الموت الغامض في لندن 4: تصفية حسابات

| |




الخامس من يوليو تموز عام 1977

يوم ثلاثاء عادي، لم يكن ينذر بأي جديد في العاصمة البريطانية لندن..لولا البلاغ الذي تلقته شرطة اسكتلنديارد يفيد بالعثور على جثة في شقـّة مؤجـّرة مفروشة في شارع هارلي ستريت في لندن
وعندما وصلت الشرطة إلى موقع الحادث وجدت الشقة مقلوبة رأسا على عقب، وكانت رأس القتيل مهشمة، والدماء تغطي وجهه، ومخـّه إلى جواره، على البلاط

كانت الجثة لرجل يرتدي البدلة كاملة ومازالت في يده حقيبة.. تم فتحها فوجدوا فيها مليون جنيه استرليني عدا ونقدا
فشل أبرع ضباط اسكتلنديارد في التعرّف على القاتل..لكنهم توصلوا إلى هوية القتيل
لم يكن سوى العقيد علي شفيق مدير مكتب نائب الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة المصرية سابقا المشير عبد الحكيم عامر

ويبدو أنه كان من الصعب الإلقاء بالضحية من الشباك أو الشرفة، كما أنه كان ثقيل الوزن شديد البدانة، فاكتفى الجاني ـ أو الجناة- بضربه على رأسه بآلة حادة فجرت شرايين النزيف حتى فارق الحياة‏.. وظل ملقى على أرض الحجرة في الشقة المفروشة لمدة عشرة أيام
ولم يتم اكتشاف الجريمة إلا بعد أن فاحت رائحة عفنة من شقته في شارع هارلي المتفرع من شارع أكسفورد‏،‏ ويعرف ذلك الشارع الجانبي بشارع الأطباء‏،‏ ففيه عيادات مشاهير الأطباء البريطانيين في مختلف التخصصات

‏تبين من التحقيقات أن الجريمة وقعت ليلا‏، في وقت كانت فيه حفلة صاخبة في أكثر من شقة بالعمارة‏.‏ وأغلب الظن أن هذه الضجة كانت متعمدة كي لا يسمع أحد صراخه وهو يموت بتلك الطريقة البشعة‏
المبلغ المالي الضخم الذي عثروا عليه بجوار القتيل، بعث رسالة واضحة للجميع، مفادها أن هدف القتل لم يكن السرقة‏..‏ كانت مجرد تصفية حسابات داخلية في إحدى شبكات السلاح‏..‏ كأنهم يقولون في رسالة دموية:‏ إن المال لا يهم‏..‏ المهم عدم تجاوز الخطوط الحمراء لاقتناص المزيد من المال والصفقات على حساب أحد الكبار في سوق تجارة الموت..وهو ما فعله علي شفيق‏..‏فقد باع سرا صفقة سلاح لفصيل من الفصائل اللبنانية وتصور أن لا أحد سيعرف بما فعل‏،‏ وأنه سينجو بفعلته‏،‏ لكن‏‏ صدرت الأوامر لاثنين من أقرب أصدقائه في الشبكة أن يذهبا إليه ويتناولا كأسا ثم يتخلصا منه‏..‏وهو ما كان‏

وبالرغم من أن الجريمة وقعت على أرض بريطانية‏، فإن شرطة اسكتلنديارد لم تجد في الجريمة ما يغري بمواصلة التحقيق فيها‏..‏فأغلقت الملف وقيدتها ضد مجهول
ومليون جنيه استرليني رقم فلكي..على الأقل بمقاييس ذلك الزمان

دعونا نتذكر أن رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي باشا بعد أن قتله عبدالمجيد أحمد حسن عند مصعد وزارة الداخلية صباح يوم الثلاثاء 28 ديسمبر كانون أول عام 1948..وجدوا في جيوبه ثلاثة جنيهات وخمسة وعشرين قرشاً سلموها لزوجته
الفارق الوحيد هنا هو أن ورثة علي شفيق لم يتسلموا أي شيء من المال الذي عثر عليه بجوار الجثة

وعلي شفيق واحد من الشخصيات السياسية التي كانت مطلعة على العديد من الملفات والأسرار أيام عمله كمدير لمكتب‮ المشير‮ عبد الحكيم عامر‬، والسيرة الذاتية لهذا الرجل تحمل في طياتها الكثير والكثير من أسرار أهم فترة في تاريخ مصر منذ قيام الثورة في يوليو تموز 1952 وحتى بعد حرب يونيو حزيران 1967
لقد شهدت مصر في مطلع ستينيات القرن الماضي انقساما خطيرا في القيادة بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة.. ومنذ عام 1962 كانت الغلبة للمؤسسة العسكرية.. وقيل وقتها إن سلاح الطيران مع جمال عبد الناصر والجيش كله مع عبد الحكيم عامر
وفي ذروة هذا الصراع جاء علي شفيق كاتم أسرار المشير عبد الحكيم عامر، وحشد المدفعية حول منزل عبد الناصر وقال: أي طائرة ستقلع من المطار سنضرب بالمدفعية بيت جمال عبد الناصر ..وهذا يوضح عمق الصراع بين الصديقين اللذين انتهى بهما الأمر..كل في طريق
إلى هذا الحد بلغ نفوذ علي شفيق..وإلى هذه الدرجة انحاز في الصراع على كعكة السلطة في مصر
وحين تتورط في اللعبة عليك أن تدفع الثمن غاليا حين تخسر الرهان

