معركة العصا والمطرقة (1): أمينة رزق..ويوسف وهبي

| |



العدل عنوانه الوحيد: الحرية

فلا عدالة منتظرة من وراء قيود الحديد أو الحرير..ولا ثمرة حقٍ يمكن أن نجنيها من تكميم الأفواه

لكن السلطة لا تدري..ولا تتعلم

وما اصطفاف أعداد غفيرة من القضاة والمستشارين المصريين تأييداً لنادي قضاة مجلس الدولة في أزمته مع وزير العدل المصري المستشار ممدوح مرعي، سوى تعبيرٍ عن رفض قطاعٍ كبير من رجال القضاء لمواقف وممارسات الوزير مرعي، بعد ممارساته وإهاناته المتكررة في حقهم
وكان آخر هذه الأزمات، تلك التي تفجرت عقب توجيه مرعي ألفاظاً مهينة للمستشار يحيى راغب دكروري، رئيس النادي، نائب رئيس مجلس الدولة، حيث وصفه أثناء لقائه بعض الدارسين من أعضاء النيابة والقضاة في مركز الدراسات القضائية ب"أنه يبكي في التليفزيون مثل الفنانة أمينة رزق"، وكذلك التشكيك في قضاة بالمحكمة الإدارية العليا، عندما قال عنهم "إنهم فصلوا في قضية محمد جاد المنزلاوي بعد ما قعدوا مع بعض"، وهو القاضي الشاب الذي رفض مرعي تحمل الوزارة جميع نفقات عملية جراحية له، لإزالة ورمٍ خطير في المخ، قبل أن يتدخل الرئيس المصري حسني مبارك ويأمر بعلاجه في الخارج على نفقة الدولة

ولعله من المستغرب أن يسخر وزير "العدل" من شعور رجل قضاءٍ بالرحمة وامتلاكه نعمة الإحساس

بل إنه من المؤسف حقاً أن يستهزيء المستشار ممدوح مرعي بموقف رئيس نادي قضاة مجلس الدولة عندما دمعت عيناه تأثراً من عجزه عن فعل شيءٍ من أجل قاضٍ شاب التهم مرض خطير جسده وأخذ يهدد حياته. وفي المقابل، نجد وزير العدل يعتبر هذا الموقف الإنساني النبيل نوعاً من الدراما التمثيلية أو الإدعاء المفتعل، وهذا في حد ذاته إهانةٌ لرئيس النادي والقضاة جميعاً

ولأن كرة النار بدأت في التدحرج، فقد تقدم المستشار يحيي دكروري، نائب رئيس مجلس الدولة، ورئيس نادي قضاة مجلس الدولة، في ٣٠ يوليو تموز عام 2007، إلى المستشار عبد المجيد محمود، النائب العام، ببلاغٍ يتهم فيه وزير العدل المصري بالسب والقذف. ويعد هذا البلاغ سابقةً في تاريخ القضاء وأيضاً العلاقة بين المواقع العليا في السلطتين القضائية والتنفيذية بمصر


لم يكن هذا كل شيء.. إذ تقرر تشكيل لجنة من القضاة لمقابلة الرئيس مبارك، وعرض ملف بتجاوزات الوزير مع القضاة، الذين نسي مرعي أنه لا سلطة له عليهم وفقاً للدستور المصري الذي ينص على أن "السلطة القضائية مستقلة"، ويقول إن "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون"

غير أنه يظل غير مفهومٍ على الإطلاق التفكير في الشكوى إلى الرئيس مبارك، ذلك لأنه من المفترض أن يكون الرئيس المصري على علمٍ كامل بتصرفات وتجاوزات الوزير، ومن الطبيعي أن يكون المستشار ممدوح مرعي معتمداً على ثقة القيادة السياسية ومساندتها له في أفعاله أو حتى خروجه عن "النص". فإذا كان مرعي يصف دكروري بأنه يبكي مثل أمينة رزق، فإن الدولة تتصرف بتعالٍ مفتعل كأنها يوسف وهبي

دعونا نتذكر أن نادي قضاة مجلس الدولة الذي هاجم وزير العدل رئيسه، يظل أقل جرأةً في مواجهة السلطة التنفيذية للمطالبة باستقلال القضاء، مقارنة بنادي قضاة مصر برئاسة المستشار زكريا عبد العزيز، والذي يواجه حملةً شرسة لتجفيف منابع تمويله، عقاباً له على مواقفه المستقلة
إن تاريخ القضاء المصري ببساطة هو تاريخ الصراع بين الاستقلال والاحتواء

