في قارب الجسد

| |









الأماكن ليست جغرافيا..الأماكن تاريخ

وحين تكون في مكان ما فإن ذاكرتك تحفظه وتستدعيه وفقاً للتجربة التي عشتها والأشخاص الذين اقتسموا معك تلك الوقائع والانفعالات

والذاكرة تلتحف أحياناً باللحظة المدفونة تحت جلودنا وتتغطى بالوميض فتمسي معانقتها معانقةً لقطعة من الليل موشومة بالنار

وللجسد أيضاً ذاكرة
المفارقة أن ارتباط الذاكرة بالجسد يصل إلى حد أن الشخص الذي يتم بتر أحد أطرافه يظل عقله مقتنعاً بوجود هذا العضو المبتور حتى إن العقل قد يبعث رسائل لتحريكه فيكتشف غيابه


كلنا ذلك الجسد..كلنا ذلك الصمت الذي يتكلم لغة خاصة


نتخيل الجسد تمثالا من الأسرار المطبقة والحواس التي فقدت ذاكرتها لحظة مولدها

لكن الجسد يتذكر.. لا تنسى أعضاؤه لحظة ألم أو شهقة رغبة أو ارتعاشة سببها الارتباك
يختزن جسمنا القصص والتجارب..يدرك الفارق بين لمسة حانية وأخرى جانية تنسل إلى عالمنا وتتلصص داخلنا بغير استئذان.. ويعرف المسافة بين عين ملؤها الشوق ونظرة خبيثة تريد أن تقتحم وتلتهم وتجلد بسياط لا حد لقسوتها

والمرأة لا تنسى أبداً يداً قاسية هيأتها للمذلة

وقد تتوقف وأنت تتصفح المدونات عند شجون نساء يستدعين من الذاكرة الجريحة قصصاً تركت ندوباً لا تمحى عن أياد عابثة امتدت إلى أجسادهن الطرية لتهتك تلك البراءة وتسرق الثمار

تقرأ عن الطبيب الذي يقبض بيد من جمر على ثدي صبية قيد الفحص الطبي -والثديان مراهقان تحت شجرة لوز مزهرة- فتشعر الصبية بالمهانة وتكره رمز أنوثتها.. وتطالع قصة تلك الفتاة التي تقول عن أب ذئب ـ وما أصعب أن تعيش مع ذئب تحت سقف واحدـ إنه هتك عرضها ثلاث مرات على مدى عشر سنوات. في المرة الأولى أمسكها الأب الثمل "بفظاظة وشد جسدي نحوه ممسكاً بي بإحكام، وأخذ يقبل فمي ويضغط عليه مداعباً بلسانه، وطعم لعابه الكريه..أشعر بالغثيان من هذا الوصف"..وفي مرة ثانية كرر محاولة تقبيل الابنة بالقوة وهي تعد له القهوة في المطبخ.. قبل أن يجرؤ في المرة الثالثة على ما هو أكثر دناءة..إذ تقول الفتاة وهي تتذكر تلك اللحظات العصيبة: "لمس نهدي آتياً من الخلف. شبهت ردة فعلي آنذاك بصعقة كهربائية..أشعر الآن برغبة في أن أقتلع نهدي لأتخلص من هذا الاشمئزاز"

مدونة ثالثة تعرضت على امتداد سنوات لاعتداء أبشع اقترفه أحد أفراد العائلة..قتلها مجرم من أهل البيت فأدمنت المهدئات ومضادات الاكتئاب وقررت ألا تنجب أطفالاً تأتي بهم "إلى هذه الحياة الحقيرة".. وحاولت مراراً الانتحار كما خضعت لعلاج نفسي. وضع كارثي تقول عنه: "سأعيش هكذا دوماً في السر، هاربة إلى أبد الآبدين..أحسست بالذنب وقتها وما زلت أفعل في قرارة نفسي مع أنني كنت طفلة وهو المعتدي البالغ"

انظروا حجم الأذى الذي لحق بذاكرة الجسد..وتأملوا


وفي بحر اللذة قد يغفو الجسد بين عبارة لامعة وجرعة من العرق الحار ..فلا ينسى..وكيف ينسى وليل الرغبة ارتقاء إلى الهاوية؟


وكيف تنسى الأصابع كيف دارت يوماً في فلك خصر يلتف حوله شال من الغواية ليحكي عن بساتين مشتهاة ومساءات الفل والياسمين


اللمسات التي تبحث عن بوابة للشوق تبدو كأنها خيال الضرير..ترى ما لا نراه وتشاغب في النور بعد استئذان العتمة

وحين نلمس الحبيب نركض في هاوية النسيان

لا شيء أجمل من أصابعك وهي تحط بمهارة على أحد مطارات امرأتك..لا شيء أشهى من أناملها وهي تدسها في المسافة الفاصلة بينكما. ساعتها تطفيء المصابيح لتصبحا مصدر الضياء في الكون

واليد التي تتوعد الخصوم بقبضة تلوح في الهواء أو إشارة بذيئة بالأصابع.. ترق وتصبح نهراً من حنان إن هي ضمت حبيباً أو خليلة.. حينها تنبت في اليد أصابع إضافية تشد المدائح إلى الحبيبة.. ونحتاج أكثَرَ مِنْ جَسَد لنظللها مثل شجرة الحور ونظل ممتدين حولها كما الأسرار

واليد يضعف تأثيرها..ما دامت اليد الأخرى غائبة

والجسد يجتر دائماً اللحظات المرتبكة..من لمسة لا يطمئن إلى براءتها وضغطة على الذراع من شخص توهمنا أننا يمكن أن نثق به..لكن حواسنا وأجسادنا تحفظ أيضا رحلة استكشاف جسد الجنس الآخر في غفلة من عيون الأهل على طريقة أغنية فيروز


