كتاب الرغبة 2: سقوط امبراطورية

| |




"شهود الحق في النساء أعظم الشهود"
محيي الدين بن عربي


هذه المرأة كتبت سيرتها الذاتية على دفعات..وقدمت أسلوباً لا يتحدث عن المرأة بالقطاعي..أي شفاه وعيون وأكتاف، بل نقلتنا إلى المرأة كإنسان


فقد راودت الكاتبة والناقدة والمناضلة السياسية د. لطيفة الزيات (1923-1996) فكرة "كتابة الذات" مرتين على الأقل: الأولى تجسدت في رواية "الباب المفتوح" (1960) والتي تحولت إلي فيلم سينمائي (1963) يحمل الاسم نفسه، بطولة: فاتن حمامة، محمود مرسى، صالح سليم، حسن يوسف، سيناريو: يوسف عيسى، وإخراج هنري بركات


والثانية في "حملة تفتيش: أوراق شخصية" (1992) الذي يحمل مزيجاً من أوراقها الشخصية واعترافاتها الشجاعة..وهي السيرة التي قال عنها الأديب اللبناني إلياس خوري إننا أمام تجربة مثيرة ومدهشة باعتبارها أول كاتبة عربية تعرّي حياتها أمامنا. تكتب لا لأنها تعرف بل لأنها تبحث. تروي الحكاية لأنها ستكتشفها..وفي النهاية تبدو أمامنا تجربة إنسانية متوترة وقلقة وملتزمة في وقت واحد


ولأنها تكتب للبحث عن هويتها فإنها تحكي عن فترات من حياتها لا تخضع للمسار التقليدي..ونجدها تمزج بين لحظات ومحطات الزمن المختلفة..فكان السرد ينتقل بين الماضي والحاضر.. ماضي الأحداث وحاضر الكتابة.. وماضي الألم والحاضر الواعي بالتفاصيل وبخفايا السلوك وأسباب القهر

تسير الكاتبة على خطى الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان في سيرتها الذاتية -رحلة صعبة..رحلة جبلية" (1985) و"الرحلة الأصعب" (1993)- وتصحبنا عبر ذاكرة انتقائية تعيد ترتيب واختيار الأحداث..ربما بسبب الوضع الاجتماعي للمرأة والعيب والحرام الذي يقيد رصد المرأة لسيرتها الذاتية من خلال أدب الاعتراف..ولهذا تكتب المرأة العربية في منطقة ليست محددة تماماً بين الرواية وأدب الاعتراف.. وتراوغ حتي لا تصبح هي الذات الساردة فتتعرض دوماً لتساؤل ساذج: هل ما تكتبه هو حكايتها وتجاربها الشخصية؟

يقول الكاتب محمد برادة في الصفحة (103) من كتاب "سياقات روائية" ما يلي:" من هنا فإن كتاب "حملة تفتيش: أوراق شخصية"، للناقدة المبدعة لطيفة الزيات يكتسي أهميةً خاصة بما يشتمل عليه من مكونات شكلية وتيمات حميمية تسعى إلى استجلاء الذات وانعطافاتها. وهي لا تفعل ذلك في شكل كتابة ملتبسة تتدثر بمظلة الرواية، وإنما تقيم "تعاقداً" واضحاً بينها وبين القارئ، على أنها تحكي له فتراتٍ ونتفاً من حياتها، لكنها لا تريد لهذا الحكي أن يكون تقليدياً أو مجرد استمتاع بأجواء الطفولة ومرابع الصبا...منذ البدء، نحس أن المسار لا يتجه من الماضي إلى الحاضر (هل الولادة بداية لوجودنا؟)، بل من وعيٍ معين بالحاضر يسترجع ملامح ولحظات من ماض هو بدوره متحرك عبر الذاكرة وإعادة تشخيص الأحداث"

قالت عن نفسها ذات يوم في إحدى شهاداتها الإبداعية: "أنا امرأةٌ، وهذا في يقيني عنصر مهمٌ جداً للتعريف بالذات، والوصف يرسم علي الفور حدود الحركة، وحدود القهر المادي والمعنوي الذي ينزل بالمرأة والوصف يرسم علي الفور آلافاً من نقاط الضعف الموروثة، وآلافاً من نقاط القسوة المكتسبة في وضعية المرأة عامة، وفي وضعية المرأة الفرد، التي هي أنا، عانيت كما يعاني الإنسان كل أنواع القهر التي تنزل بالإنسان وعانيت كما تعاني كل امرأةٍ من كل أنواع القهر المعنوي الذي ينزل بالمرأة، وعايشت القهر أحياناً وتجاوزته أحياناً أخرى، وما بين المعايشة والتجاوز، التي استحالت إلى قانونٍ يحكم حياتي، تم إهدار الكثير من طاقاتي الإنسانية، التربوية والإبداعية والنقدية والنضالية"

