أحاديث التليفون التي هزت مصر: 3

| |


ننتقل إلى حرب أكتوبر تشرين أول عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثة وسبعين..أو حرب العاشر من رمضان كما يسميها آخرون

ففي أعقاب هذه الحرب والخلافات التي وقعت بين الفريق سعد الدين الشاذلي من جهة والرئيس المصري أنور السادات ووزير الحربية أحمد إسماعيل من جهة أخرى..وفي الثاني عشر من ديسمبر كانون أول من العام نفسه اتصل أحمد إسماعيل بالفريق الشاذلي وطلب لقاءه في مكتبه بالوزارة حيث أبلغه بأن السادات قرر إنهاء خدمته كرئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية وأصدر قراراً جمهورياً بتعيينه سفيراً في وزارة الخارجية..فاعتذر الشاذلي عن منصب السفير



ويقول الشاذلي في مذكراته "حرب أكتوبر" إنه في الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة مساءً "رن جرس الهاتف وكان المتحدث هو اللواء (آنذاك) حسني مبارك.. فقال لي إنه يريد أن يقابلني لأمرٍ مهم..لم أكن أعرف إذا كان قد علم بخبر إقالتي أم لا..فحاولت أن أؤجل المقابلة إلى الغد على اعتبار أنه إذا لم يكن يعرف الآن فسوف يعرف غداً وينتهي الموضوع..ولكنه أصر على المقابلة. قلت له: "لا داعي لهذه المقابلة حيث إني لم أعد رئيس أركان حرب القوات المسلحة"..فأجاب "أنا أعرف ذلك..ولذلك أريد أن أقابلك..إني أحمل رسالة لك من السيد الرئيس".. فأجبت: أهلاً وسهلاً"

كانت رسالة السادات التي نقلها مبارك إلى الشاذلي تحمل في مضمونها محاولة لإقناع الأخير بمنصب سفير مصر في لندن.. ولكن الشاذلي ظل مصراً على موقفه وقال لمبارك: "إذا كان الرئيس يعرض عليّ هذا المنصب مكافأةً لي فأرجو إبلاغه شكري واعتذاري عن قبول المنصب.. وإذا كان هذا المنصب عقاباً لي فلنضع النقاط على الحروف ولنناقش هذا الموضوع بطريقة علنية..لن اقبل هذا المنصب ولن يستطيع أحدٌ أن يرغمني على قبوله"

في صباح اليوم التالي - الثالث عشر من ديسمبر كانون ثانٍ- ظهرت الصحف وهي تحمل نبأ تعيين محمد عبد الغني الجمسي رئيساً للأركان من دون أي ذكرٍ لمصير الشاذلي..حتى وافق على تعيينه سفيراً لمصر في لندن

وفي كتاب "حقبة غامضة من التاريخ المصري" الذي كتبه فلاديمير فينوغرادوف آخر سفراء موسكو في القاهرة قبل تدهور العلاقات بين البلدين إثر طرد الخبراء السوفييت من مصر..يقول فينوغرادوف عن حرب أكتوبر تشرين أول عام ألفٍ وتسعمئةٍ وثلاثة وسبعين: "وفي الساعة الثانية بعد الظهر تقريباً رن جرس التليفون العادي..طلبت من السكرتيرة فافي غولنيراد أن ترد على الطالب..لكن اتضح أنه السادات..تشككت في الأمر فكيف بالرئيس أن يتصل بالتليفون العادي؟..وتناولت سماعة التليفون وإذا بي أسمع صوت السادات مبتهجاً:" سيادة السفير إننا الآن على الضفة الشرفية للقناة..وقد ارتفعت عالياً في سمائها الأعلام المصرية..لقد عبرنا القناة"


وفي كتابه "السلاح والسياسة" عن حرب أكتوبر تشرين أول عام ألفٍ وتسعمئة وثلاثة وسبعين يقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل إن السادات تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس السوفييتي آنذاك ليونيد بريجنيف وتولى المترجم السوفييتي ترجمة تهنئة بريجنيف للسادات بهذا الانتصار العسكري الكبير.. وحين قال المترجم إن بريجنيف يأمل بإذن الله في أن تحقق مصر أهدافها من وراء حرب أكتوبر تشرين أول عام ألفٍ وتسعمئة وثلاثة وسبعين..علق السادات ضاحكاً: "الله..هو بريجنيف بقى بيقول زينا بإذن الله"!