فايق لما راحوا


أهالينا مشوار

تركونا وراحوا

وقالوا ولاد صغار

ودارت فينا الدار
ونحنا ولاد صغار




والأذن التي تصغي إلى كلمات الحب كأنها حلزون صغير تحفظ تاريخ النزوات المرسومة على جدار القلب..مثلما تذكر لفظاً نابياً وكلمة جارحة بعد أن يدور الكون دورة كاملة حول نفسه


والذين أنصتوا لعاصفة الرغبات الكامنة استثنتهم ريح الوجد من رحمتها


الصوت الهامس في الأذن يخترق مفازات الدهشة والأحلام.. يصب جمر العشق في الحنايا لظى.. يكتوي بالحرمان من قرب من نهوى

حالة فريدة يلخصها صلاح جاهين في إحدى رباعياته المدهشة


صوتك يا بنت الإيه كأنه بدن

يرقص يزيح الهم يمحي الشجن

يا حلوتي وبدنك كأنه كلام

كلام فلاسفة سكروا نسيوا الزمن

عجبي

والأذن التي تعشق قبل العين أحياناً ترسم الصور التي تداعب المخيلة..من هنا كانت وسيلة المبدعين للتعبير عن مغارات خفية في النفس البشرية..من رواية "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست إلى "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارثيا ماركيز إلى "المسيح يصلب من جديد" لنيقوس كازانتزاكيس.. ومن رواية "المتنصتون" التي فتح فيها الروائي أحمد والي عيون وآذان القراء باللغة العربية على أسرار مدهشة في عالم أصوات الرغبة.. إلى رواية جمال الغيطاني "وقائع حارة الزعفراني" التي تكاد تكون رواية حول الأصوات..مرورا برواية محمد البساطي "أصوات الليل" ورواية الميلودي شغموم "خميل المضاجع"

والعين التي تراقب بشغف وتغازل في نزق وتؤنب في حدة.. لها نصيب من الأسرار والذكريات ..وفي كل حال تملك ما تحكي عنه في صمت بليغ..فالنظرات التي اصطادتنا على غفلة منا تحلم بمزاوجة البنفسج والقرنفل.. والمشهد الذي صدمنا يظل حكاية مفزعة تخرج لنا من صناديق الثياب المنسية وقبور الماضي الذي نتوهم أننا دفناه

والعين عدسة تحفظ أسماء العاشقين ومكائد الحاسدين وحيل المتآمرين.. ولا تنسى المحاجر التي هزمها القهر..مثلما تحفظ العينان النظارات الطبيَّة الموبوءة بالقراءة

العين وحدها مرآة الروح التي تفضح حال صاحبها وتشي بأشواقه وأفراحه مثلما تقول لنا إن كان يسير الآن على سجادة الأحزان
‏‏
وما أدراك ما ذاكرة الرائحة؟ ‏‏
‏‏
تلك التي تراها في فيلم "عطر امرأة" الذي منح آل باتشينو جائزة الأوسكار الوحيدة في خزانته مثلما تلاحقك عبر صفحات روايات "العطر" لباتريك زوسكند و"رائحة البرتقال" لمحمود الورداني و"تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم التي وصفها يحيى حقي يوماً بجملة "هذا الأدب المقرف"

من عطر من نحب الذي نتوهم أنه ملتصق بثيابنا وحواسنا.. إلى ألفة الرائحة المشتهاة التي نتقاسمها مع أحبتنا لنجعل الدنيا نافورةً من الريش الأبيض وسريراً من الملاءات النظيفة..وصولا إلى رائحة البيوت القديمة والكتب الخارجة لتوها من المطابع.. والذاكرة تشم رائحة الخبز الطازج الذي يوقظ الجوع داخلنا..ورائحة المطر التي تغسل أوراق الشجر وبقايا الأحزان المطوية


للشفاه ذاكرة حادة..فالمرأة تتذكر القبلة الأولى بامتنان أو شعور بالغثيان قد يرافقها طوال سنوات عمرها.. إلى أن يأتي من يملك المحبة والدربة والصبر حتى يفك الرموز المستعصية لحادثة تضرب بجذورها في الأعماق


ونحن لا ننسى أبداً تلك الشفاه الممتلئة والأفعوانية التي احتوتنا أو احتويناها لتتمطى أمامنا كأنها الأفق الذي يغلفنا مثل موسيقى.. لحظتها يغمرنا الماء على علو دوامة غامضة..ونمشي على حواف البحر ما بين مد وجذر من الملاطفات والتمتمات والقبلات

الفم المجنون يتذكر الشبق والجوع.. في كلتا الحالتين يتحول اللسان إلى تنين يدور كصبي تائه في الموالد
حتى ظهورنا التي تقوست وانحنت في مواجهة السنوات العابرة بسرعة البرق لا تنسى ذلك الطفل الذي يعود كعادته من المدرسة وهو يحمل على ظهره حقيبة مثقلة بالكتب..وفي وجهه عينان مثقلتان تلعنان المكان الذي يجبره على حمل ما ينوء به وزنه وعمره الغض

ذاكرة الكيان الذي يرتدينا ونرتديه دوماً طازجة..تلملم قصاصات العمر التي تناقلتها ممرات الرتابة وتسرد الوقائع بصيغة المضارع لنستعيد الماضي كاملاً في كل ثانية..ومع كل إحساس نعيشه
والجسد يا أحبائي قارب غارق لا محالة في نهر الوقت

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "في قارب الجسد"

أكتب تعليقا