وتمثل "حملة تفتيش: أوراق شخصية" رواية السيرة الذاتية بما تحمله من امتزاج الوقائع الحياتية بالمتخيل. فلم تكتب د. لطيفة الزيات سيرتها بالطريقة التقليدية المتعارف عليها، إذ تداخلت الحكايات الشعبية والأحداث التاريخية وعلاقة الراوية بالسرد ..كذلك علاقتها بالشخصيات الأخرى

هاجس الاستقرار طغى على مشاعر الحب لدى الكاتبة في هذه السيرة الذاتية القصيرة التي وإن كانت مزيجاً بين العام والخاص فإن لغتها تبتعد كل البعد عن لغة التأريخ السردية وتقترب أكثر وأكثر من اللغة الأدبية ذات الإشارات والدلالات والمجازات

قد تكون كتابة السيرة الذاتية "رداً" على أزمة أو محنة، وربما تكون لطيفة الزيات بدأت في كتابة سيرتها الذاتية وهي تتأمل في احتضار أخيها

"..لا يعرف أخي بطبيعة مرضه، وبحقيقة أنه يحتضر، أجلس لأكتب، أدفع الموت عني فيما يبدو أنه سيرة ذاتية لا يكتب لها الاكتمال"


في سيرتها الذاتية تزيح لطيفة الزيات الستار عن جزءٍ من كيانها

تقول: "والنقطة الرئيسية من جديد أننا لا نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية إلا إذا ذابت الذات بدايةً في شئ ما خارج عن حدود هذه الأنا الضيقة.‏‏ ونحن نفقد هذه الذات الحقة حين نصبح محدودين، محبوسين في قفصٍ، متحلقين حول الأنا، حين نغرق في بحر من التفاهات، وفي دائرةٍ أبديةٍ خبيثةٍ تستحيل إلى قدرنا ونهايتنا"

إنها حكاية امرأة دخلت السجن مرتين: الأولى وهي عروس في السادسة والعشرين من عمرها عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين..والمرة الثانية وهي في الثامنة والخمسين من عمرها عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين إثر حملة الاعتقالات التي ضمت الكتاب والصحفيين المعارضين لحكم السادات

ينقسم "حملة تفتيش: أوراق شخصية" إلى جزءين.. الأول بداية سيرة ذاتية لم تكتمل تتناول سنوات تشكل الوعي، ثم مرحلة منتصف العمر. والثاني يتكون من أوراق كتبتها وهي في سجن النساء عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين..وتدور حول تجربة السجن وتتخلق من جديد حول منتصف العمر بمنظور جديد تبلور في ضوء تجربة الاعتقال

وهي تروي تفاصيل مهمة عن شكل حياتها مع زوجها الأول أحمد شكري سالم الذي دخل السجن سبع سنوات بسبب مواقفه السياسية

تقول الكاتبة: "وحين تزوجت زيجتي الأولى بدأت مرحلة جديدة من مراحل الانتقال من مكان إلى مكان، كان محركها هذه المرة المطاردة الدائبة من جانب البوليس السياسي لزوجي، أو لي، أو لكلينا. وقد تنقلت مع زوجي الأول في المدة الزمانية ثمانية وأربعين ـ تسعة وأربعين في خمسة منازل كان آخرها بيتي الذي شمعه البوليس السياسي في صحراء سيدي بشر التي لم تعد بصحراء. وفيما بين عمليات الانتقال الرئيسية في هذه المرحلة، تعين علي حين عنفت مطاردات البوليس السياسي أن أنتقل ليلاً من مسكن إلى مسكن إلى أن وجدت السجن مسكني في مارس ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين. ولم يكن انتقالي إليه هذه المرة اختيارياً"

ومن يقرأ أعمال لطيفة الزيات سيكتشف أنها ربما تكون أبرع من وصف "البيت" في الأدب العربي الحديث..وهي التي عاشت سنوات الحرمان من الاستقرار تحت سقف بيت
ولأنه لا حب دون استقرار، فإن عش الزوجة يصبح في هذه الحال في مهب الريح..تعصف به الأنواء وتهزه المشكلات وتحاصره الخلافات

