معركة العصا والمطرقة (2): مذبحة القضاء

| |



كلاهما يحاول السيطرة على الآخر: القضاء والدولة.

إنها معركة تسييس القضاء..

ليست وليدة فقط بل إنها معركةٌ تدور رحاها منذ سنوات طويلة..فقط تتغير المقاعد وتتبدل الأدوار ..الدولة تريد أن يسير القضاء على خطها السياسي وأن تلبي أحكام ومواقف القضاء أجندتها ورغبتها في إدارة المجتمع بطريقة معينة.

والقضاء لا يسكت..يحاول الحفاظ على استقلاله، لكنه أيضا يدخل غمار السياسة من أوسع أبوابها.

وفي وقتٍ كان القضاء يطلب فيه الحرية للمواطنين ويدافع عن حقوقهم السياسية (كان هذا في 1968) أيضاً، نجد أشخاصاً في مواقع قضائية لا يخفون منطقهم ومنهجهم السياسي.. ويسهمون بدورٍ مهم في إدارة المجتمع إلى وجهة سياسية بعينها. كذلك استخدمت قوى سياسية القضاء جسراً لدس أفكار أو وصم أفكار أو دعم رؤى سياسية بعينها، باتت تصدر أحكام قضائية لتسهم في إسباغ الشرعية والمصداقية عليها.
إذاً هناك اندفاع شرس نحو تسييس القضاء.

الكل يمارسه ويفعله.

وهكذا قد يدفع ويندفع أي طرف لاتخاذ خطوة الوصول إلى الحافة.

فالكل يحاول أن ينتصر لتوجهه السياسي!

حصلت قبل ذلك: عام 1969 وما أطلق عليه وقتها "الإصلاح القضائي" وأطلق عليه بعدها "مذبحة القضاء".


والحاصل أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر رأى قضاة يدخلون في السياسة ويتدخلون في الدولة بما لا يريده هو ولا سياسة الدولة آنذاك. وكان من رأي عبد الناصر أنه يجب على القضاة الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، فقد قال ما نصه: "رأيي في الحقيقة أن القضاة لازم يشتركوا في العمل القومي طالما أنا مابقولش الاتحاد الاشتراكي حزب، لأنه لا يمثل طبقة أو فئة أو مصلحة، هو في الحقيقة هو تحالف قوى الشعب كلها فإذا الحقيقة يجب أن يكون موجود".

وفي أحد محاضر اجتماعات عبد الناصر السرية بعد بيان 30 مارس آذار عام 1968 التي نشرها عبد المجيد فريد، ردد عبد الناصر عبارات من عينة: "أما عما أثير من بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي عن الموقف الرجعي لبعض رجال القضاء فهو أمر صحيح لأن القضاء بوجه عام يقف ضد خطواتنا الثورية، وللأسف هناك عناصر عديدة من رجال القضاء ممن طبق عليهم القوانين الاشتراكية".. و"حدث "لعب سياسي" بين بعض رجال القضاء في العامين الماضيين ولم أفطن له إلا أخيراً.. هناك عناصر معينة تتصل ببعض رجال القضاء لتدفعهم في طريق معاكس لخط الثورة.. إننا على علم بهم، ولكنني لا أرغب أن أحسم الأمور بواسطة الاعتقالات إلا إذا أرغمت على هذا الإجراء تحت ظروف غير عادية".

وتدخل علي صبري - الأمين العام للاتحاد الاشتراكي - فأعلن رأي النظام الصريح من خلال تسع مقالات يومية نشرها في جريدة "الجمهورية" في المدة من 18 إلي 26 مارس 1967 انتقد فيها مبدأ الفصل بين السلطات، وشرح معنى أن السلطة كلها باتت للشعب، وأن القانون والقضاء ينبغي أن يحرص على مصالح الطبقة العاملة، وأن القضاة معزولون عن الشعب فكرياً وسياسياً، وعليهم أن يندمجوا في الفكر الجديد لأنهم يفسرون القانون تفسيراً رجعياً، يحمي الطبقات المستغلة لعرق الشعب، ولابد أن يشترك القضاة في النضال السياسي، لأن ابتعادهم عنه ضارٌ بالوطن، فهم قد يحكمون بالبراءة مثلاً لمجرد بطلان التفتيش.


