تراث الدقشرمة

| |



الإذلال بممارسة الجنس عنوةً أو التهديد بذلك..اختراعٌ أمني

فقد كان الأمن في مصر أول من لجأ إلى هتك العرض وأحياناً الاغتصاب لانتزاع اعتراف من المتهم..كما استخدم الأمن التهديد بهتك العرض أو الاغتصاب لنساء من أسرة شخص ما هارب أو متهم لدفعه إلى تسليم نفسه إذا كان هارباً أو إجباره على الاعتراف أوالتوقيع على اعترافات معدة سلفاً بهدف تلفيق القضايا

لم يدهش المصريون عندما شاهدوا على شاشة السينما أو التليفزيون شخصية "فرج" الذي يغتصب بطلة فيلم "الكرنك"(إخراج: علي بدرخان.. عام ألف وتسعمئة وستة وسبعين) سعاد حسني لإجبارها على الاعتراف

كان المصري يسمع ويعلم بأن ذلك أمرٌ مألوف ودارج في أقسام الشرطة ولدى أجهزة الأمن
ولعل ذاكرة المدونين تختزن ما جرى للناشط محمد الشرقاوي الذي اختطفته قوات الشرطة مع زميله كريم الشاعر عقب مشاركتهما في مظاهرة أمام نقابة الصحفيين تضامناً مع وقفة القضاة وإحياء لذكرى الأربعاء الأسود (الخامس والعشرين من مايو أيار عام ألفين وستة)..وأقدمت أجهزة الأمن على ضربهما بصورة وحشية أمام العديد من الشهود ثم اقتادتهما إلى قسم قصر النيل حيث استمر تعذيبهما.. وقد وصل التعذيب داخل القسم إلى الاعتداء الجنسي على الشرقاوي



دعونا نتذكر أن المغتصب في المجتمعات الغربية لا يفكر عادةً في إذلال من اغتصبه -رجلاً كان أو امرأة- وإنما هو يريد الحصول على المتعة من طرف واحد. ومن هنا لم نسمع عن ممارسة الجنس قهراً مع المخالفين سياسياً أو هتك أعراض نسائهم في المجتمعات الغربية.. وإنما كان هذا مقصوراً على مجتمعات الشرق ذات التراث المملوكي

والأمن في مصر مرتبط بالسطوة والسلطة.. وإذلال المواطن

وليس أمام المواطن في هذه الحالة سوى أن يتجنب هذه السلطة التي يراها غاشمة.. وأن يخشى على نفسه وأهله من التعامل مع رجل الأمن الذي يُخاطب عادةً في الثقافة الشعبية ب"الباشا"..وكأن رجل الشارع يرى في أعماقه أن الملكية لم تمت وأن عصر الألقاب قائمٌ ما دام رجل الأمن يقمع ويضرب ويعذب

وهكذا تجد الشرطي يمسح حذاءه مجاناً ويأتيه – أثناء عمله – شايه وقهوته مجاناً من المقهى.. وأمين الشرطة يستقل بزيه الرسمي سيارة الأجرة دون أن يدفع أي مقابل.. وإذا كان رجل الأمن ذا رتبة عالية فإنه قد يعتبر في حالات كثيرة عدم دفع مقابل - أو دفع مبالغ رمزية- للخدمات التي يحصل عليها أمراً عادياً: فهو "الباشا" في المطعم ومحل بيع الفاكهة والخضراوات –هل تذكرون مشهد تعامل أحمد زكي في فيلم "زوجة رجل مهم" (إخراج محمد خان..عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين) مع البائع؟- وربما مع المدرس الخصوصي لأبنائه ومحال الملابس التي ترتادها أسرته

إنها جريمة لها جذور تاريخية

يقول الرحالة البريطاني ريتشارد بيرتون الذي زار مصر في عام ألف وثمانمئة وثلاثة وخمسين: "إن المصري إذا تعامل مع ضابط شرطة أو دخل مركز الشرطة لأي أمر كان فلا بد أن يضربه الضابط أو المسؤول عنه على قفاه Upon his kafa حتى قبل أن تثبت عليه التهمة ". ويقول بيرتون"إنك تمر مع المتهمين الآخرين ليأخذ كل منهم (قفا) فإذا جاء دورك أخذت الذي أخذوا. والقفا خاص بالمصري دون سواه.. فإذا كنت أجنبياً تحرزوا في إعطائك القفا وأحالوك إلى قنصلية بلادك". أما عن الضرب بالفلكة "الفلقة" فيفيض بيرتون في الحديث عنه.. على أن الضرب على "العروسة" قد حل بعد ذلك محل الضرب بالفلكة

