رئيس لا يقرأ

| |




لم يخطيء الفيلسوف الذي قال يوماً: قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت

وإذا كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر شغوفاً بقراءة التقارير والكتب، وبدا الرئيس أنور السادات أقل حرصاً على هذا الأمر، فإن ما نعرفه هو أن الرئيس حسني مبارك يبدو غير مهتم بالقراءة بشكل عام. بل إن قراءة فاحصة للمقابلات والأحاديث التي أجرتها وسائل الإعلام العربية والأجنبية مع مبارك تكشف عن حقيقة مهمة: الرئيس لا يقرأ

فلم نقرأ أو نسمع عن كتاب أعجب مبارك وساهم في صياغة أفكاره ورؤاه تجاه العالم وقضاياه، ولم نعلم عن كاتبٍ أثير للرئيس – مثل محمد حسنين هيكل في عهد جمال عبد الناصر.. وموسى صبري وأنيس منصور في عهد أنور السادات- يحرص على التهام كتبه ومطالعة مقالاته.. اللهم إن صحت المعلومات التي تقول إن مبارك كان معجباً أيما إعجاب برئيس تحرير جريدة الجمهورية السابق سمير رجب وكبسولاته المضحكة إياها

ولم يشهد من يتابعون الرئيس مبارك في خطبه وتصريحاته التي تتفنن الصحف الرسمية في وصفها بالمهمة والشاملة.. أنه اقتبس يوماً بيت شعر من شاعر فحل أو حتى مغمور، أو أورد حكمة مأثورة نطق بها أحد كبار الأدباء أو الفلاسفة، أو حتى استعان بفقرة من كتاب أو رواية لتوظيفها في أحاديثه وتعليقاته على ما يدور في مصر والعالم

لا شيء على الإطلاق ينبيء بأن الرجل الذي يقود مصر قد استوقفته يوماً فكرة أو أدهشه كتاب أو ألهمه مفكر

والسؤال هو: هل لدينا رئيس شفوي؟ أقصد هل يقرأ مبارك أم أنه يكتفي بالمعلومات الشفوية التي تقال له أو تلخص في تقارير موجهة تصور له أن الدنيا تمام وأن الأمن مستتب، وتصف له المعارضين بأنهم قلة منحرفة

هل يقرأ مبارك تقارير منظمات حقوق الإنسان عن الوضع في مصر وقضايا التعذيب وانتهاكات حقوق المواطنين في أقسام الشرطة والشوارع وصولاً إلى المنازل؟ هل يطالع تفاصيل ما تنشره الصحف المستقلة أو المعارضة عن قضايا فساد فاحت رائحتها حتى زكمت الأنوف، ومأساة آلاف المعتقلين وملايين العاطلين؟ هل وجد وقتاً ليقرأ ما تكتبه المنظمات الدولية عن سكان المقابر وأطفال الشوارع ومعدلات الأمية والأمراض الوبائية والتلوث في مصر الآن؟ هل يتابع القنوات الإخبارية العربية والأجنبية ليتعرف على الجانب الآخر من الموضوع أو الحدث.. أي حدث؟

يدفع الذين يقولون إن الرئيس لا يقرأ بأن مبارك إذا خرج عن النص بانت ثقافته العامة واتضح أنه ليس من هواة الثقافة والمعرفة بشكل عام.. ويشيرون إلى أن هناك من ينتظر خطبه ليستمع إليه بعد أن يرفع عينيه عن الأوراق المكتوبة له.. لأنه يتكلم حينها على سجيته فيعلق ساخراً على أحدهم بالقول "اقعد أحسن يطقلك عرق"، و"خلصي يا.."، و"خش في الموضوع"

بل إن مبارك تحدث في أحد خطبه عن المشكلة السكانية التي اعتبر أنها تلتهم جهود التنمية، ثم نحّى الورق جانباً ليقدم لنا رؤيته حول المشكلة، مشيراُ إلى أن الحل يأتي عندما يرفع كل مواطن رجله.. وكان يقصد أن الناس تنجب كثيرًا وليس عليهم إلا تخفيف لقاءاتهم الحميمية

ولعل الذين حضروا أو قرأوا عن زيارة مبارك لجريدة "الأهرام" بمناسبة احتفالها بمرور مئة وثلاثين سنة على إصدارها.. قد علموا أن الرئيس المصري وفور وصوله إلى موقع الاحتفال في مدينة ‏6‏ أكتوبر‏..استعرض ‏سبعة وثلاثين‏ مانشيتاُ مميزاً ترصد لحظات مهمة في تاريخ مصر الحديث منذ صدور العدد الأول‏ حتي العدد الذي ألقى فيه خطابه الأخير أمام مجلس الشعب. غير أن هؤلاء قد لا يعلمون أن الرئيس مبارك أدهش الحاضرين عندما توقف أمام العدد الأول من الأهرام‏..‏ وقال‏:‏ "كويس قوي أنكم مازلتم تحتفظون بنسخة من العدد الأول من الأهرام‏..كنت أتصور أنه غير موجود‏..‏ ولو كان قد فقد كنت سأشعر بالحزن"