اشمأزت نفوس القضاة من أعضاء التنظيم السري للاتحاد الاشتراكي وما أشيع عن كتابتهم للتقارير والوشايات، ورفضوا أهدافهم المعلنة وعبروا عن مشاعرهم لوزير العدل عصام الدين حسونة الذي أورد في كتابه "شهادتي"، أنه نقل إلى الرئيس عبد الناصر مشاعر القضاة فقال: "إن شعراوي جمعة قد شكل تنظيماً سرياً من ضباط الشرطة المؤمنين بالثورة، وكذلك فعل شمس بدران في القوات المسلحة، فلماذا لا نفعل في القضاء"!

أما القضاة فقد قدموا بياناً في 28 مارس 1968 نقلهم من منصات القضاء إلى منابر السياسة.

من هنا وصلت الأمور إلى حافة الأزمة..ثم الأزمة..فأطاح عبد الناصر بالعناصر الموجودة في القضاء المناوئة له والرافضة لسياسته أو الراغبة في فرض سياستها عليه.

وبصرف النظر عمن كان منهم يملك الحق "السياسي"، فإن الأزمة حدثت لأن كليهما تجاوز الخط الفاصل.
وظل هذا الوضع مرشحاً للتكرار دائماً، فهل يمكن أن تتكرر مذبحة القضاء؟

ليكن معلوماً أن أحداً لا يريد مذبحة ولا يشجعها ولا يرتضيها ولن يسكت عليها.. لكننا نخشى أن نقول إن البعض ينتظرها.


ولكن تعالوا نعرف ماذا جرى في مذبحة القضاء الأولى، التي نرجو أن تكون الأخيرة.

في 31 أغسطس 1969 أُعلِنَ عن قانون إصلاح القضاء في مصر، أو ما عرف فيما بعد باسم "مذبحة القضاء".. إذ صدرت ثلاثة قوانين حُلت بموجبها الهيئات القضائية وأعيد تشكيلها من جديد بعد إسقاط نحو 200 من أعضاء هذه الهيئات. وقتها أُعفِيَ جميع القضاة مصر من مناصبهم ثم أُعيدَ تعيينهم بعد أن استبعد عددٌ من أبرز القضاة والمستشارين وأعضاء النيابة..على رأسهم قاضي قضاة مصر آنذاك، أي رئيس محكمة الإبرام المستشار عادل يونس، نتيجة مواقف وطنية لم ترض عنها السلطة التنفيذية، وخاصة إصدار بيان 28 مارس سنة 1968 قبل بيان عبد الناصر ب48 ساعة فقط، الذي جاء كرد فعلٍ من جانب القضاة على ما كانت تشهده مصر في أعقاب حرب يونيو حزيران عام 1967، وحالة الإحباط التي كانت تسود المجتمع المصري بمختلف فئاته وطبقاته.

إن تحرك القضاة يوم 28 مارس عام 1968 سبق إذاً بيان 30 مارس الذي أعلنه آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر والذي يعد الخطوة الأولى نحو تفكيك النظام الشمولي في مصر.


في ذلك التاريخ اجتمعت الجمعية العمومية لنادي القضاة في القاهرة برئاسة رئيس النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار عادل يونس، وانتهت إلى أن ما أُخِذَ بالقوة في يونيو حزيران عام 1967 لا يُسترَدُ إلا بالقوة، وأن أهم أسباب القوة احترام حقوق الإنسان وحريته وكرامته، وإلا إذا ساد القانون على الحكم والمحكوم بإعلاء مبدأ سيادة القانون وعدم المساس بالسلطة القضائية واحترام حريات الناس وحقوقهم، إلا بحكم يصدر من القاضي الطبيعي.

وبعد ذلك بخمسة أشهر وقعت مذبحة القضاة.


جاء البيان المذكور ليرسم ملامح واضحة وخطوات محددة لكي تخرج مصر من معاناتها وتجمع شتات نفسها.. وربما كانت محاولة القضاة هذه المرة وضع "روشتة" محددة لعلاج جسم المريض، وهو مصر في هذه الحالة – هو ما استفز أهل السياسة والمسؤولين عنها آنذاك.. فجرى التخطيط بين هؤلاء الساسة ووزير العدل آنذاك محمد أبو نصير إلى جانب عدد من المستشارين ورجال القانون الجاهزين للقوانين "التفصيل".. حتى وقعت المذبحة تحت ستار إصلاح القضاء في مصر.

