وزير الدفاع..في طبق الجيلي

| |







عندما تنساب الموسيقى وسط إضاءة خافتة يموت الكلام وتولد الأحلام

وفي تلك الليلة الاستثنائية في قلب القاهرة كان للموسيقى دور آخر في ذاكرة التاريخ

كانت المقدمة الموسيقية الصاخبة التي تتداخل فيها الطبول والدفوف انتظاراً للراقصة الشرقية قد طالت

ومع رعشة الجنون التي أصابت الأضواء الملونة في الملهى الليلي المطل على نيل القاهرة شعر وزير الدفاع السوفييتي أندريه غريتشكو بأن زجاجات الفودكا التي ألهبت جوفه قد تحولت إلى هستيريا من الأمواج المتلاطمة تهدده بالغرق فيها.. ولولا أن إيقاع الموسيقى كان يؤذن ببدء فترة جديدة ويعد بشيء أكثر إثارةً من ذي قبل.. ولولا أن الراقصة المعروفة سهير زكي دخلت وهي تمسك بطرف ثوبها البراق المكشوف لكان المارشال السوفييتي العجوز قد انسحب من المكان...ولربما كان التاريخ في بلادنا قد تغير أيضاً

في تلك اللحظة غير المحسوبة سقط وزير الدفاع السوفييتي في هوى الراقصة المصرية التي لم تكن تعرف هذا الضيف الثقيل الذي يتابعها بعينين مفتوحتين..ولم تصدق المرأة التي تتثنى بقوامها الملفوف وهي التي تكره السياسة وتخشاها ولا تفهمها.. أنها يمكن أن تكون شخصية فاعلة مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط بأسرها في أصعب وأشد أوقاتها حرجاً..بعد هزيمة الخامس من يونيو حزيران عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعة وستين وحتى وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الثامن والعشرين من سبتمبر أيلول عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعين

لم تصدق هذه الراقصة أنها يمكن أن تهز المنطقة هزاً



كانت سهير زكي في ذلك الوقت في ربيع العمر في حين كان المارشال غريتشكو في خريفه.. وحين يلتقي الربيع مع الخريف لا بد أن تهطل الأمطار وتتداخل الفصول. التمعت عينا وزير الدفاع السوفيتي - المولود في السابع عشر من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وثلاثة- وهو يشاهد الراقصة تنساب مع الموسيقى مثل حورية خرجت لتوها من كتاب "ألف ليلة وليلة"..وكأنها تنطق بمقولة "الشرق شرق.. والغرب غرب" حسب شاعر الإمبراطورية البريطانية روديارد كيبلنغ

شرقان..لكن شرق الراقصة كان أكثر جاذبية على الأقل بالنسبة للمارشال العجوز -المولود في بلدة قرب روستوف لأبوين أوكرانيين من المزارعين- الذي اعتدل في جلسته لمتابعة تلك الابتسامة الساحرة وهذا الجسد الذي يجيد فك رموز الموسيقى ويحولها إلى أنوثة مرهفة ورشاقة يسيل لها لعاب كثيرين

وعندما تميل سهير زكي وتنحسر بدلة الرقص عن جسدها البض..كان الرجال يفغرون أفواههم وهم يرون قطعة الملبن تفرد أشرعة اللذة وهي تمنح لإيقاع أغنيات أم كلثوم أو ألحان محمد عبد الوهاب مذاقاً خاصاً ومعنى جديداً عنوانه: فن الرغبة الذي يدفع الرجال إلى التحول إلى هراوات تتشاجر مع الحرمان

كان نهْدُها الملآن شـوقاً يرْتَجّ..يقولُ كلاماً عن جسدٍ غطاه الإيقاعُ‏‏..ويحكي عن بدن يهوى العراء السَّاخِن
والراقصات "لكل حديثٍ عندهن بشاشةٌ وكل قتيلٍ عندهن شهيدُ" كما يقول الشاعر العذري جميل بثينة