لم يعلق أحد من أعضاء اللجنة التي عكفت على اختيار المانشيتات - وهي لجنة من مركز دراسات التاريخ بالأهرام برئاسة الدكتور يونان لبيب رزق- على هذه التصريحات، مع أنه يفترض برئيس مصر أن يدرك أن "الأهرام" تبيع في معرض القاهرة للكتاب منذ ما لا يقل عن عشرين عاماً نسخاً مصورة من العدد الأول للجريدة.. فالتكنولوجيا المتطورة تتيح ذلك وتجعله أمراً سهلاً وميسوراً

لقد توقف البعض عند النعي الذي رثى فيه الرئيس مبارك أديبنا الكبير نجيب محفوظ، فلاحظوا أنه لم يذكر كلمة واحدة عن أدب نجيب محفوظ ولا تحدث عن أي من قصصه ورواياته..وعقد كثيرون مقارنات بين الكلام العام المنسوب لرئيس مصر في رثاء محفوظ وبين ما قاله الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس وزراء فرنسا دومينيك دى فيلبان ووزير خارجية ألمانيا فالتر شتاينماير وسفير المكسيك في القاهرة


مقارنات كانت كافية لكي يزعم فريق من هؤلاء أن مبارك لم يقرأ رواية واحدة لصاحب الثلاثية و"أولاد حارتنا" و"الشحاذ" و"حضرة المحترم" و"ثرثرة فوق النيل". لقد وصف بوش الأديب نجيب محفوظ بأنه كاتب الروايات والقصص والسيناريوهات التي لا تعرف القوالب الجاهزة، واعتبره فنان الرواية النادر الذي نقل روح المجتمع والشارع المصري وتاريخه إلى العالم كله..أما رئيس الوزراء الفرنسي فقد تحدث عن أدب نجيب محفوظ الذي تحدى في كل رواياته فكرة الخوف وحطم صور التخويف التي اعتاد الكثير من الأدباء استخدامها في صياغة أعمالهم. وذكر سفير المكسيك بالقاهرة بالاسم رواية "زقاق المدق" التي يعشقها المكسيكيون لدرجة أنهم حولوها إلى فيلم سينمائي نال العديد من الجوائز

أما مبارك فلم يذكر أي معلومة تدل على أنه قرأ نجيب محفوظ أو التقط زاوية من زوايا إبداعه وتأثيراته على المجتمع المصري

وخلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع الرئيس الفرنسي
جاك شيراك في إطار جولته الأخيرة، سأل صحفي الرئيس مبارك عن رأيه في توصيات لجنة بيكر-هاملتون الأمريكية بخصوص حل الأزمة العراقية، فما كان من مبارك سوى أن رد بالقول إنه لم يقرأ التقرير بعد ليعلق عليه. وحين يقول رئيس أكبر دولة عربية إنه لم يقرأ فحوى التقرير الذي أقام الدنيا وأقعدها بشأن الوضع في العراق، بعد مرور نحو أسبوع من صدور التقرير، فإن ذلك يعني شيئاً واحداً: الرئيس لا يقرأ

إن الشواهد تقول إن الرئيس عبد الناصر قرأ الكثير من أدبيات الإخوان المسلمين، لكنها لم تكن مقنعةً له في نهاية الأمر.. واهتم أيضاً - كما يقول محمد حسنين هيكل- بما كان يكتبه محمد مندور وعزيز فهمي الذي كان يمثل اليسار الوفدي أو الطليعة الوفدية.. وكانت هذه الكتابات تمثل بالنسبة له ثقافة اليسار عامة. وقرأ عبد الناصر بعض المؤلفات التي أعطاها له أحمد فؤاد في ذلك الوقت
.. وكما قال لهيكل بنفسه إنه توجد أفكار كثيرة جيدة عندهم.. لكنه اختلف معهم في أمرين: في موقفهم من الدين.. وفي فكرة الأممية بالتحديد تجاوز الوطنية بدعوة الأممية

ويوضح عبد الناصر في حديث منشور له مع مراسل " الصنداي تايمز" البريطانية ديفيد وين مورغان نشر في يونيو عام ألف وتسعمئة واثنين وستين كيف أنه أقبل "على الاطلاع بنهم والتهمت كتب المفكرين من أمثال : لاسكي ونهرو، بل وانيورين بيفان، وبدأت الأفكار الاشتراكية تتكون شيئاً فشيئاً "

والسؤال هنا: هل قرأ الرئيس مبارك شيئاً من أدبيات الإخوان المسلمين؟ وهل طالع ما كتبه أقطاب الحركات اليسارية في مصر؟ وهل منح لنفسه وقتاً في فترة من حياته كي يقرأ مؤلفات أدبية وفكرية وعلمية صاغت أفكاره؟ وإذا كان هذا قد حدث فعلاً لماذا لم يتحدث عنه الرئيس مبارك يوماً؟

إن الذي نعرفه يقيناً أن الرئيس يملك ثقافة عسكرية بحكم الدراسة التي نالها والتدريب الذي خضع له، لكننا نحار في
أمر ثقافته العامة والمعارف التي قرأها أو أثرت في تنشئته الفكرية وشكلت رؤيته. ومثلما لم نعهد اهتماماً يذكر لمبارك بالكتاب، فإننا لم نعرف يوماً أنه تحدث عن أحد الفنون البصرية كالسينما أوالفن التشكيلي ولم يصل إلى علمنا أنه تحدث عن فن المسرح أو شاهد عرضاً غنائياً راقياً – باستثناء عروض المناسبات التي تتردد فيها أغنيات من عينة رائعة صفاء أبو السعود "إديها كمان حرية"!

