قصة الرجل الغامض في حكم مصر (3): فضيحة..على العشاء

| |





عندما التقى حسن التهامي سراً في المغرب - تحت رعاية العاهل المغربي الملك الحسن الثاني- مع وزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان وقعت طرائف عدة

لنترك التهامي يروي بعضاً منها بأسلوبه الخاص إذ يقول: "في اللقاء الأول: رفضت أن أسلم عليه وقلت له "ما كنت أتوقع أبداً أن أقابلك إلا في ميدان القتال.. فإما أن أقتلك أو أن تقتلني.. ولولا أن هذا الاجتماع تحت مظلة الملك الحسن بالذات ما كنتُ أقبلُ أن ألقاك".. فنظر إليّ بعمق وتفرس ثم أطرق عينيه وقال:" إني أعلم من أقابل اليوم وقرأت عنك قبل حضوري هنا كل ما هو معروفٌ عنك وما قلته وكتبته في حياتك.. وإني أقدرُ ذلك تماماً الآن"

"ونظر في وجهي مرة أخرى ثم أطرق رأسه مرتين وبدأت حديثي معه لا عن السلام كما توقع.. لكني قلت له: "لقد هزمناكم في يوم الغفران وأنت لم تتعود على هذا يا ديان". فرد بدهاءٍ: "إن لي سؤالاً عندك لم أسمع عنه إجابةً حتى اليوم من أي شخص ولا من إسرائيل: ما الذي أوقفكم عن التقدم في سيناء في اليومين الرابع والخامس من الهجوم؟ لقد كنا على استعداد لتسليم الأرض لكم في سيناء والضفة والقدس ونعود نحن اليهود إلى أرض إسرائيل الأولى (يعني إسرائيل قرار التقسيم سنة ألف وتسعمئة وسبعة وأربعين) وبدون قتالٍ على أن نبقى أحياء فقط. وقد قلت هذا لغولدا مائير رئيسة الحكومة فلم تقبل وسافرت إلى أمريكا ونحن جميعاً مذهولون من الصدمة..ولم يكن هناك جنديٌ واحد يريد أن يقاتلكم..وكان جنود المدرعات في العريش يتركون مدرعاتهم ويختبئون في المقابر (جبانة العريش) وبين النخيل وبقينا كذلك حتى جاءتنا الإمدادات الأمريكية بالجسرين الجوي والبحري تحمل المدرعات بأطقمها وتنزل ميدان القتال مباشرةً"

ويروي أنه في اللقاء الثالث من هذه المحادثات السرية وقع بينهما خلافٌ حول شروط التفاوض المصري مع إسرائيل..فبدأ صوت ديان يعلو حتى دخل ثلاثةٌ من حراسه المسلحين إلى صالة الاجتماع لحمايته ظناً منهم أن التهامي اعتدى عليه أو يعتزم ذلك

وعاد التهامي إلى القاهرة لإبلاغ الرئيس المصري أنور السادات بنتائج لقاءاته مع ديان فاقترح عليه اللقاء بعد شهرٍ لبحث الخطوة المقبلة. وفي اللقاء التالي له مع السادات في منزله في الجيزة كان الرئيس المصري يرتدي "جاكيت" من الجلد الشامواه الفاخر من اللون الزيتي.. فما كان من التهامي إلا أن سأله بإعجابٍ عنه فخلعه السادات وأهداه له.. ثم طلب "جاكيت" آخر لديه من النوع نفسه ولكن باللون اللبني.. ثم عرض فكرة اجتماعه سراً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن على حدود رفح.. لكن التهامي يؤكد أنه لم يحبذ الفكرة وقال له: "القدس يا ريس.. القدس".. ثم عرض عليه النزول إلى أرض القدس ومخاطبة شعب إسرائيل مباشرةً


ومع ذلك فإن الرجل نفسه يعود ليناقض أقواله في حديث أدلى به لصحيفة "السياسة" الكويتية أكد فيه أن إسرائيل وحدها استفادت من زيارة السادات للقدس..مما استدعى نشر تصريح في الصحف القومية على لسان مصدر مصري مسؤول مفاده أن تصريحات التهامي تعكس انفعالاته الشخصية ولا تمثل موقفاً رسمياً

