أنور السادات ممثلاً (1): أمير الجزيرة

| |




الجميع يعرف أن أنور السادات كان رئيساً لمصر..والبعض قرأ أن السادات عمل لفترة حمّالاً وسائقاً..وربما سمعت أن السادات عمل في بلاط صاحبة الجلالة "الصحافة"..لكن أشخاصاً قليلين للغاية عرفوا أو قرأوا أو حتى سمعوا أن السادات كان أديباً وقاصاً عشق الفن إلى حد التمثيل.

على أن القصة التي كتبها السادات وفيها عناصر القصة مكتملة، هي ذلك العمل الأدبي الذي كتبه بعنوان "ليلة خسرها الشيطان" ونشرتها له مجلة "أهل الفن" في 12 أبريل نيسان عام 1945 وهو بالمناسبة عام كثرت فيه كتابات السادات السياسية والأدبية.

وقد تكون الفكرة التي دارت حولها القصة غير جديدة، إلا أن أسلوبها ليس قديماً أو موغلاً في السرد والوعظ الممل من خلال الشرح أو التقرير. رأى السادات في فن القصة منذ وقتٍ مبكر فرصة للتعبير حتى أنه كتب عدة قصص قصيرة لا نعرف مصيرها الآن .. وربما يكون الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل هو الوحيد الذي يعرف مصير أعمال السادات الأدبية إذ قال في حوارٍ له في مجلة "روز اليوسف" الصادرة بتاريخ الأول من مايو أيار عام 1995 ما نصه: "ثم قابلت السادات في مقر الفرقة الأولى مشاة في رفح ..وقضيت يوماً كاملاً معه – إذ أصر على دعوتي للغداء. ويومها عرض عليّ كتاباته لأرى ما إذا كان يمكن نشرها في مجلة "آخر ساعة" التي كنت أرأس تحريرها في ذلك الوقت، وهي مجموعة من القصص القصيرة تملأ دفتراً كبيراً مكتوبة كلها بخطه. ثم قدم لي روايةً طويلة عنوانها "أمير الجزيرة" مازلت أحتفظ بها حتى الآن بعد حوالي 45 سنة".


ترى ..هل يكشف هيكل يوماً الوجه الآخر من "القاص" أنور السادات، لنعرف ما كتبه في روايته "أمير الجزيرة"؟ ربما

على أن ما نعرفه عن "أمير الجزيرة" التي لم تنشر بعد أن أحداثها تدور في إحدى الجزر حول أمير يعيش محاطاً بالأعداء بمن فيهم المستشارون الغادرون الذين عكفوا على تدبير المؤامرات ضد "الأمير" ولكنه كان أكثر سياسةً وبراعة منهم .. فقد كان مدركاً لما يدبرونه ضده فينجح في النهاية في إحباط المؤمرات ويتوج سلطاناً للجزيرة.

ولا أحد يدري هل كان السادات يكتب هذه الرواية وهو يستقريء مستقبله السياسي أم أن أحلامه كانت تتحول إلى كلمات أدبية في صورة رواية طويلة.
نجد أن أعلى درجات التعبير عن الذات لدى الرئيس السادات كانت تتجلى في حالة الخطابة المرتجلة ..فالخطابة عنده كانت الفرصة المواتية لطرح "ذات" السادات حجم تجاربه الواقعة. فرصة للتعبير عن الأديب الذي بداخله وتعريف جمهوره من المستمعين أو المشاهدين بهذا الأديب الذي يختفي خلف صورته كرئيس للجمهورية.


ومن ملامح خطاب السادات حبه لترديد التعبيرات الشعبية الصميمة مثل "الفرن" والقاعة و"المصطبة"، بل إن السادات اختار لنفسه "لزمة" النفس المتقطع والمسافات الصامتة، أو ما نعرف نحن في أحاديثه بلزمة "آه .. آ .. آ" التي يؤكد الكثيرون أنها لم تكن لعلةٍ أو لمرضٍ، وإنما هي أسلوبه الخاص في الحديث.

