أحاديث التليفون التي هزت مصر: 2

| |



للاتصالات بين الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل والرئيس المصري أنور السادات مذاق مختلف


ربما يعود السبب في ذلك إلى أنه لم تكن هناك ندية - أقرب إلى الاختلاف منها إلى الاتفاق- بين صحفي ورئيس مثلما كانت بين الاثنين


كانت الاتصالات الهاتفية بين الاثنين تحمل باستمرار معنىً خاصاً وأهمية معينة لأنها كانت تجري عادة في ظروفٍ دقيقة وحساسة من تاريخ مصر..فبعد اتفاقية فك الارتباط الثاني جاء وزير الخارجية المصري آنذاك إسماعيل فهمي إلى كابينة هيكل في الإسكندرية وكان الوقت صيفاً..وأبلغ الكاتب الكبير بأن هناك هجوماً شديداً على الاتفاقية وأن السادات يطلب من هيكل أن يتولى الرد على هذا الهجوم..فسأل هيكل: هل هناك تعهدات سرية فرد إسماعيل فهمي بالنفي


وقبل أن ينصرف الأخير رن جرس الهاتف..وكان فوزي عبد الحافظ سكرتير السادات..وقال لهيكل: "الرئيس عاوزك"..ثم جاء صوت السادات طبيعياً وكأن شيئاً لم يكن

قال السادات: أيوه يا محمد..إسماعيل جالك؟
هيكل: مازال عندي
السادات: أنا مش عايز حد يدافع عني أنا أقدر أدافع عن نفسي..لكن مصر بتتهاجم يا محمد وعايزك تدافع عنها
هيكل: بالأمس كنت في فندق فلسطين..وقابلت بالصدفة جوزيف سيسكو (الذي شغل مناصب عدة من بينها منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا..تولى توجيه السياسة الخارجية الأمريكية في أثناء حرب أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وواحد وسبعين والمفاوضات المصرية الإسرائيلية في عام ألف وتسعمئةٍ وأربعةٍ وسبعين) وتناقشت معه فيما قرأته في "هيرالد تريبيون" عن البنود السرية..وسيسكو قال إنها موجودة..وإسماعيل فهمي نفاها

السادات: مفيش حاجات سرية
هيكل: لكني قرأت عنها في "التريبيون"
السادات: محمد...هل ستصدقني أم ستصدق "التريبيون"؟
هيكل: أصدقك أنت.. لكن الحقيقة أنا محتار
السادات: بلاش بلبلة..حتكتب ولاّ مش حتكتب؟! أنا بأسأل سؤال واضح ومش عايز فيه بلبلة..حتكتب..ولاّ مش حتكتب؟!
هيكل..لا..مش هأكتب
السادات: إن شاء الله عنك ما كتبت

ووضع السماعة




وبعد أحداث الثامن عشر والتاسع عشر من يناير كانون ثانٍ عام ألف وتسعمئة وسبعة وسبعين.. كان هيكل في بيته الريفي في برقاش حين استدعاه رئيس مجلس الشعب آنذاك سيد مرعي. وفي الصباح التقى هيكل مع مرعي في حضور الدكتور مصطفى خليل..وبعد قليل جاء حسن مرعي يطلب من سيد مرعي الذهاب إلى حجرة المكتب لأن السادات يريد أن يحادثه على الهاتف..ثم طلب من هيكل أن يلحق بسيد مرعي..وكان الأخير يشرح للرئيس المصري وجهة نظر هيكل التي رددها أمامه قبل قليل..ثم أعطاه سيد مرعي السماعة وجرى بين هيكل والسادات الحوار التالي

هيكل: أهلاً يا فندم..أتمنى ألا تكون متضايقاً
السادات: هو ده ما كنت أقوله لك دائماً يا محمد
هيكل: إيه هو؟
السادات: مراكز القوى أهم اتحركوا
هيكل: اعمل معروف..لا داعي لاستدعاء أشباح نسيناها
السادات: لا..لا.. يا محمد

وبدأ هيكل يشرح وجهة نظره الاجتماعية في تفسير المظاهرات..وبعد أن انتهى قال له السادات: ما فهمتش حاجة..أنت جرالك إيه..صديت؟!
................