يومها هلل الكثيرون لما حدث ونشرت الصحف القومية مقالات تشيد بهذه الخطوة.

وعقب مذبحة القضاء رفض عدد من رجال القضاء الاستمرار في أداء مهامهم رغم عدم إبعادهم فقدم البعض استقالة صامتة.. والبعض الآخر عندما صدر قرار بعودته مع العائدين رفض العودة لأن بقية زملائه استبعدوا دون سبب وجيه. وهكذا قدم أحمد الديواني رئيس المحكمة والمدير الفني لمكتب رئيس النقض استقالته الصامتة بمجرد وقوع مذبحة القضاء..أما المستشار عبد الوهاب أبو سريع الذي عاد بعد أن صدر قرار إعادة تعيين القضاة فقدم استقالته إلى وزير العدل. جاء فيها "تلقيت إخطاراً بصدور قرار جمهوري يتضمن تعييني مستشاراً بمحكمة استئناف القاهرة..ورغم ترحيبي بمبدأ إعادة تعيين رجال القضاء الذين أحيلوا للمعاش، فإنني أجد نفسي عاجزاً عن قبول إعادة تعييني بعد أن اقتصرت إعادة التعيين على عدد محدد من القضاة.. لست أجد في نفسي القدرة على القضاء يا سيادة الوزير، حيث يُنحَى عن منصب القضاء من لاشك في نزاهته وكفايته ".

ومن الحالات الأخرى محمود عنبة "وكيل نيابة ممتاز" الذي استقال، وجاء في كتاب استقالته: "اقبلوا استقالتي".. إلى أن صدر قانون العودة للجميع في 10 يناير 1973 دون انتظار أحكام قضائية.

ويتردد أن الصراع بين رجال القضاء ووزير العدل لدى وقوع "المذبحة" محمد أبو نصير بدأ منذ اليوم الذي تولى فيه أبو نصير مسؤولياته كوزير، إذ كان الرجل يريد أن يثبت للدولة التي أعادته إلى أضواء الحكم بعد عزلةٍ طويلة أنه جديرٌ بمنصب وزير العدل.. وأن رجال القضاء في جيبه وأنهم ليسوا أقل من غيرهم استعداداً لاسترضاء السلطة..لكن رجال القضاء أظهروا موقفا مستقلاً في انتخابات نادى القضاء بالإسكندرية حيث أسقطوا مرشحي الوزير. وفي مارس آذار 1969سقطت مجموعة أبو نصير في انتخابات نادي القضاة بالقاهرة نظراً لأنها كانت تسعى بوضوح إلى "تسييس" القضاء..وهكذا بدأ أبو نصير في التخطيط للمذبحة من أجهزة الدولة الأخرى، حتى سماها البعض "لعنة أبو نصير".

وكانت أهداف النظام الصريحة كما عبر عنها محمد أبو نصير تتلخص فيما يلي:1- فصل النيابة العامة عن القضاء وضمها لرئاسة الجمهورية.2- ضم القضاة للاتحاد الاشتراكي وجعل استمرار العضوية شرطاً لازماً لاستمرار الولاية، بحيث إذا قررت لجنة النظام إسقاط عضويته اعتبر مفصولاً من القضاء.3- تشكيل المحاكم بين قاض وعضوين من عامة الشعب من أعضاء الاتحاد الاشتراكي، وتكون الأحكام بالأغلبية لضمان مساهمة الشعب في العدالة.