أما التمثيل فله مع السادات أكثر من حكاية..ففي كتابه "البحث عن الذات" يحكي لنا السادات تفاصيل أول مرةٍ دخل فيها السينما في حياته، فيقول له: "كان ذلك يوماً عصيباً..فقد شاهدت قطار سكة حديد قادماً من أقصى الشاشة ومندفعاً بسرعة مذهلةٍ نحوي..ماذا أفعل؟ أغمضت عيني ورجعت بجسدي إلى الوراء..ولكن صوت القطار ما زال يدور في أذني، ففيم الانتظار. قمت لتوي من مقعدي، وبسرعةٍ رحت أخترق الصفوف مهرولاً في طلب النجاة. ولفت نظري أن الناس كلها قابعةٌ في مقاعدها وكأن شيئاً لم يحدث. هذا شأنهم، قلت في نفسي..ولكن بمجرد أن بلغت نهاية الصف وعيناي قد تسمرتا على الشاشة لم أجد القطار.. وجدت بدلاً منه رجلاً وامرأة يتناولان الطعام في مقهى صغير، فاخترقت الصف مرة أخرى وعدت إلى مقعدي..أراقب أحداث الفيلم في هدوءٍ كما يفعل الآخرون".

كانت للتجربة مفعول السحر على السادات، حتى أنه يضيف قائلاً: "كم انبهرت ذلك اليوم بما رأيت..وكان من نتيجة انبهاري أن حجزت تذكرة الحفلة التالية من الساعة الثالثة إلى السادسة بعد الظهر..وتسمرت في مقعدي لأشاهد القطار العجيب مرةً أخرى".

وبعد ذلك بحوالي عشرين عاماً، وبالتحديد عشية ثورة 23 يوليو تموز عام 1952، كان السادات حريصاً على اصطحاب زوجته الثانية جيهان إلى السينما لمشاهدة فيلم أعجبه. وعندما عاد إلى المنزل حوالي الساعة الواحدة ليلاً، علم من حارس العقار أن جمال عبد الناصر ذهب يسأل عنه مرتين، فأسرع نحو قيادة الجيش بالعباسية، حيث كان كل شيء قد تم وسيطر الضباط الأحرار على مقاليد الأمور.

وبحكم حبه للخطابة والتمثيل، بدا طبيعياً أن نعرف أنه في السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليو 1952 كان البكباشي محمد أنور السادات يلقي البيان الأول للثورة عقب احتلال مبنى الإذاعة المصرية.

قيل الكثير حول رغبة أنور السادات في شبابه في دخول مجال التمثيل، لحد أن د. غالي شكري يقول في كتابه "الثورة المضادة في مصر" (بيروت، 1978): "لم يكن السادات يعشق السينما فقط..وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها..ومنذ فجر شبابه وهو يحلم بالوقوف أمام كاميرات السينما".


ومع أنه لم يصبح ممثلاً، فإنه ظل أسيراً لهوايته، حتى عندما احترف السياسة، وهذا رأيٌ يجمع عليه الكثير من أنصاره وخصومه...بل وباعترافه الشخصي. حتى المراقبين الأجانب قد لاحظوا عليه ميله الفطري للتمثيل، فتصفه دورين كايز مراسلة إحدى شبكات التليفزيون الأمريكية، فتقول:"...إن موهبة السادات في التمثيل كانت موهبة فطرية، وكانت تقوده إلى نوعٍ من الأداء المأساوي- الكوميدي" ) عادل حمودة، "كيف يسخر المصريون من حكامهم"، القاهرة، 1992).

لكن الأهم من ذلك كله هو ما أورده السادات نفسه في مقالٍ نشرته جريدة "الجمهورية" بتاريخ 28 نوفمبر تشرين ثانٍ عام 1955 إذ قال: "منذ فجر شبابي وأنا أحس بميلٍ شديد للفن والفنانين وخاصةً التمثيل، ولي في هذا المجال قصصٌ كثيرة".

أبرز هذه القصص كما يرويها السادات أنه انضم إلى فرقة تمثيلية في مدرسة "رقي المعارف" الثانوية في أوائل سنة 1936، وذلك بعد أن أدى الامتحان أمام المشرف، وكان ممثلاً محترفاً. ويقول السادات إن هذا المشرف جاء بروايتين، إحداهما درامية والأخرى فكاهية، وإنه "أعطاني دورين أحدهما في الدراما وكان اسمي فيه "جيروم"، والآخر في الرواية الكوميدية وكنت أمثل فيها دور مأذون اسمه "الشيخ عزيز". وما زلت أحتفظ إلى اليوم "بالبروجرام" الذي طبع لهذه الحفلة وعليه صورتي كما ترى الآن في كافة "البروجرامات" التي تطبعها الفرق التمثيلية".

