مثل سيفٍ لا ينطفئ

| |


ولما كانت التدوينة المئة..حلت الذكرى الأولى لهذه المدونة

رحلةٌ تبدو لي طويلةً لكنها ممتعة
اقتسمنا خلالها المرارة والتعب الشهي.. ونمنا مع إطلالة الفجر العصي
مستنا نارُ الصالحين
تكلمنا بهاماتٍ عالية يغطينا غبارنا الذهبي.. نزعنا بجرأةٍ الحراب المنغرسة في دمائنا.. وعلى جناح الحرية اخترنا القمم العالية: الصدق
والصدق يقين
ألقينا التحية على الآخرين من دون ارتباك.. مددنا اليد الواثقة إلى الجميع وضغطنا على الأكف.. احتضناهم جيداً كأصدقاءٍ قادمين من مدن الملح..ونشرناهم في دمائنا باقاتٍ من ضياء كالعناوين التي تعرف أصحابها
البعض يمسك بجمر السنوات.. يقيدها كي يظل مدى الدهر طفلاً
لكننا لم نفعل..فقط فتحنا صدورنا للريح وحاولنا تعلم منطق الطير وحرفة الغناء وكنوز الفطنة..أغدقنا على تلالِ الحنينِ بهجةَ الارتقاءِ..وعرفنا خرائط النجوم ودروب المحبة كي نوزع الصدق مثل كعكة عيد الميلاد على أحباء ترزح صدورهم تحت ألغاز جسيمة
أحدهم ريحٌ شافيةٌ من الحمى.. إحداهن توشحت بالأخضر والغيم
أحدهم غادرنا والتحف بالغياب.. إحداهن تختلس النظرات وتأمل ألا يراها أحد
كلماتنا كانت تمشط بيوتاً وقلوباً أرهقها التعب..ثم تعود إلي ليلاً لتكشف عن أسرارها المبهمة..قبل أن تتحول إلى قناديلَ زيتُها حوارنا المستنير
قناديل تقاوم العتمة وتضيء الطريق لي..ولكم
والتاريخ يا أصدقائي مثل ريح الخريف المذهبة..يسحب في عبوره الأوراق والرماد..وحدها الذاكرة تنحاز إلى الوعي وتقاوم متاهة الحقائق وانحلال روايات الشهود.. مثلَ سيفٍ لا ينطفئ

يقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي إن "المكان إذا لم يكن مكانة لا يُعول عليه"
هكذا فتحنا تحت باب المحروسة ملفاتٍ عدة..تصفحنا "كتاب الموتى" عن الحوادث والكوارث التي يدفع ثمنها ضحايا أبرياء..انتقدنا ظاهرة "أسماء الشوارع..واغتصاب الذاكرة".. وأضفنا إلى القاريء كثيراً مما قد يجهله عن أسرار "السلطة في غرفة نوم البيزنس".. وقلنا بصراحةٍ: "كل خيبةٍ وأنتم طيبون"..واستعدنا ذاكرة أحداث فارقة في سلسلة "ربع قرن على اغتيال السادات".. وتدوينتيّ "أحداث أسيوط: الانتفاضة العاطفية"..وحكينا عن "اعتذارات مدفوعة الأجر" لرجال السياسة وإعلانات الفنانين الاعتذارية..وتكلمنا عن الانهيار ونماذجه..من انهيار الزعماء إلى القادة العسكريين ومسؤولي الأمن.. وصولاً إلى "انهيار المجتمع: فيلم الموسم"

ولأن مصر تخرج العصافير من أكمام قميصها بلا أدنى جهد وتترك في إثر خطاها ما يشبه الحديقة.. فقد كانت إدانتنا جليةً لما أسميناه: "تراث الدقشرمة"..وصرخنا بأعلى صوتنا: "سعيد مهران: لا تسلم نفسك".. قائلين بوضوح لا يقبل المساومة إن "دعاة الاستسلام لا يتذكرهم أحد.. هم مجرد أبواق تطالب بالتخلي عن كل شيء وأي شيء بدعوى أن "المكان كله محاصر". وفندنا أكاذيب الإعلام الرسمي المضلِل في "قرب القاع: الدولة الغائبة". كما ناقشنا عبر تدوينتين ملفاً مهماً أسميناه: "حكايات المصريين المغتربين مع أهل الزُنبة والإسفين".. ليعرف الناس أن لكل شيء سبباً

لم يختفِ الوطن الأكبر بين الظلال.. كان حاضراً بقوة
وفي الرحلة فتحنا ملف العراق الذي يتأرجح الآن على أرجوحة الطائفية..وأكدنا أن "الجثث التي تنام الآن "على وسادةٍ من نار.. لا بد أن تنجب بالضرورة حرائق العنف والخراب "
وحذرنا عقب إحدى المجازر الإسرائيلية على قطاع غزة من أن "بيت حانون قد تكون الطريق إلى بيوتنا
لكن..لا عرب هنا الآن ليمسحوا الدمع أو يحموا التراب"