في "صاحب البيت" التي صدرت عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين -وهيَ خليط ٌبينَ الرواية والسيرة الذاتية- تستعرض لطيفة الزيات ملابسات تعثر بطلةٍ مناضلة في جو مناويء وتستبطن تراوحها الداخلي بين المقاومة والتسليم. وعلى الرغم من أن بطلة الرواية امرأةٌ من لحم ودم فإنها ترمز أيضاً إلى الثورة في طموحاتها وتعثر مسيرتها وتذبذبها بين الاندفاع والاستكانة. لطيفة الزيات التي تتداخل أعمالها تستكمل بهذه الرواية ما أغفلت أو تغافلت عن تقديمه في سيرتها الذاتية وهو الجزء المرتبط بزيجتها الأولى..لكنها هنا لا تقدمه كتاريخ شخصي بل عبر شفرة روائية وقناع سردي
وفي كتابها "حملة تفتيش: أوراق شخصية" تتحدث لطيفة الزيات عن تجربة زواجها الثانية من شخصية ثقافية مرموقة وذات سطوة هي د. رشاد رشدي، ليتضح أن العلاقة كانت مأزومة. تحدثت عنه أيضاً بالشفرة وهاجمت حياتها معه بشراسة

تقول: "ولم يكن انتقالي اختياراً أيضاً وأنا أنتقل من مسكن إلى مسكن آخر مع زوجي الثاني. ولعلي أضعت القدرة على الاختيار، بل القدرة على الحركة والفعل في فترة طويلة من فترات زيجتي الثانية التي بدأت عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين ودامت ثلاث عشرة سنة"

ربما يفسر هذا الاضطراب في الحياة العاطفية ذلك الحلم الغامض الذي ظل يطارد أستاذة الأدب الإنجليزي ويزعج منامها..لأن الحلم ليس في النهاية سوى انعكاس لظروف ضاغطة ورغبات متقدة أو موؤدة. تقول الكاتبة: " لكلٍ منا حلمه الليلي المتكرر، ولا أجد وقد وصلت إلى هذه النقطة من السرد غرابة في حلمي الليلي المتكرر الذي لم ينحسر عني إلا منذ سنين. فأنا أجد نفسي ليلياً في فندق غاية في الفخامة والاتساع والارتفاع، أو في سفينةٍ ينطبق عليها نفس الوصف، حافية أو بملابسي الداخلية، أو على أي وضع استنكره لنفسي، ألف وأدور سعيا للعودة إلى غرفتي، وأطرق متعثرة ومستميتة ممراً مشابهاً بعد ممر من الممرات المتعددة المتشابهة، ولا أجد أبداً غرفتي. وأستيقظ من النوم وأنا على حافة السطح على وشك السقوط في هاوية أو في البحر"


أتاح لها رشاد رشدي مستوى مادياً مريحاً..لكنها عاشت تعاسةً نفسية اعترفت بها في كتاباتها

هذه المعاناة وصلت إلى حد أنها أهدته روايتها "الباب المفتوح" تحت الضغط.. كان دائماً يؤكد لها أنها بدونه بلا قيمة وأنه صاحب أفضال عليها. وفي المقابل فقد أهدى الكاتب المسرحي كتاب "ما الأدب" الصادر عام ألف وتسعمئة وستين إلى زوجته التي لمحت في قصة "الرحلة" إليه وكيف أنه كان يعود ليحكي لها فتوحاته مع أخريات..كما أشارت إليه في قصة "الشيخوخة" عندما تحدثت عن علاقتها بزوج تشعر أنه مات

اللحظة الفارقة تدمي القلب..لأنها ببساطة اختيار ما بين القلب والعقل..الاستسلام والإرادة..الانصهار أو الاستقلال

"في يوم من أيام يونية 1965، وأخي والمأذون يجلسان في الغرفة المجاورة، قال لي زوجي في محاولة أخيرة لإثنائي عن إتمام إجراءات الطلاق، وهو يستدير يواجهني على مقعدٍ متحرك: ولكني صنعتكِ"

"وانطوى من عمري عمر قدره ثلاثة عشر عاماً بوهم التوحد مع المحبوب لفترة، وبإصابتي بالشلل المعنوي والعجز عن الفعل في الفترة الأخيرة. ولم أشأ أن أصعد النغمة حتى لا تفشل مهمتي، وتساءلت وأنا أرقبه: أي مرحلة من مراحل عمري المنقضي صنع؟ أكل المراحل أو لم يصنع هو شيئاً؟ انقضى الزمن الذي كنت أعلق فيه على مشجبه سعاداتي وتعاساتي، انقضى يوم برئت من الشلل"

وحين يكرر عليها الزوج على مسامعها كلمة الاستعطاف لا المن "لقد صنعتك" يكون ردها: "حتى لو كنت صنعتني فعلا كما تقول، فهذا لا يعطيك الحق في قتلي"