لكن قصة السادات مع التمثيل لم تنته عند هذا الحد، فقد قرأ ذات يومٍ إعلاناً تطلب فيه الفنانة أمينة محمد وجوهاً جديدة لفيلمها "تيتا وونج" الذي كانت تزمع تقديمه. ويكمل السادات قائلاً: "أذكر أنني توجهت إلى مقر الشركة في عمارةٍ بشارع إبراهيم باشا، حيث جاءت الفنانة أمينة محمد واستعرضتنا جيئةً وذهاباً، وكنا أكثر من عشرين شاباً، انتقت منا اثنين وطلبت من الباقين ان يرسلوا لها بصورتين إحداهما "فاس" والثانية "بروفيل"، ولم يكن هذا المطلب إلا زحولة".

لكن مجلة "فصول" الموجودة في دار الكتب تكشف جانباً آخر لم يتحدث عنه السادات، إذ تقول المجلة في عددها الصادر في أول مايو أيار عام 1935(بالمناسبة، أنتِجَ الفيلم بعد ذلك بعامين): "وصلتنا ردود عديدة اخترنا من بينها أصحاب الصور التي يراها القراء على هذه الصفحة وتحت كل صورةٍ مؤهلات صاحبها ومميزاته كما جاءت في خطابه. أنور السادات أفندي، كوبري القبة، شارع أبي وصيف رقم 4..ويقول في خطابه: "أنا شابٌ متقدم للبكالوريا هذا العام، طويل. وسطي رفيع جداً، وصدري مناسب، وسيقاني قوية مناسبة. لوني ليس كما في الصورة لأنني أغمق من الصورة قليلاً. والآن أصف لكم الجزء العملي: أنا متحكمٌ في صوتي بمعنى الكلمة، فتارةً تجدني أقلد صوت يوسف وهبي، وتارةً تجدني أقلد صوت أم كلثوم، وهذه خاصة أظنها نادرة".

ويواصل السادات وصف نفسه وفق ما نشرته مجلة "فصول"، فيقول: "لي أذنٌ موسيقية محضة وفي قوة أحكم بها على الموسيقى. لي ذوقٌ سليم في الحكم على إخراج الروايات وعلى مواضيعها. لي شعرٌ أسود ومجعد ولكنه خشن. وبقية أعضاء وجهي كما في الصورة المرسلة طيه"!
هكذا وصف السادات نفسه بالتفصيل على أمل ان يصبح ممثلاً وربما نجماً سينمائياً، لكن مجلة "روز اليوسف" نشرت خبر سقوط السادات أمام لجنة التحكيم في امتحان التمثيل.

وإذا كان الناقد والمؤرخ الفني حسن إمام عمر قد ذكر ذات مرةٍ أنه اشترك مع السادات في التمثيل في المدرسة، فإن هناك شاهداً آخر على تمثيلية نادرة كان بطلها السادات. هذا الشاهد هو الكاتب الصحفي أنيس منصور الذي روى مرتين ( الأولى في مجلة "أكتوبر" المصرية بتاريخ 19 يونيو حزيران عام 1994، والثانية في جريدة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن بتاريخ 24 نوفمبر تشرين ثانٍ عام 2005) واقعة حوارٍ مسرحي كان السادات بطله، وقد تولى تصوير هذه "المسرحية" المصور التليفزيوني محمد جوهر. يقول أنيس منصور:
"سمعت من الرئيس السادات أنه كان يتمنى أن يكون فناناً، وعرفت من زملائه في الدراسة أنه كان ضمن فريق التمثيل في المدرسة، وسمعت من الرئيس السادات أيضاً أنه أخطأ الطريق إلى أمله، وهو أن يكون ممثلاً أو مطرباً، وقد سمعت السادات يغني وسمعته أيضاً يرتل القرآن الكريم، فلديه إحساسٌ بأن صوته جميل النبرات.

