سعيد مهران.. لا تسلم نفسك

| |












وصاح صوت وقور:- سلم، وأعدك بأنك ستعامل بإنسانية
- كإنسانية رؤوف ونبوية وعليش والكلاب! (...)

- حسن ماذا تنوي؟ اختر بين الموت وبين الوقوف أمام العدالة

- فصرخ بازدراء: العدالة!
اللص والكلاب - نجيب محفوظ



من يذكر الآن "صاحب الصوت الوقور" الذي كان يطالب سعيد مهران بالاستسلام عندما حوصر سعيد من قبل المخبرين والكلاب في خاتمة رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب"؟.. لا أحد طبعاً.. حتى أن الأديب الكبير تعمد أن يجعله نكرةً ومجهولاً.. الأمر نفسه يتكرر في الفيلم (بطولة شكري سرحان وشادية- إخراج كمال الشيخ عام ألف وتسعمئة واثنين وستين) المأخوذ عن الرواية الصادرة قبل ذلك بعام واحد

والسبب بسيط: دعاة الاستسلام لا يتذكرهم أحد.. هم مجرد أبواق تطالب بالتخلي عن كل شيء وأي شيء بدعوى أن "المكان كله محاصر"

ومن مفارقات القدر أن نجد "الصوت الوقور" يتجاوز صورة الفرد ليأخذ في عالمنا اليوم شكل الدول وحجم الأنظمة.. دول اكتفت بالصمت ومصمصة الشفاه تجاه المجازر التي تقع والضحايا الذين يسقطون والدماء التي تراق

ومن المؤسف أن الحديث يطال مصر.. فالشيء المؤكد أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لم تكن لترتكب ما ارتكبته لو أنها شعرت للحظة واحدة بأن مصر ستتحرك وتواجه هذه الجرائم بقوة وحسم.. لكن أولمرت ورجاله اطمأنوا إلى أن مصر التي تصر على أنها تلعب دور "الشريك" في عملية السلام اكتفت بأن تؤدي دور "الوسيط".. بل إن وساطة مصر في الشأن الفلسطيني بدأت تركز في الشهور القليلة الماضية على شيء واحد: الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي وقع في الأسر خلال عملية فدائية في الخامس والعشرين من يونيو الماضي

وفي هذه الساحة الخالية من الأصوات المعترضة مارست حكومة أولمرت كل ما تعلمته على يد أريئيل شارون: القتل والترويع والاحتلال ومصادرة الأراضي. أما مصر التي ينتظر منها أبناؤها وباقي أبناء أمتها أن تقود وتقف وتتحرك فقد سكتت عن الكلام المباح وألقت بتصريحات دبلوماسية هنا وهناك ليست كافية لحماية أرواح المدنيين في بيت حانون شمال قطاع غزة

مصر التي ضغطت من أجل الإفراج عن جندي إسرائيلي واحد لم تتحرك على النحو المطلوب عندما تعلق الأمر بالمذابح والمجازر في قطاع غزة وقبلها في مجزرة قانا الثانية وقبلهما في جنين. ومن أجل عيني الجندي شاليط.. حرمت "أم الدنيا" الحكومة الفلسطينية أحد أهم حلفائها القلائل.. خاصةً أن البعض اعتبر مصر منفذ الحكومة الوحيد على العالم الخارجي

من أجل جندي إسرائيلي أسير اتخذت مصر سلسلة مواقف حادة من الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة "حماس".. وشهدناها تتراجع تارةً عن استقبال وزير الخارجية محمود الزهار.. وتوفد تارةً أخرى مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان إلى غزة للقاء أركان الحكومة الفلسطينية في مهمة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها كانت موجهة للضغط على رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بهدف تغيير سياسات تلك الحكومة والعمل على تأمين حرية وسلامة الجندي الإسرائيلي الأسير

وليت مصر فعلت الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بمن سقطوا ضحية الرصاص الإسرائيلي على الحدود. لقد أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها ودمرت غزة وهدمت لبنان بسبب ثلاثة من جنودها وقعوا في الأسر: جندي أسرته ثلاث فصائل فلسطينية واثنان آخران أسرهما "حزب الله".. فهل يعقل أن نسكت على حقوق أبنائنا الذين قتلتهم إسرائيل على الحدود مع مصر؟!..ولماذا لم تتحرك مصر حتى الآن لاستعادة حقوق أبنائها والقصاص من القتلة؟

أسئلة كثيرة حائرة تبحث عن إجابات.. غير أن ما نراه هو أن هذه الحقائق المؤلمة وتلك المجازر الإسرائيلية في غزة وقبلها في لبنان والعراق تعود إلى أسباب عدةٍ لعل أبرزها هو تراجع دور وتأثير مصر