وممدوح مرعي -الذي عينه مبارك وزيراً للعدل بعدما قاد من موقعه رئيساً للمحكمة الدستورية العليا أول انتخابات رئاسية العام 2005- يقدم نفسه على أنه عصا الحكومة التي تريد تأديب القضاة، وليس يدها الممدودة لإنجاح العلاقة بين السلطتين التنفيذية و القضائية، وهو بذلك يؤدي دوراً خطيراً يخرب بمقتضاه فكرة الفصل بين السلطات، ويقدم من حيث لا يشعر دليلاً جديداً على عدم جدية شعار الإصلاح السياسي
لقد تكرر مشهد الصدام بين الحكومة ممثلةً في وزارة العدل والقضاة منذ تولي المستشار ممدوح مرعي وزارة العدل ورفضه لقاء رؤساء الهيئات القضائية على مأدبة الإفطار التي كان يقيمها كل نادٍ من هذه الهيئات كتقليدٍ متبع منذ سنوات طويلة..فضلاً عن قيام وزارة العدل بتقليص الدعم المادي المقدم لنادي القضاة ونادي قضاة مجلس الدولة، الأمر الذي جعل النادي يشعر بوجود نيةٍ مبيتةٍ ضد القضاة من جانب النظام بسبب فضحهم التجاوزات ووقائع التزوير التي شهدتها الانتخابات العامة والرئاسية الأخيرة، وهو ما جعل مسألة الدعم المادي للنادي مجرد البداية في تقليص دور النادي وإنهاء استقلاله

ونحن لا نجاوز الحقيقة عندما نقول إن المستشار ممدوح مرعي لم يدخر وسعاً منذ توليه موقعه الوزاري في مناصبة القضاة العداء وافتعال الأزمات معهم والإساءة إليهم دون سببٍ أو مبرر واضح. ولم يخلُ الخطاب الرسمي لوزير العدل في مواقف مختلفة من وصف القضاة بأوصافٍ مهينة ونابية، سواء وصفه قضاة بني سويف بأنهم حفاةٌ وعراة ويستحمون في الترع، وإعلانه في 25 يناير كانون ثانٍ عام 2005عدم صلاحية كل قضاة مصر وأنه لا يجد من بينهم مئتين أو ثلاثمائة قاضٍ، وتأكيده أنه لن ينفذ أحكام مجلس الدولة وإنما سوف يلقي بها في سلة المهملات، ورفضه تنفيذ الأحكام القضائية النهائية الباتة الصادرة لقضاة مجلس الدولة


ولا أحد يدري سبب صمت السلطة التنفيذية التي اختارت هذا الوزير على إساءاته، خاصةً أنها هي التي اختارته. ولنتذكر موقف عمر بن عبد العزيز عندما جاءته بعض الشكايات عن أحد الولاة، فأرسل له خطاباً يقول له فيه: "كثُر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت"

على أن ما يهمنا في هذا المقام هو أن نشير إلى ظاهرة اختيار رؤساء مصر في نهايات فترات حكمهم لوزراء عدل تثار حول مواقفهم علامات استفهام كبرى. ومن هؤلاء وزير العدل محمد أبو نصير، الذي كان أداة الرئيس جمال عبد الناصر في "مذبحة القضاة" عام 1969. كما عمل الرئيس أنور السادات على اختيار وزراء للعدل من المخلصين له بدءاً من مصطفى أبو زيد فهمي الذي كان أول رئيس لجهاز المدعي الاشتراكي عند تكليفه بمحاكمة خصوم النظام.. وحتى أنور أبو سحلي الذي تولى التحقيق مع خصوم السادات السياسيين قبل أن يصبح وزيراً للعدل عام 1979

ويذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامي لصعود المستشار أنور عبد الفتاح أبو سحلي (1919 - 11 يناير 2000) المولود في فرشوط بمحافظة قنا. فقد تولى مناصب وكيل النائب العام في عام 1946، ورئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 والنائب العام في عام 1978، ووزير العدل في العام التالي

وأثناء رئاسته محكمة جنوب القاهرة، تفرغت هذه المحكمة وهذا القاضي للإجهاز على جريدة "الأهالي" التي يصدرها حزب التجمع المعارض. وكان أبو سحلي ينتمي إلى عائلة إقطاعية تأثرت بالإصلاح الزراعي فأبُعِدَ عن مناصب القضاء، وعمل لفترةٍ مستشاراً قانونياً لدى شركة "المقاولون العرب"، وبواسطة كبير مقاولي مصر عثمان أحمد عثمان - الذي كان ابنه متزوجاً من ابنة السادات- أعيد إلى القضاء. ورأى البعض أنه كما لو كان أبو سحلي وضِعَ في هذا المنصب ليجهز على "الأهالي"، فكانت أعدادها تُحمَل إلى محكمته كل أسبوعٍ بتهمة الإثارة والتحريض، وكان حكمه المتكرر هو مصادرتها. ولعدم انتظام صدورها لمصادرتها، سقطت رخصة الجريدة اليسارية بحكم القانون وتوقفت عن الصدور