"الوارثون" هم الخطر القادم

كانت هذه صيحتنا التي خلصنا فيها إلى حقيقة نسيها البعض في عالمنا العربي وهم يهتفون للزعيم الخالد ونجله الواعد

"الشعوب الحرة تختار من توليه أمرها بوعيٍ وإرادة ووفق أسلوب ديمقراطي نزيه.. ولا ترضى بأن تتحول إلى ياء
نسب على لسان الحاكم.. ولا تقبل أن تصبح إرثاً ينتظر صاحبه
وما أدراكم من الوارثون هذه الأيام"
لبنان محطة يتوقف فيها القلب وتستدعي الذاكرة صورها من الألبوم
قلنا لصديقةٍ في أثناء القصف الإسرائيلي على لبنان

"إن أحزاننا يا سيدة الشمس مربوطة إلى بعضها البعض بخيطٍ غير مرئي

والدموع يا سيدتي لا تأتي من المنديل"

بعد مجزرة قانا الثانية حمل النهر الصورة الشرسة للقتلة منعكسة في مياهه الأشد حلكةً.. فكان النشيج

"لم يكن هناك ضوء يا رباب
فقد سرق الإسرائيليون نور النهار
وباع"الأشقاء" كل شموع الكون..ليتساوى القاتل والمتواطيء
انطفأ حتى بصيص الأمل
مالت الساعات حزناً تحاول إفاقة الضحايا في قانا
وحين لم تجد بينهم أحياء.. اطمأنت إلى أن رحلة الألم قد انتهت"

وتساءلنا قائلين في أسى
"كم نكبة تكفي كي تستيقظ الضمائر؟
تساؤل آخر لا ينتظر الشهداء إجابة عنه
ها هم يمشون فوق الغمام
يمضون بعيداً
تاركين لنا الأرض..الهاوية"

وفي "فرانكشتاين لا يبيع الياسمين" رسمنا الخط الفاصل بين الإرادة وتجار الخوف

"في الحرب لا يسعك أن تبحث عن دور.. فالأدوار تبحث عنك: إما بطلاً مقاوماً ينهي طقس جنازته باكراً كي يشارك أحبته الغناء.. أو خائناً لا ماء في بئرِ قلبه.. أو خائفاً يبحث عن طوق النجاة من نهايات مؤلمة
فكن من الصنف الأول...وقتها يكون الله خمس أصابع في كف كل مقاتل
ولا تكن لص مقابر..فتكتشف أن الجثة التي بعتها للتو كانت لأخيك
ولا تكن ضحيةً بلا سببٍ.. فالموتى لا تأتيهم الأحلام في نومتهم القسرية"

وفي باب المساخر روينا سلسلة تدوينات قصص وطرائف الرجل الغامض في حكم مصر: حسن التهامي..وأطلقنا شعار "هيا بنا نلعب" في محاولةٍ لتحليل العلاقة بين أسماء و"أفعال" رؤساء الوزراء والحكومات العربية..ونبهنا إلى أن "هناك علاقة نسب ومصاهرة بين الاختلال والاحتلال.. وأول الحرب على الأخير وأشباحه التي تطاردنا ليل نهار تكون بمواجهة الأول بأبواقه النشاز في عقر داره"

وفي مروج الذهب كنا في وداع سيد الحرافيش نجيب محفوظ: "نيلٌ من الحبر والبساطة.. تدفق حتى آخر قطرةٍ بروايات وقصصٍ مسكونة بالواقعية والانتماء"

وقدمنا قراءة نقدية حول رواية "المتنصتون" للأديب أحمد والي التي تتسم بفرادة موضوعها وثراء أسلوبها.. وختمنا بالقول إن "أحمد والي..روائيٌ يغرد خارج السرب وينحت لغته الخاصة وأسلوبه المتفرد..ويدفعنا إلى التساؤل عبر صفحات روايته عما إذا كانت تلك مجرد قريةٍ..أم أنها مجرد صورةٍ مصغرة من وطنٍ يمتد من الخليج إلى المحيط
هنا المجاز ينام على ضفة النهر"