ويقول المستشار ممتاز نصار رئيس مجلس إدارة نادي القضاة إبان المذبحة –وقد أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قراراً جمهورياً بحل المجلس في إطار قرارات المذبحة- في كتابه "معركة العدالة في مصر" إن بيان 28 مارس 1968 الذي أعده مجلس إدارة نادي القضاء ودعوا فيه إلى سيادة القانون وتوفير استقلال القضاء واحترام حرية المواطن، أثار ضيق الرئيس جمال عبد الناصر حسبما أبلغه بذلك وزير العدل محمد أبو نصير.. كما جاءت نتائج انتخابات نادي القضاة في 21 مارس آذار عام 1969 لتسكب الزيت على النار، خاصةً بعد فوز قائمة أصحاب بيان مارس على قائمة وزارة العدل..فعُقِدَت اجتماعات شارك فيها الوزير أبو نصير وعلي نور الدين ومحمد الصادق مهدي وعبد الحميد يونس وعلي شنب وإبراهيم هويدي وعبد الحميد الجندي، بهدف رد الصاع صاعين للقضاة.

ولابد من الرجوع إلى بيان 28 مارس 1968 وهو بيان تاريخي بكل المقاييس لتدرك أسباب غضب السلطة التنفيذية في مصر آنذاك من تفاصيله.. إذ طالب البيان بإزالة جميع المعوقات التي اصطنعتها أوضاع ما قبل حرب يونيو حزيران عام 1967 أمام حرية المواطنين..وأن يأمن جميع المواطنين على حرياتهم وحرماتهم..مع التركيز على استقلال السلطة القضائية ورفض انضمام القضاة لمختلف التنظيمات السياسية.. والمطالبة بتخصيص القضاة وتفرغهم.

شهادة أخرى في قضية مذبحة القضاة قدمها د. حلمي مراد الذي اتهم في مقال نشرته صحيفة "أخبار اليوم" الوزير محمد أبو نصير بإفساد العلاقة بين عبد الناصر والسلطة القضائية. ويشير د. مراد إلى أن أبو نصير طلب في مطلع عام 1968 بصفته وزيراً للعدل تطهير القضاء وإخراج العناصر المناوئة للنظام، بحجة أن هذه العناصر هي التي دفعت رجال القضاء إلى الاعتراض على عضويتهم في الاتحاد الاشتراكي، استناداً إلى أن القضاء ينبغي أن يكون محايداً ولا يشترك في تنظيمات.

ويقول د. حلمي مراد إنه طلب من عبد الناصر تأجيل النظر في الموضوع ومنحه الفرصة لتهدئة الجو العاصف السائد في محيط رجال القضاء والنيابة باعتبارهم زملاء سابقين له، فوافق عبد الناصر على ذلك ليهدأ الموقف نسبياً.. ولنتذكر أنه في قضية أحداث كمشيش أقنع د. مراد الرئيس عبد الناصر بعدم نظرها أمام محكمة عسكرية برئاسة الدجوي وإحالتها إلى القضاء العادي. وبالرغم من اعتراض الوزير محمد أبو نصير فإن عبد الناصر اقتنع برأي وزير التربية والتعليم آنذاك. ويورد د. حلمي مراد في شهادته المنشورة عدة وقائع تثبت دور وزير العدل في دفع عبد الناصر وحكومته إلى اتخاذ قرارات مذبحة القضاء في نهاية أغسطس آب عام 1969.


وفي آخر أيام شهر أغسطس آب عام 1975 أصدر القضاة بياناً في نهاية احتفالهم بيوم القضاء بمحكمة الإسكندرية، الذي وافق ذكرى يوم صدور قانون الإصلاح القضائي عام 1969، والذي فصل بموجبه عدد من رجال القضاء .. وجاء في البيان : "إن القضاة وهم يستعيدون ذكرى هذا اليوم المشهود بعد أن هوى إلى العدم قانونٌ زائف، يشعرون وهم يسترجعون ذكرى المذبحة بآلامها المريرة، ويعلنون الدعوة العامة الشاملة إلى اعتبار ذلك اليوم من كل عام يوماً للقضاء، ويعربون بكل الإيمان عن شكر القضاة للرئيس أنور السادات الذي رد الثورة إلى أهدافها القومية.. وقد يظن البعض أن هذا تدخلٌ في السياسة.. بل ممالأة في السياسة أيضاً".
هذا ما كان في 31 أغسطس آب عام 1975

ولكن ماذا عن التوقيت نفسه قبل ذلك بست سنوات؟

لقد شهد ذلك اليوم عزلَ خيرةِ قضاة مصر بطريقة تعد خرقاً لكل القوانين وإخلالاً لمكانة القضاء..الذي خرج رجاله في بيان 28 مارس 1968 ويطالبون بالحرية للشعب وسيادة القانون واستقلال القضاء ويقولون إنه " وجب تأمين الحرية الفردية لكل مواطن في الرأي والكلمة والاجتماع، وفي المشاركة بالنقد والحوار والاقتراح، وفي الإحساس بالمسؤولية والقدرة على التعبير الحر، ولا يكون ذلك إلا بتأكيد مبدأ الشرعية الذي يعني في الدرجة الأولى كفالة الحريات لكل المواطنين، وسيادة القانون على الحكام والمحكومين على سواء".