وفي العامين اللذين أصبح فيهما وزيراً للعدل، اصطدم أبو سحلي مع نادي القضاة برئاسة المستشار يحيى الرفاعي وذلك عندما انتصر مرشح نادي القضاة انتصاراً كاسحاً على مرشح الحكومة الذي رشحه أبو سحلي، فقرر الرئيس السادات إقالته. وللقضاة مواقف مشرفة في حضور السادات، حينما أكد المستشار وجدي عبد الصمد رئيس نادي القضاة أن وزارة العدل في فترة أنور أبو سحلي تتولى إفساد القضاة وتنفق أموالاً لبعض القضاة بغير ضابط
وفي 17 مايو أيار عام 1981‏ تنفست قوى سياسية واجتماعية مصرية الصعداء عندما تم قبول استقالة المستشار أنور أبو سحلي وزير العدل، واختير أحمد سمير سامي بدلاً منه
ومازال التاريخ يكرر نفسه، وإن اختلفت الأسماء: ننتظر وزيراً للعدل، فيأتينا وزيرٌ..ضد العدل

لقد أنشِيء أول مجلسٍ للقضاء في مصر بالمرسوم رقم 31 لسنة 1936 وضم أربعة من مستشاري محكمة

النقض ومحكمة استئناف القاهرة يجري اختيارهم بطريق الانتخاب من الجمعية العمومية لكل من المحكمتين. وفي ديسمبر 1938 أنشئت ـ بقرار من وزير العدل ـ لجنةٌ مؤقتة لإبداء الرأي في شؤون القضاة تضم ثلاثةً من مستشاري محكمة النقض تختارهم جمعيتها العمومية، ثم نص قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 في المادة 34 منه على أن يضم مجلس القضاء الأعلى مستشاراً من محكمة النقض وآخر من محكمة استئناف القاهرة تنتخبها الجمعية العمومية

والشاهد أنه حين قامت ثورة يوليو تموز عام 1952 أحكمت قبضتها على أجهزة التنفيذ والتشريع، وأصدرت عدداً من التشريعات استهدفت تقييد مجال التقاضي، وجرت مواجهات عنيفة بين الثورة ومجلس الدولة طوال عامي 1954 ــ 1955 أثمرت قوانين لإعادة تشكيله وسقوط حصانة أعضائه

استمر هذا الوضع حتى يونيو حزيران عام 1967 الذي يمثل علامة فارقة في تاريخ مصر، وبدأ القضاء يوسع ولايته المنتقصة، ويمد نشاطه إلى خارج النطاق الذي كان مضروباً عليه مما أشعر الثورة بالقلق، فظهرت الدعوة إلى إدخال القضاء في التنظيم السياسي الوحيد الذي كان قائماً آنذاك وهو الاتحاد الاشتراكي. كما ظهرت فكرة القضاء الشعبي، أي أن يكون مع القضاة في نظر الدعاوى أناس يمثلون الشعب، كما جرى بعد ذلك في لجان فض المنازعات والمحكمة التي تنظر في قضايا الأحزاب ومحكمة القيم


لقد تعرض استقلال القضاء لمحاولاتٍ متكررة من النظم السياسية المختلفة للانتقاص منه في أعوام 1951 و1968 و1969، وقد سمي الأخير باسم عام مذبحة القضاة. وفي تلك الفترة، ضاق صدر السلطة ذرعاً بممانعة واستعصاء رجال القضاء، فلجأت إلى العنف في أكثر من مناسبةٍ لكسر إرادة القضاة وتطويعهم، وهو ما تمثل في الاعتداء بالضرب على رئيس مجلس الدولة الدكتور عبد الرزاق السنهوري في 29 مارس آذار عام 1954،‏ وفي طرد ‏18‏ من أبرز قضاة مجلس الدولة في عام ‏1955، ثم في مذبحة القضاة التي فُصِلَ بمقتضاها‏ كوكبةٌ من خيرة رجال القضاء‏، ومنعوا من القيد في نقابة المحامين، كما تم حل نادي القضاة‏
ثم ظهرت في فترة لاحقةٍ حيلٌ لاستمالة بعض القضاة بعيداً عن التيار الرئيسي الرافض لهذه الممارسات، عن طريق الانتداب في هيئات التحكيم وتكليف القضاة بأعمال إضافية يحصلون بموجبها على مكافآت كبيرة، مما يعطيهم ميزة كبيرة لا تتوفر لآخرين، ويقضي على فكرة المساواة بين القضاة. وانتهى بنا الأمر في الأعوام الأخيرة إلى دورةٍ جديدة من الصدام بين القضاء والسلطة

إنها دورةٌ كاملة
ولهذا السبب تحديداً، وكي نفهم ما يجري على الساحة المصرية الآن، دعونا نقترح العودة قليلاً إلى الوراء.. لنقف أمام ذروة الصراع بين السلطتين التنفيذية والقضائية: مذبحة القضاة عام 1969

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "معركة العصا والمطرقة (1): أمينة رزق..ويوسف وهبي"

أكتب تعليقا