أبحرنا معاً لنقرأ ما أبدعه الروائي وحيد الطويلة في روايته "ألعاب الهوى" التي جعل فيها عزرائيل ابن خال الشخصية الرئيسية..وألقينا الضوء على رواية "مقاطع من سيرة أبو الوفا المصري" للدكتور أشرف الصباغ ..وغفونا فوقَ اِشتعالاتِ الحنينِ وفوقَ خدودِ الشِّعرِ لنقدم ترجمة متواضعة لقصيدة محمود درويش "نسيت غيمة في السرير" إلى اللغة الإنجليزية
في الإعلام نبهنا إلى أن "دمنا يسيل من شاشاتهم" ودافعنا عن "أميرة..والغول". وفي السينما تحدثنا عن أجندة المخرج ستيفن سبيلبرغ عبر فيلمه "ميونيخ" مع مقارنته بفيلم "الجنة الآن" للمخرج هاني أبو أسعد..وكلاهما جعلا لليلة الأوسكار الماضية نكهة شرق أوسطية

وعبر أكثر من شهر قدمنا كتابة تمزج بين الأدب الراقي والتحليل الرياضي لمباريات وأحداث مونديال ألمانيا..كتابة تترسم خطى إدواردو غاليانو في "كرة القدم في الشمس والظل".. ختمناها بتدوينةٍ أعتقد أنها لم تنل حقها من الاهتمام: "كرة القدم: أشرف الحروب"
عن الحرية تكلمنا
دافعنا عن ملائكة الربيع في مواجهة شتاء القسوة..ناقشنا "سلطان الخوف" الذي يسكننا.. أشرنا إلى أن السجين قد يكون "أكبر من الزنزانة" وتركنا في الخاتمة تساؤلاً مشروعاً

"أيها السجان: تظن نفسك الجلاد.. من أدراك أنك لست الضحية؟"
"المدونون" عنوان ثلاث تدوينات كتبناها على فترات متباعدةٍ عن: هيثم يحيى..عطر الإسكندرية الذي تحول إلى نموذج لصحافة التدوين.. وهلال شومان الحكواتي بامتياز... وشريف نجيب ذلك الهدوء الصاخب باقتدار

وعن البشر الذين تركونا أو تركناهم.. كانت هناك معزوفات حزينة: "تلك النخلة" عن الغائب الحاضر فلان الفلاني..
و"جيوب سرية".. و"كتفي يشتاق إلى نعشك" في وداع الصديق الراحل عيسى البشير.. و"الساعة تشير إلى الكتابة" المهداة إلى الواعد محمد طارق..حتى "سم الحكمة" سال على صفحات المدونة

غير أن في الصورة لحظات للبهجة والأمل لأنه وحدهَا الكلمات تترنمُ في رحابِ الحلمِ بأنشودةِ الغدِ الآتي ..إذ قدمنا في "إنها الجينات يا أبي" الصغيرة إيمان ياسر التي تحاول أن تشق طريقها في عالم الكتابة وأن تزرع وردةً في بستان التدوين

لم نتردد في الإجابة عن "تاغات" الأصدقاء المدونين بدءاً من "هكذا تولد الإجابات" مروراً ب" استدراج" و"لحن الوعي"..وانتهاءً بالحديث"عن النساء..وحنين الكمان" ولم نتجاهل أية رسالة تصلنا من المدونين عبر البريد الإلكتروني المثبت في الصفحة الأساسية للمدونة

كشفنا المستور في "اختلاس اللذة..وثالثنا الأمن".. وابتكرنا مصطلح جماعة "تافهون بلا حدود" لهؤلاء الذين يمكن أن يشكلوا أكبر حزبٍ في مصر والعالم العربي وقلنا إن "هؤلاء عادةً جماعةٌ من المتخاذلين والجهلة الذين يفتون بغير علمٍ والمتسلطين على مواقع ليسوا أهلاً لها ولذا يخافون عليها.. تراهم يرتمون في أحضان الروتين ويتفننون في صنع العقبات ويحركون الفخاخ والمصائد..هم العدو فاحذرهم.. لأنهم ببساطة السوس الذي ينخر في جسد المجتمع"

في بداية رحلة التدوين وتحت عنوان "الحقيقة.. تلك الكلمة السحرية" حددنا دستور الالتزام
"وفي وصف حالتنا التي لا تخفى على القاصي والداني.. لا تكون الكتابة ترفاً بل فعلاً ومقاومة وسفينة نجاة.. قبل أن يجتاحنا الطوفان"

وأضفنا قائلين
"دعونا نتحدث عن مختلف الموضوعات بمصارحة تسعى جادة إلى فهم أنفسنا والآخرين
سنحمل معاً المرآة لأنفسنا والآخرين كي نرى الحقيقة ببساطة.. ربما تكون قاسية حيناً..وساخرة في حينٍ آخر.. لكنها تبقى صادقة"

أرجو أن أكون قد فعلت

أرجو أن تكونوا قد فعلتم

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

49 التعليقات على "مثل سيفٍ لا ينطفئ"

أكتب تعليقا