ولكن صدر ما يسمى بقانون الإصلاح القضائي في 31 أغسطس آب عام 1969، والذي كان ذروةً للصراع مع مراكز القوى التي أقامت المحاكم الاستثنائية ومحاكم الشعب ومحكمة الدجوي. وقف رجال القضاء يقاومون هذه الأوضاع الخاطئة، فكان الرد عليهم مذبحة القضاء، التي أدت إلى استبعاد شخصياتٍ قضائية بارزة مثل المستشار ممتاز نصار ولطفي علي ومحمود توفيق إسماعيل وقطب فراج والمستشار محمد عبد السلام النائب العام سابقاً والذي كان آخر منصب له قبل "المذبحة" رئيس محكمة استئناف القاهرة.

الغريب أن الكل تنصل من مسؤوليته عن مذبحة القضاء ..إذ قال علي نور الدين النائب العام السابق إنه فوجىء بالمذبحة..ولكن في صفحة 169 من اعترافات سامي شرف وزير شؤون رئاسة الجمهورية أمام النيابة قال: لقد كانت هناك لجنة برئاسة علي نورالدين وأنها كانت "تجتمع بمكتبي اجتماعات يومية في الفترة السابقة على صدور قانون إعادة تشكيل الهيئات القضائية، وكانت من بين الجهات التي تحضر معلومات ومواقف عن رجال القضاء علاوة على الأجهزة الأخرى كالمخابرات والمباحث العامة".

كذلك حاول المستشار السابق محمد الصادق مهدي – في عهد السادات طبعاً – التشبث بأهداب ما حكم به في قضية كمشيش لستر ما اقترفه من آثار مذبحة القضاء.. وبالمناسبة، فقد تم فصل المستشار مهدي بحكم مجلس التأديب القضائي. أما المستشار علي نور الدين فصدر قرار جمهوري بتنحيته في إطار إجراءات "التصحيح" التي تمت بعد 15 مايو أيار عام 1971.

ولكن ماذا عن جمال عبد الناصر وموقفه من "مذبحة القضاء"؟ إذا كان التصور العام يفرض أن البعض - وعلى رأسهم وزير العدل آنذاك محمد أبو نصير- قد أوغر صدر عبد الناصر على القضاة وأقنعه بأنهم يحاولون تحدي السلطة السياسية ورمي القفاز في وجهها عبر بيان 28 مارس 1968..فإن هناك سيناريو آخر يرسمه البعض.

يذهب هذا السيناريو إلى القول بأن عبد الناصر كان يسعى فعلاً إلى إصلاح نظام القضاء بهدف التخلص من بطء إجراءات التقاضي والتخلص من تكدس مئات الآلاف من القضايا المتراكمة منذ سنوات طويلة عن طريق وضع نظام قضائي أكثر كفاءة.

وعلى طريقة حسن النية وسوء التطبيق، كان ما كان من تصفية لأبرز القضاة ورجال القانون في مصر على يد القائمين على وضع تفاصيل إجراءات إصلاح النظام القضائي..فخرجت القرارات عرجاء تستند إلى شعارٍ نبيل، لكنها تتكيء أيضاً على جريمةٍ متعمدة للتخلص من الأصوات النزيهة والقوية من رجال القضاء في مصر.

لعبة جذب وشد الحبال بين مطرقة القاضي وعصا السلطة، تنتهي عادةً بصدامات وقرارات تعسفية.

نرجو ألا يكون الحاصل الآن حلقة ًجديدة في ذلك المسلسل المحزن.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

17 التعليقات على "معركة العصا والمطرقة (2): مذبحة القضاء"

أكتب تعليقا