مصر لم تعد ذات ثقلٍ في عالمنا اليوم..والفاعل معلوم

مصر التي تراجع فيها كل شيء.. من ثقافة أصبحت ترفاً.. وتعليمٍ حائر بين السنة الإضافية في التعليم الابتدائي وإلغائها
..وجامعات تتكدس بأعداد تتخرج غير فاهمةٍ لماذا يتم قبولها جميعاً في حين لا توفر الكليات والمعاهد لها فرصة تعليم يعودهم على البحث والفهم بدلاً من التلقين.. ولا توجد أمامها فرص عمل في المستقبل تتناسب مع مؤهلات هؤلاء الخريجين

مصر التي أصبحت فيها النخبة السياسية الوكيل المعتمد لمصالح الرأسمالية الجديدة.. والتي يقول فيها نائب رئيس الوزراء السابق الدكتور يوسف والي "إحنا كلنا سكرتارية للريس".. والتي يتنزه فيها عدد من لصوص المال العام في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة..مصر التي أدمنت الغياب واكتفى وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط بإرسال الأدوية إلى لبنان عقب حرب مدمرة وكأنها مريض بالانفلونزا وليست دولة منكوبةً بأسلحة محظورة واعتداءات وحشية.. واقتصر دور وزير خارجيتها السابق أحمد ماهر على نقل المعلبات إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال حصاره الطويل في مقره برام الله

مصر التي تشهد حالة "تكويش" ليس لها مثيل: على السلطة والمال والمناصب الحكومية والصحفية.. تعاني حالة تهميش للشعب وقواه الاجتماعية والنقابية التي تجأر بالشكوى من التزوير في الانتخابات وتغييب الحريات العامة والحقوق السياسية ليزداد الفارق وتتسع الهوة..فنهوي جميعاً في بحر بلا قرار

مصر التي تراجعت فيها الرموز الحقيقية المعاصرة التي تستحق الاحترام بعملها ومنجزاتها بعيداً عن النفاق والطنطنة والأكاذيب.. فاكتفت الأبواق المعروفة بالحديث عن الماضي العظيم والتاريخ التليد.. مع أن قدماء المصريين سيموتون من الحسرة –وربما من الضحك- لو كانوا بيننا الآن على ما نحن فيه وما آلت إليه الأمور

لقد تراجعت مصر.. ووصلنا إلى نقطة تستدعي وقفة مع النفس ومراجعة شاملة.. لأن التراجع الذي شمل مختلف المجالات أدى إلى الانتقاص من دور وموقع مصر إقليمياً ودولياً. وما نراه الآن في الأراضي الفلسطينية ليس سوى شاهد جديد على عمق المأساة التي نعيشها والتدهور الذي بلغناه

وفي ظل هذا التراجع المؤسف نجد وزير الخارجية أحمد أبو الغيط يقول "إن كل من يتحدث عن تراجع مصر أو هيبتها وسياستها الخارجية لا يقرأ بدقة التطور الحقيقى للأوضاع الدولية". (الأهرام ويكلي)

المشهد القاتم يقول إن هوان مصر أسهم في هوان العرب.. لو كنا تعلم

إن تخلف مصر عن المسار الديمقراطي وبطء خطواتها باتجاه التغيير والتحول نحو التعددية السياسية.. هو بيت القصيد في تراجع دور مصر العربي والإقليمي في هذه المرحلة حينما رضيت بالتراجع قليلاً إلى الوراء منذ نحو ثلاثة عقود. وكما كانت مصر الرسمية هي مصدر الأفكار القومية وحركات التحرر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.. فقد كانت قبل ذلك مصدر أفكار التنوير والإصلاح والنهضة. وحتى عقود قليلة مضت كانت مصر مصدراً مؤثراً يمد العالم العربي بالأفكار والمفاهيم التي ترسم معالم المستقبل وتهدي إلى العرب أسباب تجديد الحياة وقوتها

إن علينا القول إن مصر تتحمل جانباً من المسؤولية التاريخية والحضارية في مواجهة ما يجري في فلسطين ولبنان والعراق. وهي مسؤولية لم تولد من فراغ وإنما تنبع من الثقل التاريخي والاستراتيجي لمصر في قلب العالمين العربي والإسلامي.. وهو الدور الذي يؤهل مصر قبل غيرها لقيادة التغيير والتحول الديمقراطي ليس بأدوات التدخل في شؤون الآخرين على الطريقة الأمريكية.. بل بأدوات ما تمتلكه مصر من مكانة وحساسية ثقافية وقوة ناعمة على رأي محمد حسنين هيكل تؤهلها بالفعل لنقل أفكار التغيير بسلاسة وقوة قد لا تتوفر لأي دولة أو مجتمع عربي آخر

سعيد مهران: لا تسلم نفسك.. فلن يضمنوا لك لا العدالة ولا المعاملة الإنسانية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

15 التعليقات على "سعيد مهران.. لا تسلم نفسك"

أكتب تعليقا