الساعة تشير إلى الكتابة

| |

"ليست الحياة ما عاشه المرء.. بل ما يتذكره وكيف يتذكره كي يرويه " ("نعيشها لنرويها"- غابرييل غارثيا ماركيز- ترجمة: رفعت عطفة) -ص 5

ربما حان الوقت كي تكون في صحيفة مثل "الأهرام" صفحة للأحياء.. فقد مات كثيرون وهم في رحلة الحياة ماضون
أو كما يقول الشاعر "فالأحياء هم أبناء عم الموت.. والموتى نيام هادئون وهادئون وهادئون" ("كزهر اللوز أو أبعد"- محمود درويش)- ص 68

وعندما نكتب فإننا نتنفس.. نستنشق هواء الحرية وفعل الإرادة

ولصديقي الذي وقف على حافة اليأس من الكتابة وقرر أن ينتحر بالصمت أقول له

اكتب كي تبقى حياً ترزق

اكتب حتى تضمد جراحك النازفة أو تستأصل من جسد الشارع ما لا يلزم

اكتب لتنفض غبار الذاكرة عن آخر كلمات أبي عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس حين قال: "ذهبت إلى معركة السلطان وعدت حياً. أكثر من مرة كتبت هنا: لقد خانني كل شيء, حتى الموت. لم يبغ الحضور إلى الموعد الذي اقترحته عليه. نفرت مني السيوف وتفاداني الأعداء, ربما لأنهم لم يكونوا أعدائي أنا بالذات. هو الذي أعطاني السيف. ومن جديد أذعن إلى ما لا أتوصل إلى فهمه. لن يكون أمامي من الآن فصاعداً غير الانتظار. عندما يأتي الموت في ساعته - وليس في الساعة التي نحددها نحن له - فتلك مشيئة الحي القيوم الذي له الأسماء الحسنى وما من قوة ولا سلطان إلا قوته وسلطانه, وهو العلي القدير وارث السماوات والأرض" ("المخطوط القرمزي"- أنطونيو غالا - ترجمة: رفعت عطفة- ص 507)

اكتب لأن الكتابة فعل وليست اسماً. فعل كافٍ تماماً كي يكون المبتدأ والخبر معاً في عالم حافل بالجمل الاعتراضية التي ليس لها أي محل من الإعراب.. إلا في عالم الأعراب

والكتابة بصيرة حتى وإن بدت مكابدة.. وكل حرف منك يضيء الطريق لك وللآخرين.. يفتح كوة في جدار القاهرة أو جدار بيروت أو جدار بغداد -وكلها أبناء غير شرعيين لجدار برلين- الذي ترتطم به أحلام نهوضنا من كبوات وعثرات وقيود نظام نتفرج عليه ودابة الأرض تأكل منسأته...إلى أن يخر

لكنه لن يخر إلا بكلمات تقول وتفعل وتكشف في زمن تحولت فيه الصدور إلى مقابر.. والجبن إلى شواهد لتلك القبور

فلنكتب حتى تسقط الجدران ويتساقط المطر الناعم على أرضنا الطيبة فيروي عطشها إلى الحرية

هل شاهدت فيلم
Awakenings

في فيلم المخرجة بيني مارشال - إنتاج العام ألف وتسعمائة وتسعين- يستيقظ العبقري روبرت دي نيرو ورفاقه من غيبوبة طالت ليذوقوا طعم الحياة.. وليبدأ طبيبهم روبن وليامز رحلة الدهشة

من يدري؟ ربما تكون أنت يداً تنشر الصحو وتستدرج الناي إلى العزف..ويكون لكلمات المدونين مفعول السحر من حيث لا يدرون.. ليفيق الذين دخلوا في نفق الغيبوبة منذ زمن بعيد

وإلى أن نخرج من هذا النفق المظلم.. واصل الكتابة.. لنواصل الحياة
عفونا كثيراً.. وغفونا أكثر.. والساعة تشير الآن إلى أي شيء إلا النعاس
لا.. انتظر.. إن عقاربها تشير إلى أن ساعة الكتابة قد حانت
اسكب سطورك التي تقطر حرية في إناء العقل وفضاء الروح.. فكل حرف مغموس بحبر الصدق والإيمان يبعدنا خطوة أخرى عن حالتنا المزرية كجمهورية موز أو مملكة فساد أو إمارة لذة
اكتب..ففي كل ديانة كتاب مقدس.. وفي كل ثورة كلمات مقدسة

وفي كل شعب صوت فتي .. لحروفه طعم الثورة ومهابة التقديس
وأنت.. أنت.. هو ذلك الصوت الحر الذي ينحاز إلى مستقبل أفضل
فما أجملك

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "الساعة تشير إلى الكتابة"

أكتب تعليقا