أكبر من الزنزانة

| |







هانحن ذا في جوف الظلام

وأي ظلامٍ أشد ظلماً وأحلك ظلمة من السجن

هنا الروح حبيسة والجسد مقيد والحصار يسلمك إلى الحصار

شهور أو سنوات تسلخ من حياتك

لكن الصامد فقط هو ذلك الذي يبقى عصياً على سجانيه.. إنه يضع الجلاد في زنزانة ضيقة اسمها المطاردة والتعذيب..في حين يخرج المقاوم حراً يتنفس هواء إيمانه برسالته

سهى بشارة ..ابنة قرية دير ميماس في جنوب لبنان.. تعيش في منفاها الاختياري بعد أن حاولت اغتيال أنطوان لحد قائد ميليشيات ما يسمى "جيش لبنان الجنوبي" عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين ودفعت ثمناً لذلك نحو عشر سنوات من عمرها في معتقل الخيام سيء السمعة

تقول سهى في كتابها "مقاومة" –بكسر الواو- الذي ترجمه أنطوان أبو زيد ونشرته دار الساقي: " ولكن أفظع الآلام هي تلك التي يستشعرها المرء وهو في قاع زنزانته..إذ يسمع صراخ الآخرين أو الأخريات وهو يثقب رأسه بلا انقطاع.." ص 170

وللمعتقلين في عالمنا العربي ظلماً وبهتاناً أو حتى من دون محاكمة أقول: السجن قبر.. إما للسجين إن استسلم أو للسجان إن طغى

ما أصدق الشاعر حين صنف الناس قائلاً

الناس صنفان: موتى في حياتهمو......وآخرون ببطن الأرض أحياء

وفي الذاكرة بقايا صور: نلسون مانديلا الذي كان أكبر من زنزانته.. صنع هوية وطنه بصبر وأناة حتى أصبحت جنوب إفريقيا على ما هي عليه اليوم

وفاتسلاف هافيل الذي كان يضع فرشاة أسنانه في جيبه أينما حل.. فلا أحد يدري في تشيكوسلوفاكيا السابقة ما هو مصيره إن كان صوته معارضاً.. إلى أن أصبح هذا الأديب رئيساً لتلك الدولة الخارجة من تحت أنقاض الحكم الشيوعي

وتيسير علوني..بصوته الهاديء وأدبه الجم ومهنيته العالية..وإيمانه بأنه يدفع عن أهل الإعلام ضريبة حرية الرأي والتعبير الموضوعي.. في عالم مسكون بالتحيز والتحزب والاستقواء على الأفراد والشعوب

وغيرهم الكثير ممن سيذكرهم التاريخ .. وينسى أسماء سجانيهم



الحرية الحقيقية هي ألا تسجن نفسك في قبو الخوف ومعتقل الاستكانة وزنزانة الاستسلام


في "مذكرات بيت الأموات" يقول فيودور دوستويفسكي عن شقاء تجربة السجن :"انتظرت لحظة الحرية واستدعيتها على عجلٍ لأنني أريد أن أعد نفسي من جديد لنضال جديد".. فمن رحم المعاناة يولد الصمود والإصرار والأمل في غدٍ أفضل
بحروفٍ دالة ومعان أكثر دلالة يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش "إننا ننسى أن السَجَّان هو، بصيغة ما، سجينٌ: إنه سجينٌ بلا أُفُق، ولا يحمل أيّ رسالة، وإنّ ما يبحث عنه ليس هو تحقيق حريته ، وإنما منع الآخَر من أن يكون حُرّاً. إنه ضحيةُ نفسِهِ. السَجَّان لا يستطيعُ الغناءَ لأنه يَجهلُ كلَّ شيء عن الكآبة، إنّه لا يملك، لا الندَم إلى السماء ولا الحنين إلى البحر
"أما السجين، فبالمقابل، يُغَنّي، لأنّ الغناءَ وسيلتُهُ الوحيدة للإحساس بِوُجودِه الخاصّ والبرهنة عليه. وهو في أعماق نفسه يُحِسُّ بأنه أكثرُ حريةً من سجّانِهِ الذي لا يَملِكُ وعياً بحريته الخاصة وبعزلته الخاصة"

أيها السجان: تظن نفسك الجلاد.. من أدراك أنك لست الضحية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "أكبر من الزنزانة"

أكتب تعليقا