وبعد هزيمة 1967، أمر الرئيس عبد الناصر باعتقال كل دفعة 48 - دفعة شمس بدران وعلي شفيق- وتقديمهم جميعا للمحاكمة
كان علي شفيق مشغولا بالحياة الخاصة واللهو والملذات أكثر من اهتمامه بالجيش، وفي منتصف ستينيات القرن الماضي تزوج من زكية فوزي محمود التي يعرفها الجمهور باسمها الفني: مها صبري

كانت مها صبري - صاحبة أغنيات "ما تزوقيني يا ماما" و"امسكوا الخشب" و"وحشني كلامك"- تمتاز بجمال أنثوي من النوع الذي يدير الرؤوس، وربما يتذكرها البعض في دور الراقصة الدلوعة في فيلمي "بين القصرين" و"السكرية" المأخوذين عن ثلاثية نجيب محفوظ واللذين أخرجهما حسن الإمام للسينما في عامي 1964 و1973 ..كانت زيجات مها الثلاث السابقة قد انتهت بالفشل، فقررت التركيز على طموحها الفني، ورعاية ثمار زيجاتها، وهم الأبناء مصطفى ونجوى وفاتن
غير أن القدر وضع في طريقها حبا جديدا
فقد تعرف عليها علي شفيق في ذكرى ميلاد الفنان أحمد رمزي - الذي كان وقتها متزوجاً من صديقتها الراقصة نجوى فؤاد- في ملهى الأوبرج بالهرم.. وهناك اشتعلت شرارة الحب بين الضابط - وهو في الأصل من أقارب الفنان أحمد رمزي- وقد كان شديد الإعجاب بها ويتلهف على التعرف عليها
وبسرعة توطدت العلاقة بينهما وتحولت إلى قصة حب غامرة لم تكن تخفى على أحد مع أن الضابط المذكور كان متزوجا آنذاك من ابنة الفنان حسين صدقي. وعندما علم المشير عبد الحكيم نصحه بالابتعاد عنها، كما ابتعدت مها صبري عنه خوفاً على مستقبله، ولكنه لم يستطع أن يبتعد عنها طويلاً وسرعان ما عاد إليها وتزوجها بالفعل مضحياً بزوجته وبيته وعمله عندما خيره المشير بين الاستمرار في منصبه المهم وبين مها صبري
أنجبت مها صبري منه ابنها الصغير أحمد واعتزلت أيضاً الفن من أجله لعدة سنوات ومنعت أغنياتها من الإذاعة المصرية
وفي عام 1977 تلقت مها صبري عرضا مغريا للغناء في مقهى الإمبريس في لندن، في الوقت الذي برز فيه اسم علي شفيق في مجال التجارة ومن بينها تجارة السلاح..واستمر زواجهما ساريا إلى أن جرى قتله في إحدى عمارات لندن.. وبعد صراع مع المرض إثر إصابتها بقرحة المعدة استمر قرابة أربع سنوات عانت في آخرها من الغيبوبة الكبدية توفيت مها صبري في 16 ديسمبر كانون أول عام 1989 ‏

بقيت جريمة قتل علي شفيق لغزا في الأوراق الرسمية التي تحتفظ بها شرطة لندن..شأنها شأن ملابسات وفاة أشرف مروان وسعاد حسني والليثي ناصف

الموت الذي يقذف بالمصريين من الشرفات ليس كل ما يربط بين القاهرة ولندن

فقد بقيت المدينة مقصد ومقر إقامة أسماء كثيرة وكبيرة حتى يومنا هذا..من "المايسترو" صالح سليم رئيس النادي الأهلي المصري طوال نحو عشرين عاما إلى أن توفي في السادس من مايو أيار عام 2002.. مرورا بالعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ الذي أجريت له هناك العملية الجراحية التي قضت عليه رغم أنه كان يصرخ بأعلى صوته: لا أريد إجراء هذه العملية..ووصولا إلى العقيد شمس بدران الذي كان وزيرا للحربية ثم انتهى به الأمر تاجرا في صناعة الجُبْن

وفي عاصمة الضباب عمل جمال مبارك نجل الرئيس المصري لفترة من الزمن في القطاع المالي والمصرفي.. وإلى لندن كان يسافر رئيس حزب الغد المعارض أيمن نور لحضور المؤتمر السنوي لحزب العمال.. وفي لندن تحول عمرو خالد من داعية محلي إلى واحد ضمن قائمة أهم مئة شخصية تأثيرا في العالم والتي أعلنتها مجلة تايم الأمريكية في عام 2007


وفي لندن أيضاً دارت تفاصيل القضية الغريبة التي وقع في حبائلها الدكتور ممدوح حمزة -الذي يتمتع بسمعة دولية كمهندس حاز عددا من الجوائز الدولية منها تسع جوائز لبنائه مكتبة الإسكندرية- بعد توجيه اتهامات مريبة له‏،‏ ‏تتعلق بالتحريض على قتل أربعة مسؤولين مصريين‏..قبل أن يخرج بريئاً بعد سنوات من السجن والمعاناة دون أن نفهم لماذا جرى ما جرى

غريب أمر تلك العلاقة بين القاهرة ولندن

علاقة تبدو مثل الزواج الكاثوليكي..لا تنتهي عادة إلا بالموت

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "الموت الغامض في لندن 4: تصفية حسابات"

أكتب تعليقا