وفي المرات التي يجتمع فيها الرئيس مبارك مع العلماء والمفكرين والفنانين.. نجده يتكلم أكثر مما ينصت.. كأنهم التلاميذ في حضرة الأستاذ.. مع أن الإنصات فريضة في حضرة من يعلم ويفهم ويبدع ويكتشف

لم نعرف أن الرئيس مبارك جمع نخبة من العلماء المصريين في الداخل والخارج وقال لهم: "أريد أن أستمع إليكم" أو سألهم عن أفضل السبل للنهوض بمصر وأخذ يدون ملاحظاته على ما يقولونه ويقترحونه. وفي أعياد العلم والإعلاميين والفن ومعرض القاهرة للكتاب.. نجد الرئيس يلتقي لفيفاً من هؤلاء الذين يفترض أنهم يمثلون هذا المجال أو ذاك..فيحدثهم عن سياساته ولا يتيح لهم المجال كي يقترحوا عليه طريقاً أفضل وسبيلاً أمثل وحلولاً أنجع لإصلاح حال الوطن وأحوال المواطنين

لقد كان الرئيس أنور السادات من هواة مشاهدة الأفلام حتى إنه أخذ معه إلى مفاوضات
كامب ديفيد مجموعة من الأفلام التي يحبها ومن بينها أفلام كوميدية.. لكننا لا نعرف ما هي ثقافة مبارك السينمائية؟ ما الذي يشاهده من أفلام وهل هو مهتم بتيار سينمائي معين أم أنه يعشق أداء تمثيلياً لفنان بعينه؟

لا أحد يعرف.. وربما لا يوجد مثل هذا الاهتمام لأن الرئيس مبارك مشغول لدرجة أنه لا يقرأ عن السينما ولا يشاهد الأفلام

وإذا جئنا إلى تحقيقات الصحف ونتائج استطلاعات الرأي وقياسات الرأي العام ودراسات المراكز السياسية والاستراتيجية تواجهنا معضلة تحديد بوصلة اهتمامات وقراءات مبارك.. فهو لا يستشهد عادةً بنتائج استطلاع من الاستطلاعات.. ويتجاهل أي أرقام تفيد بقياسات محددة للرأي العام، ولا يتكلم عن جهد بحثي رصين لأحد المراكز البحثية أو المجالس القومية المتخصصة
.. أو كشف مهم للمركز القومي للبحوث أو أكاديمية البحث العلمي

وربما يفسر هذا سبب تراجعنا

فالرئيس مبارك يتكلم في خطب أعدها له معاونوه عن أرقام قالوا له إنها صحيحة وموضوعات لم يقرأ عنها بما يكفي.. اللهم إن كان البعض يرى في التقارير والملخصات الرسمية الخير والبركة

في كتابه "محاوراتي مع السادات" يقول أحمد بهاء الدين: "وفي صحفنا، لا تخلو صحيفة على الإطلاق من "محررين نشطين" يعكفون على كتابة التقارير إلى أصحاب السلطة مع اختلاف في المستويات: بدايةً ممن يرتفع مستواه على الكتابة إلى المباحث. وهي كتابات أثرت كثيراً في حياة الصحافة والصحفيين وعلاقات المهنة بالسلطة"

لكن الكاتب الكبير الراحل لم يكن يدرك أن كُتاب التقارير من صحفيين ورؤساء تحرير في عصر مبارك سيفشلون في الكتابة إليه..ببساطة لأن الرئيس مشغول بأشياء كثيرة ليس من بينها القراءة. ومن هنا يشعر بعض كتبة التقارير بخيبة الأمل فينتقلون من الرئيس إلى مستشاريه والمقربين منه..الذين يوزعون عليهم حبوب الطمأنينة قائلين إن الرئيس قرأ لهم وأعجبته مواقفهم المستميتة في الدفاع عن هيبة الدولة ومكانة النظام وصورة الرجل الكبير

وهؤلاء للأسف الشديد لا يفهمون أن الرئيس لديه أولويات كثيرة تتجاوز القراءة والثقافة

أولويات يجادل البعض بأنها لم تحقق للمواطن حلمه بحرية أكبر ومستقبل أفضل وأمان أكثر

يراهن هؤلاء على أن الرئيس هو قارئهم الوحيد.. وينسون أن التاريخ هو الفيصل في هذا الرهان الخاسر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

22 التعليقات على "رئيس لا يقرأ"

أكتب تعليقا