"وفي يوم جاء مذيع أميركي اسمه جورداش، وأجرى حواراً مع السادات وفجأة قال له: ما رأيك يا سيادة الرئيس لو أننا قمنا بتمثيلية معاً، أنا أقوم بدور السادات وأنت تقوم بدور مناحم بيغن، وأشار لي أن أقوم بدور ياسر عرفات وأن يكون هذا التمثيل مرتجلاً.

"وتكلم السادات بلسان بيغن مهاجماً السادات والعرب، ثم طلب أن يعود على نفسه وأن يرد على كل الذي قاله على لسان بيغن، وضحك السادات وإذا به يهاجم بيغن بعنف، ويؤكد لبيغن أن مثل هذا التفكير العتيق لن يحقق السلام بين إسرائيل والعرب؟!

ويضيف أنيس منصور قائلاً: "ويبدو أن قيامي بدور ياسر عرفات كان ضعيفاً، فقال المذيع: أنا سوف أقوم بدور عرفات على أن يتولى الرئيس السادات الرد على ما يقوله عرفات، وقال السادات كلاماً معناه أن عرفات موهوبٌ في إضاعة الفرص، وأن موهبته كما وصفها الدبلوماسي الشهير أبا أيبان: أنه لم يترك فرصة لإضاعة أية فرصة!

ويقول أنيس منصور: "ثم عاد الممثل أنور السادات يقوم بدور بيغن متوجهاً بالحديث والنقد اللاذع إلى عرفات. قال الممثل أنور السادات: اسمع يا "مستر" عرفات، إن عندنا أحزاباً كثيرة متشددة وهي لا تطيق أن تسمع اسمك وترى وجهك..وخيرٌ لكم أن تقبلوا أي شيء أحسن من اليأس التام في حل قضيتكم. وإذا كان الفلسطينيون قد اختاروك رئيساً لهم فلن يقبلوا ذلك طويلاً إذا كان السير وراءك لا يقدم ولا يؤخر..فأنا أقترح عليك حلولاً مؤقتة وبعد ذلك حلولاً جزئية، ثم تصفية تامة للحسابات الطويلة بيننا..ولكن حتى لا تدخل في صراعات لا معنى لها، نحن لا نوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة أبداً، ونحن لا نوافق على أن يكون في هذه الدولة جيشٌ من أي حجم..وإذا كانت لك رغبةٌ في أن تكون أكبر فادخل مع الأردن في اتحاد فيدرالي، وفي هذه الحالة لن نسمح مطلقاً بجيشٍ أردني يهددنا..وسوف نحارب هذه الفكرة إلى الأبد".
"وصرخ المذيع الأميركي جورادش: عظيم يا "مستر" بيغن عظيم..والآن نريد تعليقاً من الرئيس المصري أنور السادات. وفجأة اعتدل أنور السادات، وأشعل "البايب" وقال: بلاش كلام فارغ أنت وهو، تعالوا نجلس معاً ونتكلم ونتناقش ونتفاوض أملاً في الوصول اليوم أو غداً إلى حل..لا بد أن يكون حلاً..والحل هو السلام القائم على العدل..ولكن قبل تحقيق السلام لا بد من الحوار معاً..كفى انهض..وجعت دماغي!

"وباعتباري المتفرج الوحيد، أشهد أن السادات كان ممثلاً بارعاً!"

"وبعد نهاية التمثيلية المرتجلة قال لي جورداش: مصيبةٌ كبرى أن يحكمنا هؤلاء الناس الذين هم أقدر على التمثيل من الممثلين أنفسهم!

"ونقلت رأي جورداش إلى الرئيس فقال لي: هات ميكروفوناً وضعه أمام أي إنسان سوف يفتح فمه، فإن كان أمامه شخصٌ واحد فسوف يتحدث إليه، وإن كان أمامه عشرةٌ فسوف يحاورهم، وإن كانوا ألفاً فسوف يخطب فيهم.. هذا قدرنا!

وقدرنا نحن أيضاً.

ولنا أن نتساءل عن مصير هذا الشريط المسجل، وهل يمكن أن نشاهده يوماً، أو حتى نستمع إليه؟!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "أنور السادات ممثلاً (1): أمير الجزيرة"

أكتب تعليقا