أميرة.. والغول

| |

وهكذا يأكل الخوف الروح

وهكذا يحاول غول عقوبة الحبس في قضايا النشر التهام ضحية جديدة

وهكذا تتحول السلطة في مصر إلى راقصة استربتيز تتعرى بابتذال.. ومجاناً

تخلع السلطة التنفيذية غلالتها الحريرية الشفافة.. قلنا ماشي.. ليس على السلطة التنفيذية حرج

تتلوى السلطة التشريعية كالأفعى داخل مجلس الشعب كأنه يراد بها وتقول في خلاعة: هيت لك.. قلنا ممكن أن يحدث هذا.. هداها الله وتاب عليها من الأكل بثدييها

لكن أن تتحول أحكام السلطة القضائية التي نحترمها إلى تهديد لجموع الصحفيين.. مع أنه من المفروض أننا في خندق واحد ونخوض معركة شرسة من أجل كرامة هذا الوطن.. فإن الأمر يبدو أكبر من أي قدرة على الاحتمال

لقد صدمني الحكم الصادر اليوم ضد الصحفية أميرة ملش.. وهزني بعنف لأنه صدر عن سلطة كنت أقول دائما إنها آخر قلاع الوطنية وطهارة اليد في مصر اليوم

الحكم الذي صدر في الجلسة الأولى- قيل لي إنها استمرت نحو ثماني دقائق فقط- عن محكمة جنايات جنوب الجيزة بحبس أميرة لمدة سنة بتهمة سب وقذف قاض ليس له سوى معنى واحد.. هو أن السلطة أصبحت تضيق ذرعاً بالحرية بشكل عام.. وتعاني من حساسية مفرطة وتصلب شرايين كلما ورد أمامها اسم الصحافة

أميرة التي شقت طريقها بثبات على صفحات جريدة "صوت الأمة" والآن "الفجر".. وجدت نفسها فجأة متهمة تعيش قل
الدفاع عن النفس.. لا لشيء سوى أنها كانت تؤدي عملها

أتذكر أول يوم دخلت فيه أميرة ملش عالم الصحافة.. فتاة نابهة في مطلع العشرينيات تجمع بين البراءة والحماسة وتتطلع بطموح إلى إثبات وجودها.. قالت لي إنها ظلت ساهرة طوال الليل لإنجاز التحقيق الصحفي الأول الذي كلفتها القيام به بوصفي مديراً لتحرير "صوت الأمة".. وحين قرأت الصفحات التي خطتها يدها على ورق الصحف أدركت على الفور أنها لم تأت إلى السلطة الرابعة من باب التسلية أو الوجاهة.. وإنما جاءت لتتعلم وتتقدم

وعندما قرأ الصحفي عادل حمودة مسودة موضوعها سألني عمن تكون كاتبة تلك السطور..فأجبته بأنها فتاة متدربة ينتظرها مستقبل صحفي مشرق.. وقد كان

وبعد شهور قلائل بدأ نجمها يلمع بفضل قلمها الجريء وإخلاصها لعملها الصحفي.. وبقيت وفية على الدوام لأول يد امتدت إليها لتساعدها في خطواتها الأولى في عالم الصحافة

والآن تواجه أميرة ملش الخطر الذي عاشه كثيرون من أبناء تلك المهنة.. مجدي أحمد حسين وجمال فهمي وإبراهيم عيسى وعادل حمودة وصلاح بديوي.. إلخ.. وربما كان آخرهم عبد الناصر الزهيري الصحفي بجريدة "المصري اليوم" الذي يدفع بدوره الثمن الباهظ لكشف الحقيقة في مصر

وكانت النيابة قد حققت مع أميرة في بلاغ تقدم به قاض ضدها في العام الماضي بعد أن نشرت صحيفة "الفجر" تقريرا بتوقيعها عن تحقيقات كانت تجريها نيابة الإسكندرية مع سكرتير محكمة ومحام وشخص قالت الصحيفة إنه دفع رشوة
محاضر التحقيق تضمنت أن الرشوة ذهبت إلى القاضي.. فهل يغضب القضاة لمجرد أن التحقيق يقول إن هناك شخصا متهماً بالفساد في صفوفهم؟ ليس هناك مجتمع كله من الملائكة
وأحسب أن قضاة مصر يعرفون أن التاريخ حمل لنا قصصاً عن تجاوزات ارتكبها قضاة ومستشارون.. لأنهم في النهاية بشر.. هناك من يخطيء ويتحمل وزر خطئه.. وبالتالي فإنه لا يضير باقي الجسم القضائي السليم خطؤه

ولا بد أن بعضكم يعرف أو قرأ عن وعد مدهون بزبدة أعطاه الرئيس حسني مبارك لنقيب الصحفيين جلال عارف في فبراير شباط من العام ألفين وأربعة بالعمل على إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر.. لكن مجلس الشعب –بقيادة مايسترو السيدة زينب فتحي سرور- لم يناقش حتى الآن تعديلات اقترحتها نقابة الصحفيين على قانوني العقوبات والصحافة خلال مفاوضات مع وزارة العدل التي مثلت الحكومة

بل إن الصحفيين وجدوا أنفسهم واقفين على حافة الخطر حين تضمن قانون مباشرة الحقوق السياسية الجديد الذي أصدره مجلس الشعب في العام الماضي مادة تتيح حبس الصحفيين إذا ارتكبوا جريمة السب والقذف ضد مرشحين للانتخابات

ويوم الجمعة الماضي قالت نقابة الصحفيين إن وزير الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية السابق محمد إبراهيم سليمان تنازل عن ثمان وثلاثين دعوى قضائية أقامها ضد صحفيين يطالب فيها بحبسهم وتغريمهم بتهمة السب والقذف.. رقم مخيف بالنسبة لوزير يعرف كثيرون ما الذي شهدته الوزارة المذكورة في عهده الميمون

ومنذ سنوات يطالب صحفيون وسياسيون وناشطون في مجال حقوق الإنسان بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر وتقدمت منظمات حقوقية وصحفية دولية إلى الحكومة المصرية بالمطلب نفسه.. لكن للأسف فإن آذان الحكومة مخارجها
أكثر من مداخلها
إنها مواجهة بين صحافة تكتب وسلطة تكتم
بين صحافة تنشر وسلطة تنشب أظفارها في الباحثين عن الحقيقة
وفي ظل هذه المواجهة المؤلمة نقول إننا نرفض أي عصا غليظة في يد فتوة الراقصة.. تهدد وتتوعد.. وتطالب الجميع بالتواطؤ والانضمام إلى نادي" الشيطان الأخرس" الذي حانت ساعة مواجهته بحسم
وإذا كان لابد أن يخرس أحد.. فليخرس الشيطان وأتباعه

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "أميرة.. والغول"

أكتب تعليقا