انهيار الزعماء: مبارك والأربعون.. دقيقة

| |





لو استمرت الأمور على حالها.. فمصر رايحة في ستين داهية
محمد حسنين هيكل


خدعوك فقالوا: القائد مصنوع من الصلب..ومغلف بالغرانيت

فالقائد أو الزعيم في أي مكان – حتى وإن وصفه البعض بالحكيم أو الزعيم الملهم- بشر.. ينفعل ويغضب ويصرخ.. وينهار

والانهيار لأسباب نفسية صحية على مائدة المفاوضات أوتحت أضواء عدسات المصورين أمر وارد في حياة كثير من الزعماء.. حدث هذا مع الرئيس الأمريكي سابقاً جورج بوش.. والرئيس الروسي سابقاًً بوريس يلتسن.. وقبله الزعيم السوفييتي السابق ليونيد بريجنيف.. وغيرهم الكثير

وربما يكون انهيار الزعماء وكبار المسؤولين – صحياً أو نفسياً- موضوعاً يقود إلى الجدل والخلاف حول ظروف وملابسات ودرجة هذا الانهيار..ولكن يبقى أن تلك الأزمات الصحية أو العصبية تركت علامات فارقة في مسار حياة كل من تعرضوا لها.. أو دقت أجراس الخطر سياسياً واقتصادياً في دولهم ومجتمعاتهم

والرئيس المصري حسني مبارك ليس استثناء

فالرجل الذي يحمل على كتفيه عمره المديد الذي يقترب الآن من التاسعة والسبعين.. تعرض لأزمات صحية أثارت تساؤلات عدة.. ومع أن الصورة الرسمية المرسومة له هو أنه رجل نشيط يحرص على عاداته اليومية والغذائية كطيار عسكري سابق.. فإن السن له أحكام.. والقدر أيضاً

وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تعرض مبارك لوعكة صحية قال فيما بعد للصحفي الأثير لديه سمير رجب على صفحات جريدة "الجمهورية" إن الأمر لا يعدو عن اضطراب معوي بسبب تناوله بعض "الكريمة" على قطعة جاتوه

ولأعوام طويلة انتشرت شائعات حول سوء صحة مبارك.. ولم يُعترف بذلك رسمياً حتى الثامن عشر من نوفمبر تشرين ثانٍ عام ألفين وثلاثة

وجاء الاعتراف غير المقصود على الهواء مباشرة

فبينما كان مبارك يتحدث في افتتاح دورة برلمانية جديدة لمجلسي الشعب والشورى سكت فجأة ثم قال "هو الدنيا برد ولاً إيه"


كان الرئيس مبارك يتصبب عرقاً ويمسح وجهه بمنديل


ووسعت كاميرا التليفزيون الحكومي من الصورة لتبتعد عن التركيز على وجه الرئيس وهو على المنصة وقد بدا عليه الإنهاك الواضح.. وبعد ثوانٍ من ذلك تحولت لتركز على العلم المصري المثبت


وسرعان ما تبين أن مبارك أصيب بإغماءة أمام الملايين من مشاهدي التليفزيون


وبعد ذلك بعشر دقائق تابع التليفزيون المصري بثه الحي


مرت الدقائق ثقيلة وتسمر المشاهدون أمام التليفزيون المصري والقنوات الفضائية لمتابعة صورة غاب عنها البطل الرئيسي. كان الكل في انتظار معرفة ما جرى ومدى تدهور صحة الرئيس المصري الذي نقلَ على الفور إلى قاعة جانبية في البرلمان

سادت حالة من الهرج والمرج بين أعضاء مجلسي الشعب والشورى وباقي كبار الضيوف المدعوين لحضور الحدث.. إلى أن فتح الله على شيخ الجامع الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي فقرر الدعاء بصوت عالٍ أن "يحفظ الله مبارك".. في حين ردد وراءه باقي الحاضرين وأغلبهم من جوقة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم –الذي كان يسيطر على أكثر من تسعين في المئة من مقاعد البرلمان- كلمة واحدة:"آمين".. وغرق بطريرك الكرازة المرقسية الأنبا شنودة في صمته وبدا في حالة ابتهال ودعاء

وكانت أكثر من أربعين دقيقة من التساؤلات عن مبارك.. ومصير الحكم من بعده

ولو أن الأحداث كانت من التراث الغابر لأطلقنا عليها اسم" حسني مبارك والأربعون.. دقيقة"

ولكن بعد تلك الدقائق الثقيلة دوت القاعة بالتصفيق بعد أن أصر الرجل على العودة ومواصلة الخطاب.. بعد اختصاره

وعزا وزير الصحة آنذاك محمد عوض تاج الدين سبب هذا العارض إلى "هبوط مفاجيء في ضغط الدم" بسبب صيام رمضان وآثار نزلة برد شديدة