ويحدثنا رحّالة آخر هو الأمير رودولف ("رحلة الأمير رودولف إلى الشرق" -عبد الرحمن عبدالله- عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين) من الأسرة الحاكمة النمساوية المجرية "آل هابسبرغ" -الذي زار مصر في أواخر عهد الخديوي إسماعيل- عن أن المصرى يخاف خوفاً مرعباً من الذين يلبسون ملابس رسمية. وقص قصة "خولي " أو رئيس أنفار دخل هارباً بين أعواد القصب بمجرد رؤية خادم ملكي يرتدي ملابس رسمية. ويدهش رودولف لذلك مع أنه أمير نمساوي.. وكانت النمسا في ذلك الوقت مشهورة بالحكم القمعي العنيف ومعاملة الفلاحين معاملة سيئة

في عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين صدر كتاب مثير للجدل يحمل عنوان "تراث العبيد في حكم مصر المعاصرة" اكتفى مؤلفه بالتوقيع بالأحرف الأولى "ع.ع".. وبدا من أسلوبه ومضمون كتابه أنه أستاذ جامعي. تناول الكاتب قصة تلك العلاقة الغريبة بين الأمن والمواطن في مصر وأشار إلى حالة الريبة من جانب المصري الذي يخشى دخول أقسام الشرطة والتعامل عبر التاريخ مع رجال الشرطة وحفظ الأمن
ويعزو المؤلف ذلك إلى تراث الرقيق الأبيض أو التراث المملوكي، أو تراث الدقشرمة. والدقشرمة هم رقيق كان العثمانيون يأتون بهم من شرق أوروبا وهم أطفال صغار.. ثم يربونهم ويخضعونهم لتدريبات عسكرية شاقة وتدريبات إدارية ثم يلحقونهم بالجيش أو المناصب الإدارية المهمة. وكان هؤلاء الدقشرمة يعاملون المصريين بغلظة وقسوة وينظرون بتعالٍ إلى أبناء مصر

ويبدو أن سلالة الدقشرمة لم تنقرض بل واصلت التوالد والانتشار على بر مصر

فلا أحد يدري كيف يعتبر مسؤول أمني أو ذو ملابس رسمية نفسه بمجرد تعيينه (حكومة) وبقية الناس (أهالي)..عقدة التعالي ونظرة الاستخفاف بالمواطن وحقوقه ونظرية "الضرب يولَد ..الاعتراف" التي ابتدعها رجال الأمن.. كل هذا يجعل المواطن يخشى التعامل مع الشرطة حتى لو كان شاكياً

ونسي الأمن أن القمع والإيذاء الجسدي والنظرة الدونية قد تقود يوماً إلى انفجار المواطن أو ذراع الأمن نفسها.. مثلما حدث في أحداث الأمن المركزي في فبراير شباط من عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين..حين اضطر الجيش إلى النزول إلى الشارع وفرض حظر التجوال بعد أن فقد الأمن سيطرته على الوضع في مواجهة جنود الأمن المركزي الغاضبين

هل تذكرون فيلم "حلاوة الروح" (إخراج أحمد فؤاد درويش..عام ألف وتسعمئة وتسعين) المأخوذ عن قصة "العسكري الأسود" للأديب يوسف إدريس وحكاية انتقام السجين السابق من الضابط الذي هتك عرضه يوماً.. بأن استباح جسد امرأة الضابط؟...هل فكر السادة الضباط في عواقب جرائمهم وهل نسوا دروس الماضي ومن بينها أحداث الأمن المركزي؟ إن كانوا قد نسوا فإن المصريين لم ينسوا

وسيتذكر المصريون طويلاً أنه بعد أن استباح رجال السلطان الوطن جاء دور هتك العرض.. كأننا محظيات كلاب السلطة

نحن نتذكر.. لكن ذاكرة القمع مثقوبة

ذاكرة تنسى أنها الأب الروحي لما جرى في شوارع وسط القاهرة في أول أيام عيد الفطر..المبارك

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

10 التعليقات على "تراث الدقشرمة"

أكتب تعليقا