في ذلك الوقت كان السوفييت يضغطون على أعصاب القوات المسلحة المصرية بقوة ويماطلون في تغطية أجواء مصر المفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي..حتى إن المشير محمد عبد الغني الجمسي يقول في مذكراته التي تحمل عنوان "حرب أكتوبر عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين" إنه في يناير كانون ثانٍ من عام ألف وتسعمئة وسبعين "أغارت الطائرات الإسرائيلية على مناطق التل الكبير وإنشاص ودهشور وبعض مدن الدلتا.. وفي فبراير وجهت إسرائيل هجماتها الجوية على منطقة أبو زعبل وحلوان.. وكانت الخسائر المصرية في منطقة أبو زعبل حوالي سبعين شهيداً من المدنيين. وفي أبريل أغارت
الطائرات الإسرائيلية على مدرسة بحر البقر حيث استشهد لنا حوالي ثلاثين تلميذاً"

لكن السوفيت ظلوا يواربون مخازن أسلحتهم ولا يفتحونها..ويعطون ما تريده مصر بالقطارة..ودخلت القاهرة وموسكو في مفاوضات سرية وتبادلتا الزيارات السياسية والعسكرية..إلى أن جاء غريتشكو أكثر من مرة. في كل مرة كان يبدو متشدداً متعنتاً متعسفاً..لكن ذلك كله تغير كثيراً في سقط في هوى الراقصة التي كانت الأكثر شهرةً في تلك الأيام

ومن الواضح أن أجهزة الأمن المعنية لم تكن بعيدة عن الصورة بل كانت تتابع باهتمام رحلة سهير زكي إلى قلب غريتشكو.. وراحت مصر تجمع السلاح قطعةً.. قطعة..وراحت الراقصة تجمع أجزاء غريتشكو المبعثرة في الملهى الليلي قطعةً.. قطعة

وفي بداية عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعين وافق السوفييت - كما يقول أمين هويدي في كتابه الموثق "الفرص الضائعة"- على تقديم ثلاث وعشرين كتيبة صواريخ "سام ثلاثة" كاملة بأطقمها وأجهزتها ومعداتها على أن تصل إلى موانيء مصر في غضون شهرٍ واحد وأن تعمل تحت القيادة المصرية لأغراض الدفاع الجوي عن العمق المصري.. إضافة إلى خمس وثمانين طائرة ميغ معدلة بطياريها وخمسين طائرة سوخوي وأربعة أجهزة رادار "بي خمسة عشر" للعمل ضد الطيران المنخفض ورفع كفاءة الإنذار الجوي في شبكة الدفاع الجوي المصري..وعشر طائرات "ميغ واحد وعشرون" لغرض التدريب..بالإضافة إلى توقيع اتفاق للتعاون الفني بين جهازي المخابرات في مجال المعلومات عن إسرائيل



ويتحدث سامي شرف مدير مكتب الرئيس جمال عبدالناصر ووزير شؤون الرئاسة سابقاً في مذكراته التي نُشرت في جزئين عن "موافقة الاتحاد السوفييتي على المطالب المصرية التي تقدم بها الرئيس عبدالناصر للقادة السوفييت في زيارته السرية لموسكو يوم الثاني والعشرين من يناير كانون ثانٍ عام ألف وتسعمئة وسبعين.. تلك الزيارة التي كانت نقطة تحول تاريخية في العلاقات الدولية.. وبصفة خاصة في العلاقات المصرية السوفييتية.. وكان يصحب الرئيس في هذه الزيارة الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة وتولى كتابة محضر الجلسات الدكتور مراد غالب سفير مصر في موسكو في ذلك الوقت.. والمباحثات التي تمت في هذه الزيارة تعتبر من ضمن أهم المباحثات التي جرت في القرن العشرين على المستوى الدولي"

ويضيف سامي شرف قائلاً إنه في نهاية مباحثات عبد الناصر مع القادة السوفييت في الخامس والعشرين من يناير كانون ثانٍ عام ألف وتسعمئة وسبعين.. قال له الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف: "إني أعلن لكم أن القيادة السوفييتية بمؤسساتها توافق بالإجماع على تنفيذ مطالبكم كاملة.. وقد فوضنا المارشال غريتشكو لتولي المسؤولية.. فنرجوكم اقتراح من ترونه من جانبكم للبدء فورا في بحث التفاصيل".. فرد عبد الناصر قائلاً: "إن الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة هو الذي سيتولى من جانبنا بحث وسائل التنفيذ لما اتفقنا عليه"

