غوايات مؤقتة

| |


إلى هيثم يحيى.. (جار القمر).. أول من تذكر


ما أصعب بريدنا الإلكتروني

هذا الصندوق الذي يضم أسرارنا الحميمة..حكاياتنا التي تنام تحت ظلالها أشواقنا وأحزاننا وابتساماتنا المستعارة

التاريخ الذي يشير إلى كل رسالة يعيدنا إلى ذكرياتٍ مضت..وأوقاتٍ رحلت.. والوقت لعنة تتسرب من بين أصابعنا وتحت جلودنا.. تشبه الصور التي نُثِبت فيها ضحكاتنا القديمة..وتأخذ شكل الجدل العقيم مع أحبتنا حول من فينا الأشد حزناً أو الأكثر رغبةً في الآخر

ثم تنتهي دورةُ الانفعالات.. إلى لا شيء: قبض ريح

والريحُ العابثة تشتهي دائماً بعثرة مسراتي

تلك إذن غواياتٌ مؤقتة

في ذكرى عام جديد من العمر أضحك من غزوات الشيب وأفكر في مسح بعض الرسائل من بريدي الإلكتروني.. فإذا بي أمسح الغبش عنها وأقرأ تفاصيلها.. وأتأمل

كأنه عطشٌ يجتاح صحراء الوقت ويعبر جمر المسافات

وهأنا أعبر إلى الضفة الأخرى من الكون: فرجينيا..جميلة الجميلات
ومن رحيلٍ إلى رحيلٍ‏‏‏ إلى رحيل..تفتح الأبواب التي تفضي إلى المدنِ البعيدة وتحزم الحقائب التي تتعايش فيها الكتب مع الصور والأغنيات المفضلة.. يسألونك: من أي البلاد أنت؟ تبتسم.. وتتذكر

كل المدن تعرفك

في موطن العطور كانت البداية.. نهر الدانوب يغني لحنه الأثير..لكنك عبرت النهر سريعاً ولم تنظر إلى الوراء

القاهرة المقهورة اصطفتك إلى جانبها ترسم فيها مواقع النجوم في سماء غرفتك.. لكنك تهجرها تاركاً خلفك تعاويذ جدتك.. شاطيء الخليج ناداك إليه على رصيف أكلته شمس الصيف لتعرف سنوات الصبا وينمو حس الرجولة. وفي الزمن الموعود تغادر وفوقَ صدرِك وَشْمُ صحراءٍ وبَحر نسي نهايته. الشاب الذي سابق خطاه إلى الجامعة وشاكس خصلات شعر المراهقة بدا قليل الكلام.. ينظر حواليه فيغمره يقين أنه لن يبقى هناك طويلاً.. تقوده الأيام إلى كارديف التي يعرف أسرارها ومناجمها المغلقة بإحكام..هناك تعلم رقصة الندى.. وتجذبه واشنطن التي فتح لها نوافذ رغبته وبوسطن التي استأمنته على فتنتها
تنفتح أمامه العواصم وردةً بعد أخرى: سالزبورغ التي عرف فيها لذة الغرق..مونتريال التي بدت قطته الأليفة..برشلونة التي أطلت على شرفات روحه..بيروت التي غنت له وحده فترك لها قلبه فوق سريرها.. وتونس التي غمزت له بعينيها فصعد إلى سطحها ليصطاد الفراشات الهائمة
والآن؟
حزنٌ هائل لغنائك‏‏‏ لاتتسع له الكائنات.. وثقةٌ لا حدود لها تخيف الآخرين
لكنك تصير بعيداً..كي تقترب
تترك النص مفتوحاً مثل حاجبين تعلوهما الدهشة لأنك تدرك أن الرحلة لم تنتهِ.. بل لعلها لم تبدأ بعد

"ليه يا حبيبتي ما بينا دايماً سفر
ده البعد ذنب كبير لا يغتفر
ليه يا حبيبتي ما بينا دايماً بحور
أعدي بحر ألاقي غيره اتحفر
عجبي"
(صلاح جاهين- الرباعيات)

الخائفون فقط هم الذين لا يعبرون النهر

لكنني عبرت ودافعت دائماً عن حبيبتي..إلى أن قررت هي أن تتحول من كرزٍ مشتعل في حقل حنطةٍ إلى رسالة نصية أو جملةٍ اعتراضية فاترة تشبه تلك التي ترسلها إلى جارك أو تهديها إلى شريكك السابق في السكن الجامعي

للبداية مذاقاتٌ تصيبنا بالدوار.. وللنهايات مذاقٌ يصيبنا بالأسى
لا وقت إذاً للتذكر
لا وقت كي نشارك الأحبة حكاياتنا في غربة الله..ونروي لهم الأفلام التي وقعنا في أسرها..ونرسل إليهم الأغنيات التي نهوى..ونقترح الكتب التي تركت بصماتها على عقولنا وأرواحنا
وحين يتقاطع كوكبي مع صحيفة أيامي أرتدي قبعة عازف التروبادور وأنشد قصيدةً معتقة كأنها خمرُ شفتيها

يغادرك الأصدقاء
وتبقى كالسيفِ وحدك
أيها النبيُ الحزين
متى كان الصمتُ عبدك
سموتَ في العلا لتبني مجدك
ولقيتَ في الطرقاتِ وعدَك
هو الحزنُ.. نصيبُك أن تحزنَ حزناً شفيفاً
وتعشق عشقاً شريفاً
وتبقى نظيفاً
في زمن البذاءة وحدك
وحدي أحفظ قدسيّة الألوان والأضواء المسكونة بالأسرار
قرأتُ وجوهاً كثيرة.. اطمأننت إلى بعضها.. فكانوا مظلتي التي أسقط فوقها من علو شاهق: وليد عبد الله يربت على كتفي من نيوجيرسي وأسامة القفاش يضيء لي دروب المحبة من زغرب..وعرفت أيضاً وجوهاً زائفة تحاول أن تبيع لك البراءة المفتعلة.. وأجساداً تشحذك كسيفٍ لكنها تدمن التنهدات المهزومة من غير حرب..ورؤوساً اختارت ببساطة أن تكون فارغة
أستدعي من خيوط الذاكرة حكايات وجروحاً طازجة.. وأتأهب لعامٍ جديد بنظرةٍ حازمة لا تخطئها العين
ربما يتعين أن أصنع أجنحتي وأفردها.. أمامي متسعٌ من الوقت كي أتحول إلى صقرٍ لم يفسده هواءُ الأمكنة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

36 التعليقات على "غوايات مؤقتة"

أكتب تعليقا