ويزعم حسن التهامي أنه اكتشف مخططاً للاعتداء الشخصي على السادات في القدس المحتلة في أثناء مبادرته الشهيرة وهو يسير مشياً على قدميه بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة.. لكن التهامي نجح في وقف هذا المخطط وإحباطه قبل تنفيذه بثوانٍ

ولعل آخر من أدلى بشهادته عن حسن التهامي هو الدكتور بطرس غالي وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية – وطبعاً الأمين العام للأم المتحدة سابقاً- حيث جاء في كتابه "طريق مصر إلى القدس: قصة الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط" ما يكشف الكثير عن شخصية التهامي وأسلوبه وتصرفاته

يقول د.غالي (ص 138) في سياق حديثه عن اجتماع جرى في العاصمة الفرنسية باريس قبيل مؤتمر كامب ديفيد الذي بدأ في سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين: "وفي مأدبة عشاء لنا بمبنى وزارة الخارجية تحدث محمد إبراهيم كامل بالإنجليزية متناولاً العموميات، ولكن حسن التهامي احتكر الحديث، وكان بمثابة عرّاف السادات وسمير الرئيس و"رجل بركة" ورافع للمعنويات. لقد كان التهامي ضابطاً عسكرياً جسوراً ولامعاً في الثورة، ثم أصبح أشبه بالصوفي، مؤمناً بأنه يتلقى في الأحلام تعليمات خاصة من الرسول، وكان يتصور نفسه صلاح الدين المصري الذي يحمل رسالةً خاصة باستعادة القدس والذود عن الإسلام. وكان السادات يرتاح إلى وجوده ويستمتع بصحبته، غير أننا جميعاً كنا نراه إنساناً غير متسق. وكانت له لحية مكثفة على الطريقة الإسلامية الأصولية، الأمر الذي يخالف اللوائح العسكرية. وبالرغم من كل غرابة الأطوار التي كنا نراها فيه، فإنه لعب دوراً مهماً بالنسبة للسادات. فقد سافر التهامي سراً لملاقاة موشي ديان في المغرب، ووصف هذه الرحلة بأنها مهدت الطريق لمبادرة القدس الساداتية. بيد أن اتصال التهامي مع ديان – كما قال لي السادات- لم يكن له دورٌ على الإطلاق في قراره بالذهاب إلى القدس"

هكذا رأى د. بطرس غالي شخصية حسن التهامي..ومع أن في الوصف كثيراً من الصور النمطية والذهنية التي لا تخفى على أحد فإن شهادته تظل مهمة لأنه كان شاهداً على عصر ووقائع بالغة الأهمية

نعود إلى حكاية مأدبة العشاء

يقول د. غالي (ص 139): "الآن ونحن على مأدبة العشاء مع الفرنسيين كان التهامي يكشف كيف أنه في اللحظة الأخيرة قرر عدم تنفيذ مخططاته للإطاحة بالحكومة الأفغانية، وقص مغامرات أخرى كثيرة. وكان الفرنسيون يستمعون إليه باندهاش. وأسرَّ أحد الدبلوماسيين في أذني: "هل هو حقيقة نائب لرئيس وزراء مصر؟" وأجبته بأن التهامي في الحقيقة مستشار خاص للسادات، وأنه لا يتولى مسؤوليات محددة أو سلطات في الحكومة المصرية، ولا يشارك في اجتماعات مجلس الوزراء. ولعدم اقتناعه بهذه الإجابة، عاد الدبلوماسي إلى التساؤل عما إذا كان حسن التهامي سيرأس الوفد المصري في كامب ديفيد، فأكدت له أن الرئيس السادات سوف يرأس الوفد المصري. "ولكن التهامي يحتل المركز الثاني في القيادة"، هكذا أصر الدبلوماسي المتسائل. فقلت له: "نظرياً صحيح، ولكن وزير الخارجية سيكون مسؤولاً عن المفاوضات"

"وبينما نحن نغادر وزارة الخارجية بعد العشاء أسرَّ لي السفير أحمد ماهر مشيراً إلى التهامي بكلمة "فضيحة"! وأضاف محمد كامل الذي التقط هذا التعجب، قائلاً: "ليست هذه سوى البداية". لقد أزعجنا جميعاً الوجود السريالي للتهامي في الوفد"