استثنائية - على الأقل في ظروفها ومضمونها- تلك المكالمة الهاتفية التي جرت بين جيهان السادات قرينة الرئيس المصري أنور السادات مع ابنها جمال وهي في المستشفى تحاول متابعة حالة السادات بعد إطلاق الرصاص عليه في حادث المنصة في السادس من أكتوبر تشرين أول عام ألفٍ وتسعمئةٍ وواحد وثمانين.. إذ يرد في كتاب عادل حمودة "اغتيال السادات" أن جيهان قالت لابنها جمال: "جمال سوف أقول لك أمراً غاية في الأهمية ويجب ألا يظهر على ملامح وجهك أي انفعال يراه أحدٌ من المحيطين بك..لأن المسألة لا بد أن تظل سراً في الوقت الراهن.. إنهم أطلقوا النار على أبيك..ويجب أن تعود فوراً"

وعقب هذه المكالمة اتصل جمال السادات بالسفارة المصرية في واشنطن لترتيب عودته.. واتصل بالسفارة المصرية في لندن لتحضير أحد جراحي القلب ليأخذه معه متصوراً أن الإصابة هينة..لكن الأنباء سرعان ما كشفت عن أن السادات قد لفظ آخر أنفاسه نتيجة حادث المنصة

وبعد هزيمة الخامس من يونيو حزيران عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعة وستين وبالتحديد في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الخميس الثامن من يونيو حزيران اتصل الرئيس المصري جمال عبد الناصر هاتفياً بهيكل في مكتبه في مؤسسة "الأهرام" الصحفية..يقول هيكل في كتابه "حرب الثلاثين سنة: 1967 الانفجار" إن صوت عبد الناصر بدا لأول وهلةٍ على التليفون مثقلاً بهموم الدنيا كلها. وسأل عبد الناصر هيكل عما يقترح عمله فكان رأي هيكل أنه لم يبق أمامه غير الاستقالة وكان رد الرئيس المصري بالحرف: "غريبة..هذا ما فكرت فيه تماماً"..وكان رد هيكل أنه ليس هناك خيارٌ آخر..وكان تعليق عبد الناصر بالموافقة




وانتقل الحديث إلى بعض التفاصيل مما جرى بين عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر داخل مكتب الأخير ابتداءً من تهديده بالانتحار إلى الاتفاق على اختيار شمس بدران رئيساً مؤقتاً للجمهورية بعد إعلان عبد الناصر استقالته..وكان كل تفصيل من تفصيلات ما جرى على حد وصف هيكل "جرحاً يصيب القلب والعقل معاً"

ثم سأل عبد الناصر هيكل في نهاية الحديث عما إذا كان يستطيع -وكجهدٍ أخير- أن يكتب له خطاب استقالته للأمة بحيث يلقيه في اليوم التالي (الجمعة التاسع من يونيو حزيران)..وقال هيكل: "إنني سوف أسهر طوال الليل..وهي مهمةٌ لم أكن أتمنى في حياتي أن يُعهد إلي بها..ولكنني أقبلها عارفاً بمسؤولية الظروف"

وفي الحديث الهاتفي الأخير بين جمال عبد الناصر وهيكل كما ورد في صحيفة "الأهرام" عدد التاسع والعشرين من سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئةٍ وسبعين دق جرس التليفون في مكتب هيكل..وجاء صوت عبد الناصر متعباً فأعاد عليه الكاتب الصحفي حديث الإجازة..فرد عبد الناصر بأنه سوف يستريح بعد وداع أمير الكويت صباح السالم الصباح. سأله هيكل عما يشعر به فقال عبد الناصر: أجد نفسي غير قادرٍ على الوقوف

هيكل: هل رأيت الطبيب؟
عبد الناصر: كان عندي الدكتور الصاوي وأجرى رسماً جديداً للقلب.. وقال لي: إن كل شيء كما هو
هيكل: آلام الساق.. أما من دواء لها؟
عبد الناصر: سوف أضع قدمي في ماءٍ دافيء به ملح..وأظن أن الألم سوف يتحسن..هو طول الوقوف فيما أعتقد!