غير أن هناك من ذهب إلى القول بأن ما حدث كان ببساطة.. أزمة قلبية

وما هي إلا شهور حتى عادت قضية مرض الرئيس تطل برأسها من جديد

ويبدو أن مبارك كان يعاني من آلام مبرحة في الفقرات القطنية اشتدت عليه في رحلة رومانيا.. وزادت وطأتها في روسيا التي زارها في مايو أيار عام ألفين وأربعة

وحسب التقارير المتاحة فإن الرئيس مبارك كشف لبعض مرافقيه في هذه الرحلة عن آلام الظهر التي تهاجمه..مما استدعى اختصار بعض المراسم واللقاءات. وفي طريق عودته إلى القاهرة..وبينما كان يهم بالنزول من سيارته في مطار موسكو.. أصيب بالتواء في القدم فمال بجذعه كله مرة واحدة وبقوة للإمساك بالسيارة

وقد أدت حادثة مطار موسكو..مع الآلام التي كانت تعاود مبارك في الظهر..إلى الإصابة بانزلاق غضروفي بين الفقرتين الرابعة والخامسة زادت من حجم الآلام.. مما استدعى أن يمر - فور عودته إلى العاصمة المصرية- على مستشفى عسكرى لإجراء الفحوص اللازمة. وبعد عودته إلى مصر اختفى الرجل عن اللقاءات العامة على نحو غير معتاد

وسرعان ما عرف الناس الخبر اليقين

ففي أحد أيام شهر يونيو عام ألفين وأربعة علم العامة بمرض الرئيس مبارك وسفره لألمانيا لتلقي العلاج من انزلاق غضروفي

أجهزة الإعلام المصرية حرصت - ربما في حالة نادرة من نوعها- على الكشف عن مرض رئيس الجمهورية وذهابه إلى ألمانيا لتلقي العلاج.. إلا أنها شددت في الوقت نفسه على التقليل من خطورة الوضع الصحي لمبارك.. وأكدت أن الرئيس يتمتع بصحة جيدة وبروح معنوية عالية

وجاء البيان الرسمي على النحو التالي: "صرح مصدر مسئول برئاسة الجمهورية بأن الرئيس حسني مبارك سيتوجه صباح اليوم إلى ألمانيا لإجراء جراحة انزلاق غضروفي ما بين الفقرات القطنية‏..‏ وذلك بناء على ما استقر عليه رأي الفريق الطبي الخاص بالرئيس‏.‏ وأضاف المصدر أنه من المقرر أن تجرى الجراحة صباح غد‏

"وصرح الدكتور محمد عوض تاج الدين وزير الصحة بأن عملية الانزلاق الغضروفي‏ التي سيجريها الرئيس بسيطة‏.‏ وقال‏:‏ إن العملية ما بين الفقرات القطنية ستتم عن طريق المنظار الميكروسكوبي‏..‏ وهي عملية شائعة يتم بها إزالة الغضروف‏.‏ وأضاف أن الفريق الطبي المعالج للرئيس كان لديه أحد خيارين‏:‏ الأول العلاج التحفظي الطبي‏.. ويشمل علاجاً بالدواء‏..‏ وعلاجاً طبيعيا‏..‏ ويستمر فترة طويلة‏.‏ والثاني‏:‏ العلاج السريع وهو إجراء هذه العملية عن طريق المنظار الميكروسكوبي‏.‏ وقد فضل الرئيس هذه الطريقة"‏

في البداية أكد رئيس الفريق الطبي المعالج للرئيس مبارك الطبيب مايكل ماير كبير الأطباء في مستشفى أورتوتسنتروم في ميونيخ أنه لم يتخذ قراره بعد بشأن ما إذا كان التدخل الجراحي أمراً ضرورياً لعلاج مبارك.. وقال "إن حالته (مبارك) طيبة في مثل ظروفه.. إنه يخضع لبرنامج تشخيصي متكامل لتحديد المكان الذي ستجرى فيه العملية بصورة دقيقة تماماً"

وأوضح ماير أنه "سيتم قطعاً خلال الأيام القليلة المقبلة" اتخاذ قرار بشأن إجراء عملية جراحية. وأضاف أن العملية المحتملة تستلزم جراحة دقيقة لإزالة الغضروف المصاب. ووصف العملية بأنها روتينية وتستغرق نحو ساعة.. ويحتاج المريض بعدها إلى البقاء في المستشفى لبضعة أيام

وجاءت تعليقات ماير في الوقت الذي قال فيه شيخ الأزهر في القاهرة إن كل علماء الدين في مصر يدعون الله مع باقي أبناء الوطن كي يعود مبارك سريعاً إلى البلاد

القلق في الشارع المصري كان مرده تساؤل بسيط مفاده: هل يتحمل "الرجل الكبير" عملية جراحية دقيقة كهذه؟

والأهم من ذلك أن المرض الذى تعرض له الرئيس مبارك والعملية الجراحية المنتظرة له في ظهره تمثل لحظة فارقة فى تاريخ حكم مبارك.. فقد تولد انطباع عام لدى الرأي العام بأن صحة وقدرة الرئيس مبارك لم تعد كما كانت في السابق