وهكذا تم تنفيذ كل ما اتفق عليه الجانبان من ناحية الإمدادات.. ومن ناحية التوقيتات التي حددت بين الطرفين. وتمكن الفريق أول محمد فوزي ومعاونوه من استكمال تجهيز المواقع الأساسية لشبكة الصواريخ قبل الثامن من أغسطس آب عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعين..وأصبحت إسرائيل تواجه شبكة كاملة من الصواريخ المصرية حيث لم تتوقع كما لم تتوقع واشنطن أيضًا أن تتمكن مصر من القيام بهذا العمل في هذا الوقت الضيق.. وقبل سريان إيقاف إطلاق النار

إن من السذاجة أن ننسب الفضل في ذلك كله إلى ضعف قلب غريتشكو أمام الراقصة التي وصفها الرئيس المصري أنور السادات يوماً بأنها "أم كلثوم الرقص"..لكن من الواقعية الشديدة ألا ننكر تأثير ذلك أيضاً

إن أمين هويدي -الذي كان في ذلك الوقت رئيساً للمخابرات العامة - يدلل على ذلك بمثالٍ آخر..أهم
لقد أصر السوفييت على أن تكون تحركات قواتهم القادمة من بلادهم إلى مصر سريةً.. ولكن المفاجأة حدثت عند عبور السفن السوفيتية التي تحمل القوات والمعدات المتفق عليها مضيق الدردنيل..فقد عبرته نهاراً والأفراد يحيون من تقع أنظارهم عليه على الشواطيء..وإذاعات العالم ووسائل الإعلام تتابع بشغفٍ هذا المنظر الفريد. وأصرت السفن على دخول ميناء الإسكندرية في وضح النهار.. وأن يجري التفريغ تحت ضوء الشمس..وأن تشق شوارع القاهرة نهاراً..ولم يكن ذلك ما هو متفق عليه

ولن نشعر بالدهشة بعد ذلك لو عرفنا أن غريتشكو - الذي زار مصر مرتين عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعين: الأولى بين الثامن عشر والحادي والعشرين من فبراير شباط والثانية بين الرابع عشر والسابع عشر من مايو أيار- وجّه للراقصة التي وقع في هواها دعوةً رسمية لزيارة موسكو..وعندما هبطت العاصمة السوفيتية فوجئت بمظاهر الترحيب والاهتمام التي لا يحظى بها عادةً بعض زعماء العالم الثالث..ووجدت نفسها تدخل الكرملين مقر الحكم والنفوذ على سجادةٍ حمراء


أما في القاهرة فلم يُنشر سوى خبر في إحدى المجلات الفنية المتخصصة على لسان سهير زكي يتحدث عن استعدادها للسفر إلى موسكو للمشاركة في تصوير مشروع سينمائي..مشروع تبخر الحديث عنه سريعاً

عرفت سهير زكي عبد الله - المولودة في الرابع من يناير كانون أول عام ألف وتسعمئةٍ وخمسة وأربعين- طريقها إلى قلب وزير الدفاع العتيد الذي لم يستطع أن يرفض مطالب "طبق الجيلي" - وهو اللقب الأثير إلى قلب سهير زكي- فالقلب له أحكامه..ولم يكن لها طلبات خاصة إنما كانت طلباتها تتعلق بتسليح الجيش المصري بعد الهزيمة

سهير زكي التي قالت يوماً إنه "مفيش راجل في الدنيا يعطي من غير ما يطلب الثمن" لم تنس يوماً قسوة الأب زكي عبد الله الذي تركها وهي جنين عمره شهران في بطن أمها..فكانت تردد دائماً عنه "عمري ما شفت منه غير القطيعة والأسية..وكنت أقول لنفسي إذا كان ده أبويا..يبقى الرجالة إيه"!
لم تدخل سهير زكي مدرسةً لكنها عاشت في مدرسة الحياة وعرفت أن "القرش هو لغة الحياة"؛ 
ولا بد للإنسان أن يجيد هذه اللغة.. أو يضيع