وعاد هيكل ليلح في حديث الإجازة واقترح عليه الذهاب إلى مدينة الإسكندرية..فقال عبد الناصر: لا أستطيع الذهاب متعباً بهذا الشكل..سوف أنام هنا يوماً كاملاً..وبعدها أفكر في الذهاب إلى الإسكندرية

ومن المكالمات الهاتفية نذكر أيضاً الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري من صلاح نصر مدير المخابرات العامة ليلة الخميس الثامن من يونيو حزيران عام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعة وستين.. ويروي د. عكاشة في مذكراته أنه في ساعة متأخرةٍ من تلك الليلة اتصل به صلاح نصر وأبلغه أن المشير عبد الحكيم عامر قد عقد العزم على الانتحار..ورجاه لما يعرفه عما كان بينه وبين عامر من ودٍ قديم أن يسرع إليه عسى أن يثنيه عما اعتزمه

ويجب ألا ننسى أيضاً الاتصال الهاتفي الذي أبلغ فيه عبد الناصر أنور السادات بأن المشير قد انتحر. ويقول السادات في كتاب "البحث عن الذات: قصة حياتي" ما يلي: "في مساء الخميس الرابع عشر من سبتمبر سنة ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعة وستين.. تناولت طعام العشاء ورأسي ما زال مشغولاً بلقاء الجمعة (كان السادات سوف يلتقي بالمشير عبد الحكيم عامر يوم الجمعة لنصحه بالتصالح مع عبد الناصر)

فإذا بجرس التليفون يدق وعبد الناصر يتكلم
قال: أنور
قلت: أيوه يا ريس خير
قال: أنور
وسكت لمدة دقيقة..دهشت
فقلت: جمال..أنت على الخط
قال: آه
قلت: أمال سكت ليه؟ فيه إيه؟
قال: عبد الحكيم عامر انتحر ومات الساعة السابعة مساءً وبلغوني دلوقت من المعتقل
قلت: والله إذا كان ده حصل فعلاً يبقى ده أحسن قرار اتخذه عبد الحكيم كقائد خسر معركة..لأني لو كنت مكانه كنت عملت كده يوم الخامس من يونيو"



وفي حادث الرابع من فبراير شباط عام ألف وتسعمئةٍ واثنين وأربعين..هدد السفير البريطاني مايلز لامبسون الذي نال لقب اللورد كرومر فيما بعد بأنه في حالة عدم رد الملك فاروق حتى السادسة مساءً بردٍ مرضٍ يقبل فيه إسناد مهمة تشكيل الحكمة إلى زعيم الوفد مصطفى النحاس..فإن بريطانيا ستتخذ الإجراءات اللازمة ضد فاروق. وفي أثناء اجتماع عابدين لمناقشة الإنذار البريطاني طالت المناقشات ونبّه أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي إلى أن ميعاد السادسة اقترب..ثم اتصل بالسفير البريطاني وأجلّ الرد ربع الساعة..وبالتالي أخرّ لامبسون لقاء فاروق إلى التاسعة مساءً..انتهى المجتمعون إلى رفض الإنذار البريطاني


لكن حصار الدبابات البريطانية للقصر الملكي وتهديدات السفير البريطاني للملك فاروق أديا في نهاية الأمر إلى إذعانه للمطلب البريطاني وتكليفه مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة..وهو ما يرد ذكره بالتفصيل في كتاب "فاروق وسقوط الملكية في مصر" للدكتورة لطيفة محمد سالم

وكم سقطت حكومات وخضع حكام..بمكالمةٍ هاتفية من عواصم صنع القرار..الخارجية طبعاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "أحاديث التليفون التي هزت مصر: 3"

أكتب تعليقا