السادات: عايزك تفكر..وحنتكلم

ثم جرى اتصال هاتفي آخر بين السادات ووهيكل حاول الأخير في أثنائه إقناع السادات بأن الأزمة اجتماعية. في اليوم التالي عندما تبادل الرئيس المصري والكاتب الصحفي الحديث هاتفياً بدا السادات قريباً من وجهة نظر هيكل..كان ذلك في العاشرة صباحاً..ولكن بعد اجتماع السادات مع مجلس الأمن القومي المصري اتصل به الرئيس المصري قائلاً:
محمد..أنت عايزني أصدقك وأكذب اللي شايفه قدام عيني
هيكل: اللي هو إيه؟
السادات: مؤامرة مفيش شك.. فيها شيوعيين والروس وكله وأنا مش واخد بالي..أنا حأضرب..فكرت..فكرت يا محمد؟ هيكل: لقد قلت إن القضية قضية تشخيص.. والتشخيص هو الذي سيحدد العلاج..أما وقد وصلت إلى تشخيص أنا غير مقتنعٍ به إذاً الحل ليس بيدي وإنما بيد صاحب التشخيص
السادات: أنت عايز تفرض عليّ رأيك؟
هيكل: لا طبعاً..لكن أنا بأقول إن أحسن من يخدم سياسةً ما هو من يقتنع بدواعيها..أنا غير مقتنع بأنها مؤامرة..أنا مقتنع أنها انفجار اجتماعي..وإذا كان رأيي سليماً يبقى العلاج اجتماعي..وإذا كان التشخيص أنها مؤامرة يبقى العلاج بالضرب..وأنا لا أدخل في الضرب..فهو ليس من اختصاصي
السادات: وأنا كنت متصور أنك ستكتب الكلام الذي سأقوله
هيكل: إذا كنا مختلفين..فكيف سأكتب؟
فرد السادات وقد استبد به غضب مفاجيء: طيب..شاكر يا محمد..كتر خيرك

ومن المكالمات الطريفة التي جرت بين السادات وهيكل تلك المكالمة التي دارت وقائعها في الخامس من أبريل نيسان عام ألف وتسعمئةٍ وواحدٍ وسبعين..وجرى في جزءٍ منها الحوار التالي

السادات: يا باي يا محمد..بس لو يصدقوا الأمريكان..هما غايظني. وبعدين النهارده كان يوم صعب كله سفراء..شفت سفير إيران بعثت له للشاه (شاه إيران محمد رضا بهلوي) يعني النهارده قلت له يتحرك تاني..هو كان اتحرك في المرة اللي فاتت..قلت له لأ اتحرك تاني
هيكل: بعثت له شعراً ولاّ نثراً؟

كانت تلك إشارة إلى صدامٍ بين الشاه والسادات حين كان الأخير نائباً للرئيس وذلك في قمةٍ جمعت بينهما في الرباط في إطار المؤتمر الإسلامي..إذ أبدى الشاه في هذا الاجتماع ملاحظةً عقّبَ عليها السادات ببيت شعرٍ فارسي..لكن شاه إيران قال إنه لم يفهم كلمةً واحدةً مما قاله السادات


السادات: حأعمل إيه يا محمد؟ قلت للسفير النهارده أنا حأبعث للشاه رسالة نصها الفوقاني عربي ونصها التحتاني فارسي عليها علامة على أننا حضارة واحدة ومصير واحد. بعد كده جه السفير الإنجليزي كان بيسلم رسالة من هيث (إدوارد هيث رئيس وزراء بريطانيا آنذاك) وبعدين جالي السفير الأفغاني.. كان جايب عينات رخام من الضريح بتاع جمال الدين الأفغاني..ده ضريح صممه ظاهر شاه (ملك افغانستان آنذاك) بنفسه وأنا سنة خمسة وخمسين هناك الملك وراني التصميم اللي هو عمله وقال لي حنفذه..واتنفذ..فبعث لي بقى صورة للموقع كله..والشارع اللي قدام الضريح مباشرة وفي وسط جامعة كابول سموه شارع جمال عبد الناصر. الرخام الأفغاني طبعاً أنت عارف أحسن رخام في العالم بعتولي النهارده خمستاشر عينة وبيقولوا بقى إيه؟ إنهم عاوزين يشتركوا في ضريح الريس برخام أفغاني فبعتوا العينات..فأنا قلت للجماعة ابعتوه للست والولاد يشوفوه (يقصد حرم الرئيس المصري جمال عبد الناصر وأولاده)