والشاهد أنه حين يختار الرئيس – أي رئيس- درويشاً ليصبح صديقه المقرب ومستشاره في دهاليز السياسة فإن هذا يدخل الرئيس والدولة نفسها في دائرة الخطر

الأخطر من هذا أن يختار الرئيس هذا الدرويش للمشاركة في مفاوضات مصيرية

لكن السادات قرر تعيين صديقه التهامي - ذا الشخصية المهزوزة في الظاهر والغامضة في الباطن- ضمن الوفد المصري للتفاوض مع إسرائيل في قلعة ليدز البريطانية ثم عيّنه في وفد المفاوضات الرسمي في كامب ديفيد..وكانت له مكانة عند السادات في أثناء المفاوضات الجانبية قد تفوق صلاحيات وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل الذي استقال قبل إبرام اتفاقية كامب ديفيد

ويلقي وزير خارجية مصر في أثناء مفاوضات كامب ديفيد مزيداً من الضوء على شخصية التهامي في سياق كتابه "السلام الضائع في كامب ديفيد"..إذ يصف محمد إبراهيم كامل هذا الرجل الغامض في أول لقاء بينهما بأنه بدا له شخصاً وسيماً ذا عينين زرقاوين وشارب ولحية مدببة، طويل القامة، قوي البنية.. تبدو عليه معالم القوة والحيوية والصحة ويشع من عينيه بريقٌ غريب

ويقول إبراهيم كامل: "كانت هذه هي المرة الأولى التي أقابله فيها. كنت قد سمعت عنه روايات وأساطير غريبة منها أنه كان في صدر شبابه يعيش حياةً متحررة صاخبة ثم تحول فجأةً إلى الدين وإلى التصوف..ومنها أنه كان على اتصال مع الجن والأنبياء ويتحدث مع الموتى"

وفي اللقاء الأول بينهما ظل التهامي يروي قصصاً عن بطولاته وجسارته تتضمن أعمالاً خارقةً لا يصدقها عقل.. ولكنه كان يرويها بتأكيدٍ وثقةٍ لا يقبلان المناقشة. وكان حديثه بالرغم مما فيه من مبالغاتٍ وجنوح إلى الخيال ظريفاً ومسلياً على غرار قصص "ألف ليلة وليلة". وفي الطريق إلى مطار سالزبورغ النمساوي قال التهامي موجهاً حديثه إلى الرئيس السادات إنه يعتقد أن موشي ديان هو المسيح الكذاب الذي تنبأت التوراة بظهوره وإنه قد واجهه بذلك عندما قابله في المغرب (خلال لقاءاتهما السرية).. وهنا قاطعه السادات قائلاً: "يا حسن.. مش عاوزين نجيب سيرة الموضوع ده الآن"

وفي اليوم التالي- العاشر من يوليو تموز عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين- كان محمد إبراهيم كامل في طريقه إلى الفندق عندما قابل التهامي فصافحه الأخير وذكر أنه اتخذ قراراً بأن يهديه أرشيفه السري بأكمله ليكون تحت يديه في الوزارة.. وهو يتضمن وثائق سرية ومعلوماتٍ وبياناتٍ على أكبر قدرٍ من الأهمية.. وأشار إلى أنه رفض تسليمه إلى أي وزيرٍ من وزراء الخارجية السابقين. ثم بدأ يسدي النصح إلى إبراهيم كامل حول موشي ديان قائلاً: "عندما تقابله إذا لاحظت أنه يراوغ في الحديث معك فما عليك إلا أن تقبض يدك اليمنى وأنت تنظر إليه ثم ترفعها أمام وجهه وأنت تصيح "يا تهامي" وستجد أنه سيعود إلى رشده على الفور وبذلك تستطيع التفاهم معه"

وهكذا وضع حسن التهامي يده على نقطة الضعف الخفية لدى موشي ديان

لكن الآتي كان أعظم.. والآتي هنا كان ببساطة: كامب ديفيد

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "قصة الرجل الغامض في حكم مصر (3): فضيحة..على العشاء"

أكتب تعليقا