سم الحكمة

| |

 
 
 
كيف عَرَفْت؟
فاجأني سؤالُ مُزنة، قبل أن أبدي دهشتي لاتصالِها الهاتفي في هذا الوقتِ المتأخر من الليل.
عادتْ لتسألني ببطء، كأن الكلام يقطع مسافة طويلة في جسدها قبل أن يصلَ إلى حنجرتها: كيف عرفتَ أنها ستكون تجربةً عاطفية فاشلة؟
تذكرتُ حوارًا سابقـًا مع صديقتي - التي تحوَّلَ احتفالها بعيد ميلادها الثاني والثلاثين إلى هاجسٍ يؤرقها- عن الحُبِّ الجديد الذي دخلَ حياتها وأضاف إليها ألوانـًا جديدة. يومها قلتُ لها: "للأسف، لا أرى أي فرصةٍ لنجاحِ تلك المغامرة العاطفية".. لكنها لم تقتنع بالمشورة التي قدمتُها لها بناء على طلبها.
لم تدركْ أنه مجردُ وهج.. اشتعال صنعته لحظة ما غامضة بين رجلٍ وامرأة.. كيمياء تفاعلت بين عاطفتها ورغبته.
في مكانٍ ما التقيا.. وفي اللحظة التي تلاقت فيها الأعين الباحثة عن مهرب من تلك الرتابة.. ولدت شرارةُ إعجاب وقفزت إلى السطحِ مغامرةٌ لا يعرفُ أحدٌ ما الذي ستنتهي إليه.
بخفةٍ تسلل إليها وهي تختارُ بين أصناف الأطعمة والحلوى الممتدة في قاعةٍ فخمة.. في اليوم الأخير للتدريب في المعهد الذي التقيا فيه.. همسَ في أذنها بصوت متهدج وردتْ بنظرةٍ ملؤها السعادة لأنه أذابَ الجليد وحطمَ الحواجز بسهولة.. فاجأته بالقول إنها لا تطيقُ الزحام، فقال لها: زحامٌ كثير.. لكن لا أحد.. أنتِ فقط هنا.
عرضَ عليها الابتعاد عن هؤلاء الذين ارتدوا أحسن ما لديهم ليحتفلوا بانتهاء دورة التدريب.. سارا مبتعدين، وكان لوقعِ خطواتهما هسيسُ حبيبين.
كانت تتكلمُ وتتكلم.. وكان عقله يفكرُ بسرعةٍ في الخطوة التالية، وهو يُلقي نظرة معجونة بشبق طازج على بشرتها الحليبية. في مكان منزوٍ كان النداء وبدأت المغامرة.. لمسَ خصلات شعرها فوجدها تتابعُ يده باطمئنان ونصف إغماضة عين.. ضمها إليه بقوة والتقط من حباتِ الكرز على شفتيها ما شاء.
عناقٌ كأنه الجمر.
ذابا في لحظة اختارتهما قبل أن يختاراها، ويتوغلا في معارجِ التيه.
ولم تتملص منه إلا بعد أن أيقظَ مملكةَ الحواسِ، وتجرعَ سُرتَها، ولمسَ حديقتها السرية بهدوء كاهنٍ، حتى شعرتْ بنفسها تتأودُ بين يديه. نسيا فكرة المكانِ العام، وأصبح كل المكان خاصـًا بهما، فيما أصواتٌ في الخارج تتناهى إلى أسماعهما.
أما الطيور فأخذت تلتقطُ ملابسهما المتناثرة؛ لتبني بها أعشاشها.
تواعدا بعدها أكثر من مرة.. حكت لي تفاصيلَ المغامرة والعلاقة، فكانت الإجابة التي لم تعجبها.
اختفتْ عني أخبارُها نحو شهرٍ، ثم عادتْ لتروي لي عن خيبة أملها في تلك التجربة وكان السؤال: كيف عرَفت؟
سؤالٌ سمعه كثيرًا بيدبا الحكيم من ملك الهند دبشليم.
والأسئلة ذئاب جائعة، لا تعرف من أين تنقض عليك.
قلتُ لها: المستكشفُ الذي يقرأ خارطة الجسد قبل أن يتقن لغةَ العقل.. قد يبحرُ يومـًا إلى قارةٍ أخرى ومغامرة جديدة.
نعم.. قد تنادينا الرغبة يومـًا وتضرب لنا موعدًا من دون ترتيب مسبق.. لكن نداء الجسد مراوغٌ.. يشتعلُ بسهولةٍ وينطفئ بسهولةٍ أكبر.
والنبتةُ التي لا نرويها بماءِ المحبة والصدق وينسج لها النضج خيوطَ الدفء.. سرعان ما تصبح نبتة شيطانية، تكبرُ على غير هدى، إلى أن تقتلعها يدٌ تريدُ تشذيبَ المكانِ من غوغائية امتدادِها المجنون.
كان نداء مُلحـًا، لكنه أضاعَ البوصلة.. وفي دروبِ الحياة لا بدّ من بوصلة العقل، مثلما لا مفر من رياح العاطفة.
قلتُ لها إنه لم يكن سوى عروة من دون صعاليك.. لص بقلب عاشقٍ.
وأضفت قائلاً إن ما حدث ليس سوى  One night stand
جادلتني بحدة قائلة إن علاقتهما امتدت شهرًا كاملاً ولم تكن نزوة ليوم واحد.
لكن، من قال إن نزوة اليوم الواحد لا يمكن أن تمتد بقوة الدفع الذاتي مدة شهر أو أكثر؟
أجبتها: الحُبُّ من أول نظرة، هو كسلُ الذهن.. والمسافة بين ليلين ليست نهارًا.
قالت لي إنها تبكي ندمـًا وإنها لن تصدقَ رجلاً بعد الآن.. قبل أن تستدركَ قائلة: إلا أنت؛ لأنك صديقي.
وكأن الصديقَ لا يمكن أن يكون رجلاً!
أضافت أنها تحاولُ أن تداوي جرحها وأحزانها بعد أن نالت منحة لدراسة الماجستير في بريطانيا.
لكنها خرجت فجأة من أحزانها لتسألني ببراءةٍ مدهشة: قل لي، ماذا يمكنُ أن يحدثَ لي هناك؟
في المسرح الحي، نقرأ الحاضر بعد أن سممتنا حكمةُ الماضي.. فيسألوننا عن المستقبل.
يقولُ أمير القوافي أحمد شوقي:
"وقال البعض: كيدُك غيرُ خافٍ... وقالوا: رميةٌ من غير رام".
آهٍ.. كم تُسممنا الحكمة؟!
 

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "سم الحكمة"

أكتب تعليقا