وفي كتابه "المثقفون.. وجوه من الذاكرة" يستحضر الروائي سليمان فياض حواراً موجعاً دار في كواليس إذاعة القاهرة بمبناها العتيق..بين الدكتور محمد مندور عميد النقد الأدبي العربي الحديث وبين الراقصة سهير زكي حين اكتشف أن دخلها الشهري يربو على ثلاثين ألف جنيه بجنيهات الخمسينيات.. ليضرب كفاً بكف قائلاً: لقد ضَيَّعتُ عمري في الورق والقلم يا سهير

كانت سهير زكي رمزاً لحالة رقص سياسية مهمة في تاريخ مصر.. فهي الراقصة التي رقصت في أفراح أبناء الرئيس جمال عبدالناصر الذي تابع رقصاتها بنفسه في أثناء حفل زواج ابنته هدى..فقال لها: "رقصك جميل يا أم شعر طويل".. يومها أصرت على أن تأخذ أجرها كاملاً



كما رقصت سهير في قصر شاه إيران وأمام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة والرئيس الأمريكي سابقاً ريتشارد نيكسون الذي أطلق عليها لقب "زغاريط" حين علم أن الكلمة تعني الزغاريد التي تترافق عادةً مع البهجة والأفراح. وذات يومٍ تساءلت سهير زكي أمام صحفي روسي قائلةً :"مش عارفة ليه لا تدعوا الراقصات المصريات لعرض فنهن على الشعب الصديق؟!"..وقد كان

أطلق عليها كثيرون ألقاباً براقة..لكن عبد الحليم حافظ أسماها "الشيخة"؛ لأنها رفضت عروضه المغرية للرقص في الكويت وبيروت وإمارات الخليج. وقد اعتادت سهير أن تصوم وتصلي في شهر رمضان..لكنها ترقص أيضاً في رمضان بين صلاة العشاء وصلاة الفجر..وتقول: هذه نقرة..وهذه نقرة

اللقاء الذي جرى بين سهير زكي والمارشال غريتشكو -الذي احتفظ بمنصبه كوزير للدفاع حتى وفاته في الرابع والعشرين من أبريل نيسان عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وسبعين- فتح صفحةً جديدة من كتاب العلاقات المصرية -السوفيتية خاصةً على صعيد التعاون العسكري..والدور الذي لعبته تلك الراقصة التي لا تزيد صلتها بعالم السياسة على بطاقة عضوية في الاتحاد الاشتراكي مُنِحت لها ذات يومٍ..غيرّ كثيراً من خريطة الأحداث السياسية في مصر والمنطقة

إن الحظ الذي قاد ابنة المنصورة التي عرفت الشهرة في الإسكندرية أولاً إلى ليالي القاهرة الساهرة مروراً ببرنامج "أضواء المسرح" ووصولاً إلى أكثر من خمسين فيلماً شاركت فيها كراقصة وممثلة..هو نفسه الحظ الذي جعلها تخطف قلب وزير الدفاع - وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي- الذي استسلمت كل حصونه من أول طلقةٍ أطلقتها عليه عيناها في تلك الليلة الاستثنائية في أحد الملاهي الليلية التي تنام على ضفاف النيل

كان غريتشكو القائد العام لقوات حلف وارسو طوال سبع سنوات..بين عامي ألفٍ وتسعمئةٍ وستين وألفٍ وتسعمئةٍ وسبعة وستين.. لكن القائد استسلم بسهولة لراقصة..ربما لأن المعركة كانت في ملعبها..ولم تكن في ساحته


قصة مجهولة.. ربما.. لكن تفاصيلها تسربت من أحد المقربين من وزير الحربية سابقاً الفريق أول محمد فوزي، الذي كتب مذكراته المهمة تحت عنواني "

"حرب ثلاث السنوات: 1967-1970" و"استراتيجية المصالحة"..وجرى التحقق من مدى دقتها من رجلٍ كان مسؤولاً في تلك الأيام..وكانت مسؤوليته تتيح له أن يعرف ما فوق السطح..وما تحت الأرض. أما المقصود فهو مدى الضغوط التي كان يمارسها السوفييت على مصر والتي وصلت إلى الراقصات في الكباريهات

لم يكن هناك في مصر من لم يدفع الثمن.. فالهزيمة كانت بالجملة والتقسيط

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

41 التعليقات على "وزير الدفاع..في طبق الجيلي"

أكتب تعليقا