وهكذا فإن مرض الرئيس مبارك وغيابه بالخارج ومضاعفات هذا بدون وجود نائب للرئيس أو طريقة واضحة للخلافة أصبح الشغل الشاغل للشعب المصري.. ووفقاً للدستور الحالي للبلاد تنص المادة اثنتان وثمانون على ما يلي: "إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاصاته أناب عنه نائب رئيس الجمهورية"

لكن مبارك لم يجد -كما يقول مستشاره السياسي الدكتور أسامة الباز- من يصلح نائباً له.. طوال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية

لم تتبدد غيوم الأسئلة بالرغم من القرار الذي أصدره مبارك قبل سفره بأن يتولى رئيس الوزراء الدكتور عاطف عبيد جانباً من الصلاحيات القانونية والدستورية لرئيس الجمهورية أثناء غيابه

وبالنسبة لمصر المتخمة بالمشكلات فإن آخر شيء كانت تتمناه في هذا التوقيت أن يكون رئيس الجمهورية مريضاً

ثم أجريت الجراحة

وقال الطبيب مايكل ماير الذي أشرف على جراحة إزالة الغضروف التي أجريت للرئيس المصري إنه "في حالة جيدة" وبدأ يمشي بعض الخطوات. وأضاف ماير في مؤتمر صحفي عقده في ميونيخ مع وزير الصحة المصري عوض تاج الدين - نقله التليفزيون المصري- أن مبارك "أمضى ليلة جيدة ونقل صباح أمس إلى غرفته العادية ومشى داخلها بعض الخطوات ونأمل أن نجعله يمشي أكثر خلال الأيام المقبلة"

أما وزير الصحة المصري فقال: " إن القياسات الحيوية للرئيس مبارك كلها مستقرة وطبيعية‏". وأشار‏ إلى أن "ضغط الدم‏‏ والنبض‏‏ والحرارة‏‏ والتنفس‏‏ والأوكسجين في الدم كلها طبيعية تماما ومستقرة"‏‏ وشدد على أن "كل التحاليل المعملية بعد إجراء الجراحة في حدودها الطبيعية"

لم يكن هذا كافياً لطمأنة المراقبين - والعامة- على مدى استقرار الوضع السياسي في مصر.. ورأى كثيرون أنه حتى بعد عودة مبارك فإنه سيكون مضطراً لقضاء فترة طويلة من النقاهة والاسترخاء لتجنب أي حركة مفاجئة قد تكون لها مضاعفات

وكان ضرورياً أن يظهر الرئيس بأي صورة

وفي الرابع والعشرين من يونيو حزيران عام ألفين وأربعة ظهر مبارك شاحباً على شاشة التليفزيون المصري مرتدياً ملابس النوم.. متحدثا إلى المصريين من غرفته في المستشفى ليطمئنهم على صحته ويهيئهم لغياب قد يطول أكثر مما كان متوقعاً

وحرص الرئيس مبارك على أن يؤكد أنه بصحة جيدة..وذكر للمشاهدين أن الأمر يبدو كما لو كان أسبوع استرخاء واستجمام وأنها "أشبه بالعطلة التي يقوم بها أي فرد منكم". والأكثر من هذا وحتى تحاول أجهزة الإعلام الرسمية نفي شائعات عن صحة مبارك قالت الرسالة التي تم بثها عن مبارك إنه حتى وهو مريض يتابع ما يجري في البلاد بنفسه وإنه يجرى اتصالات مع المسؤولين ويتلقى التقارير.. وإن الحكومة تعمل في غيابه بصورة طبيعية

استمر الغياب حتى الثامن من يوليو حين عاد مبارك إلى مصر.. ليتنفس كثيرون الصعداء.. مع أن الأسئلة المطروحة بشأن صحة الرئيس ومستقبل الحكم من بعده ظلت عالقة مثل عقارب ساعة جامعة القاهرة

مبارك يعاني أيضاً من آلام حادة في أذنه جعلته يضع يده على أذنه كلما أراد أن يصيخ السمع لمن يتحدث إليه.. وفي نهاية شهر يوليو تموز من عام ألفين وواحد قالت وكالات الأنباء إن الرئيس مبارك قد مدد فترة زيارته لألمانيا لإجراء فحوص طبية إثر التهاب حاد في الأذن

وقد جاء في "غياث الأمم" للإمام الجويني في صفات الإمام القوَام على أهل الإسلام: "ومما يشترط من الحواس: السمع.. فالأصم الذي يعسر جداً سماعه لا يصلح لهذا المنصب العظيم لما سبق تقريره في البصر"

ولكن مبارك لم يكن الرئيس المصري الوحيد الذي انهار

وهذه قصة تستحق أن نرويها بتفصيل أكثر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

7 التعليقات على "انهيار الزعماء: مبارك والأربعون.. دقيقة"

أكتب تعليقا