هيكل: طيب والله دي حاجة ظريفة..رخام وجوابات نصفها عربي ونصفها فارسي

السادات: يعني حأعمل إيه يا محمد..ما أنا بألعب بالبيضة والحجر

وكان السادات في نظر كثيرين رجلاً يهوى بالفعل اللعب بالبيضة..والحجر


حتى حكاية "ثورة التصحيح" - أو "انقلاب مايو" كما يسميه خصومه- التي قام بها السادات في الخامس عشر من مايو أيار عام ألف وتسعمئةٍ وواحد وسبعين بدأت - كما يرد في أغلب الروايات- بمكالمات هاتفية..إذ يقول هيكل في كتابه "خريف الغضب" إنه بعد منتصف ليلة الحادي عشر من مايو أيار عام ألف وتسعمئةٍ وواحد وسبعين وصل إلى بيت السادات ضابط شرطة يعمل في إدارة الرقابة على التليفونات بوزارة الداخلية المصرية..وكان يحمل معه مجموعة من الأشرطة المسجلة تكشف بوضوح أن كل تليفونات الرئيس السادات كانت موضوعة تحت الرقابة. لم يكن تليفونه هو تحت الرقابة ولكن الرقابة وضِعَت علىتليفونات جميع الذين يتصل بهم من دون استثناء..وبالتالي فقد كان السادات نفسه تحت الرقابة الكاملة ولإن لم يوضع تليفونه هو بالتحديد في كشف المراقبات

وهكذا شن السادات حملةً ودخل في مواجهةٍ مع من أسماهم "مراكز القوى"..وكانت النتيجة المعروفة بموجة من الاستقالات والإقالات والمحاكمات لوزراء وعسكريين مرموقين ورجالات دولةٍ من الوزن الثقيل

ويقول السفير السوفييتي الأخير في مصر فلاديمير فينوغرادوف في كتابه "حقبة غامضة من التاريخ المصري" إنه بعد أحداث الخامس عشر من مايو أيار عام ألف وتسعمئةٍ وواحد وسبعين التقى محمد حسنين هيكل فأبلغه بأن السادات قد أسمعه شريط تسجيلٍ لمحادثةٍ تمت بين السفير السوفييتي وبين سامي شرف في التاسع من مايو أيار عام ألف وتسعمئةٍ وواحد وسبعين..فسأل فينوغرادوف هيكل عن مضمون الحديث المسجل فقال هيكل: "قال سامي شرف لك إن مواقف السادات لم تعد مفهومة وإنه عازم على التفاهم مع الأمريكان..ولم يعد معروفاً ما سوف يقدم عليه بعد ساعةٍ أو ساعتين..وأخيراً سألك: ما العمل الآن معه؟".. فلما سأله فينوغرادوف عن رده على سؤال سامي شرف ابتسم هيكل قائلاً: "كان ردك أن هذه ليست قضيتك وقلت لسامي شرف "السادات هو رئيسكم ويجب الالتفاف حوله وتعضيده للحفاظ على وحدة الإرادة داخل القيادة السياسية في البلاد"

وأضاف هيكل قائلاً إن السادات بعد أن استمع إلى هذه الفقرة من التسجيل ضرب كفاً بكفٍ -طبقاً للعادة العربية- قائلاً: "يا سلام..أفلت السفير بينما كان على شفا الحفرة"..سأل فينوغرادوف هيكل قائلاً:" ماذا تعني كلمة أفلت؟ ماذا كان الرئيس السادات يتصور أن تكون إجابتي على هذا السؤال؟"..قال هيكل: "ربما كان السادات تواقاً إلى الزج بالاتحاد السوفييتي والربط بينه وبين المتآمرين"

وهكذا أفلتت الفرصة "المسجلة" من بين يدي السادات..مثلما أفلتت فرص كثيرة أخرى من بين يديه

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "أحاديث التليفون التي هزت مصر: 2"

أكتب تعليقا