يقرر البعض أن د. لطيفة الزيات بلغت قمة التناقض بزواجها من د. رشاد رشدي: ارتباطٌ مقدس بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، فكراً وسلوكاً

وعندما سئلت ذات مرةٍ عن أسباب ارتباطها بهذا الرجل تحديداً بالرغم من الخلاف الفكري الحاد بينهما، أشارت إلى أن الجنس هو السبب


"لماذا تزوجتيه أصلا؟
سألني أستاذي عقب الطلاق وأجبت: كان أول رجل يوقظ الأنوثة فيّ"


إنها تفتح نوافذها المغلقة وتكشف عن مدى قوة الرغبة واللذة وتأثيرها على قراراتها كأنثى..لا يهم هنا المستوى التعليمي أو الثقافي وإنما الأهم هو أنها أنثى، قد تكره الرجل لكنها تتعلق به إن أجاد مخاطبة أنوثتها وفك شفرة الجسد



مرة أخرى تؤكد د. لطيفة الزيات المعنى نفسه وربما بوضوح أكبر هذه المرة حين يرد في كتابها الحوار التالي: "الناس تفهم لم طلقتيه، غيرُ المفهوم أصلاً لم تزوجتيه؟ قالت مذيعة ناصرية ونحن في انتظار إعداد الكاميرا للتسجيل في استوديو في التليفزيون بعد طلاقي بفترة طويلة. وبغتني السؤال وبغتتني أكثر الإجابة التي صدرت عني بلا تفكير سابق: الجنسُ سبب سقوط الإمبراطورية الرومانية"


إجابتها تكشف عن الكثير، ولذا لم يكن مستغرباً أن تقول: "في أعماقي دار سؤال بقي على البعد معلقاً: هل استطعت حقاً أن أقتلعه تماما من جلدي حيث سرى في أعمق أعماق مسام جلدي؟"


من الإنصاف القول إن الفتاة والمرأة عاشت قبل زيجتها الثانية، وأثناءها، على إشباع نصف ملكاتها الإنسانية على حساب النصف الآخر، وإن هذه الحقيقة شكلت سبباً من الأسباب التي أدت إلى اختلال سير حياتها



"في مراهقتها عرفت الفتاة فورة الجنس، وبحكم تربيتها وجديتها صادرتها، وفي ظل شعور حاد بالذنب دفعت في أعماقها الأنثى حتى غابت عن وعيها، أو كادت، لا يتبدى منها إلا هذا الخجل الذي تستشعره من هذا الجسد الممتليء، الغني بالاستدارات. وفي صعوبة كانت الفتاة تقطع الطريق من الجانب المخصص للقراءة إلى الجانب المخصص لأرفف الكتب في حجرة الاطلاع في مكتبة جامعة فؤاد الأول، يخيل إليها وهي تعود بمرجعٍ من المراجع أن كل عيون من في القاعة مركزةٌ عليها وتفضل الهروب من القاعة إذا ما اتضح لها أنها لم تلتقط المرجع المطلوب، وتطلب الأمر معاودة الرحلة في ظل العيون المتربصة"

صحيح أنها "من عباءة الوصل الجماهيري ولدت، ومن الدفء والإقرار الجماهيري تحولت من بنت تحمل جسدها الأنثوي وكأنما هو خطيةٌ، إلى هذه الفتاة المنطلقة الصلبة قوية الحجة" وأنه "من منطلق الإنسان لا الأنثى، تعاملت الفتاة في النطاق العام".. غير أن الوضع تغير بعد الزيجة الثانية..فقد "كانت المرأة في بدايات زيجتها الثانية الأنثى وقد بعثت كالمارد من خمود تمسح على ما انقضى وكأن لم يكن، وتعب من الحار وتزدهر"

يقول عنها الكاتب الصحفي كامل زهيري: " تزوجت فتاة الأربعينيات الجسورة، ثم سجن زوجها سبع سنوات ومات. وحصلت بعدها على الدكتوراه ثم طلقت من زوجها الثاني، ونجحت في الدكتوراه، ولم تحصل على الابتدائية في الزواج كما قال البعض وكان الطلاق إعلانا بالإفراج عنها لأنها نشرت رواية "الباب المفتوح"

لقد كانت لطيفة الزيات مقتحمة قابضة علي جمرة الحرية ودفعت من أجل تأكيد هذه القيمة ثمناً باهظاً..غير أن أكثر ما هز كيانها هو إلحاح الجسد ومطالبه التي لا تنتهي

وهكذا تسقط الإمبراطوريات..ويتداعى البشر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "كتاب الرغبة 2: سقوط امبراطورية"

أكتب تعليقا