجرؤ على اتهامه بالسرقة‏,‏ فتسكت‏,‏ وتسلم أمرها إلى الله‏.‏ وكان كبراء البلاد يعرفون هذا الداء عن فاروق‏,‏ فإذا علموا برغبته في زيارتهم‏,‏ أسرعوا بإخفاء التحف الثمينة حتى لا تقع عيناه عليها فينقلها إلى حوزته

أما أبشع سرقات فاروق‏,‏ فهي تلك التي يرويها الصحفي مصطفى أمين وكذلك كريم ثابت في مذكراته ("مذكرات كريم ثابت: فاروق كما عرفته.. ملك النهاية"، دار الشروق، 2000..و"مذكرات كريم ثابت: نهاية الملكية: عشر سنوات مع فاروق: 1942-1952"، دار الشروق، 2000) عن سرقة فاروق الأول أغلى متعلقات أخته الإمبراطورة فوزية، عندما جاءت إلى مصر بعد رحلة انفصالها عن شاه إيران




هذه هي فوزية التي أظهر المسلسل مدى حب فاروق الشديد لها

ولن نفتح باب الحديث عن فاروق الذي قالت عنه مجلة "تايم" الأميركية في عددها الصادر بتاريخ 24 فبراير شباط عام 1941 إنه كان يجوب شوارع القاهرة ليلاً بواحدة من سياراته الحمراء والخضراء، إذ كان لديه 15 سيارة "باكارد" و10 سيارات "رولز رويس"

لم يهتم المسلسل بتوضيح دور مستشاره المالي إلياس أندراوس في منح الألقاب والرتب بمقابل مادي، ولا طبيعة عمل المجموعة الإيطالية بقيادة سكرتيره الخاص أنطون بوللي في لعب دور القوادة وجلب النساء لمشاركة فاروق في سهراته، ومنهن كاميليا اليهودية وآني بيريه الفرنسية وسامية جمال المصرية

وتدور حكايات متضاربة عن علاقة الملك فاروق بالممثلة ليليان ليفي كوهين فيكتور -التي اشتهرت باسم كاميليا- بعد أن شاهدها عام 1946 في إحدى الحفلات بكازينو "حليمة بالاس" فأعجب بها وارتبط معها بعلاقة عاطفية. ومع تقاربهما طلب منها الملك أن يلتقيا في قبرص بعيداً عن الأنظار. بل إن فاروق أمر - كما تقول القصة- بإخلاء شاليه أحد وزرائه وإسكانها فيه أواخر عام 1947

وتقول بعض الشهادات إن فاروق يزورها في هذا الشاليه أثناء حرب فلسطين دون أن يُعْلِم أحداً بهذا، وبعد الهزيمة ثارت الدنيا عليه وصارحه رئيس وزرائه محمود فهمي النقراشي بأن كثيراً من النساء اللاتي يلتقي بهن يعملن كجواسيس وينقلن من الأسرار ما يضر بسلامة الوطن، وثار الملك فاروق عليه. لكن كاميليا لقيت مصرعها في 31 أغسطس آب عام 1950 في حادث تحطم طائرة سقطت في مدينة الدلنجات بمحافظة البحيرة، وكانت في رحلةٍ متجهة إلى سويسرا

ويحكي رشاد كامل في كتابه "البحث عن السلام بالجنس: اليهودي الغامض في القاهرة " (دار الخيال، 1996) عن تفاصيل موثقة وجديدة تروي حكاية اليهودية الحسناء الغامضة إيرين مع الملك فاروق.ولم يركز المسلسل على دور مستشاره الصحفي كريم ثابت، والأميرة شويكار الزوجة الأولى للملك فؤاد، والتي أفسدت فاروق من حيث علاقاته النسائية، التي كان يتخذها سبيلاً للتسلية والمباهاة أكثر منها أداة لتحقيق رغباتٍ جسدية

وما دمنا قد دخلنا هذه المياه المحظورة التي أغفلها المسلسل، فإن الأمر يستحق أن نذكر تفاصيل مذهلة عن غراميات الملك: الصورة..والحقيقة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

32 التعليقات على "الملك فاروق (2): لحية الخليفة..وسياراته"

أكتب تعليقا