الليل وآخره

| |







"سهران لوحدي"




ربما لأني بطبيعتي كائن ليلي

سألني المخرج الصحفي حسين جبيل يوماً: "متى تنام؟" وكانت إجابتي ابتسامة خفيفة..أما الصحفي والأديب سعد القرش (اشتقت إليك يا سعد) فسألني دون مواربة: "ماذا تفعل بهذه الثواني التي تختصرها من هنا وهناك", فأجبته قائلاً:"أصنع منها دقائق"

ولكن, لماذا يسألني كثيرون عن حكاية النوم هذه؟ هل لأني معروف بدأبي الشديد وقدرتي على مواصلة العمل لفترات طويلة دون شكوى أو تذمر؟ أم لأني من النوع الذي يصبح أكثر انتباهاً ويقظة عندما يوغل الليل في سفره؟

لست أدري, غير أن جوهر المسألة هو القدرة على تحمل ضغوط العمل ومواصلته إلى أن تنجز المطلوب منك

أعرف أناساً ينامون بمجرد أن تلمس رؤوسهم الوسائد...كان صديقي الراحل أيمن عماد - صاحب اللمسات السحرية في طهي ما لذ وطاب من طعام- يقول لي إذا أقام ليلة في منزلي: "تصبح على خير" فإذا هو غارق في النوم

لكني أجد دائماً متعة في السهر, مثلما لا أجد مانعاً في العمل بشكل متواصل لساعات طويلة

هل هو إدمان السهر أم إدمان العمل؟

سؤال صعب ردده كثيرون على مسامعي.. إلا أن الإجابة عنه قد تكمن في أن تحب ما تفعله وأن تفعل ما تحبه.. وكما كتب سكوت فيتزجيرالد: "وهكذا ُنقهر"

لا أتصور نفسي على سبيل المثال محاسباً منهمكاً في الأرقام, ولا أرى نفسي موظفا يعمل حتى العصر, يقفل بعد ذلك عائدا إلى كهف الروتين اليومي

في سنوات الطفولة.. كان أبي حريصاً على أن يمر على غرفتي ليلاً ليتأكد أني نمت فعلاً..وأني لا أحاول قراءة أوراق جريدة أو كتاب على ضوء القمر الخافت المتسرب من النافذة. أما أمي –رحمها الله- فكان أكثر ما يقلقها أن كثرة السهر والقراءة تضر بالنظر. ليتها كانت بيننا اليوم لترى النظارة المعلقة على وجهي

على فكرة.. قرأت ذات مرة أنه يتعين التغلب على الأرق بتجنب التدخين (لكني الوحيد بين أشقائي الذي لا يدخن!), حيث أن النيكوتين محفز عصبي ويسبب مشكلات في النوم. كما ينصح الأطباء بأن تتجنب ليلاً المشروبات التي تحتوي على الكافيين مثل الشاي والقهوة والكولا, ويوصون بعدم تناول الجبن والشيكولاتة
صديقي العزيز محمد هاني مدير تحرير مجلة روز اليوسف.. كان يقول لي ونحن ندرس في منزل أسرته القديم في ميت غمر قبيل الامتحانات:" أنت مثل السمك.. تنام وعيناك مفتوحتان"

ابنتي الصغرى إيمان جاءتني ذات ليلة قبل نحو خمس سنوات وأنا جالس إلى الكمبيوتر أنجز صفحات كتابي "ذاكرة القرن العشرين" ..وقالت لي: "بابا.. أريد أن أسهر معك لأرى الفجر".. ولما كانت في إجازتها الصيفية قررت أن آخذها معي إلى مغامرة السهر حتى مطلع الفجر.. من شاشة الكمبيوتر.. واستعراض رسومها البريئة..إلى الشرفة الواسعة - كم كنت أحب مراقبة النباتات وهي تنمو في الحديقة الخلفية للمبنى الذي نعيش فيه- ثم إلى المطبخ لإعداد مشروب ساخن والتقاط حبات من الفاكهة (جاء في دراستين حديثتين أن زيادة السهر تزيد من مستوى هرمون الجوع.. وتقلل من مستوى هرمون الشبع في الجسم). وحين لاح ضوء الصباح.. انتهت السهرة وقررنا الخلود إلى النوم.. ولم يكن أمامي سوى سويعات قلائل قبل أن أستيقظ مجددا لأبدأ يوماً جديداً حافلاً بالنشاط

وحتى يومنا هذا تتذكر إيمان تلك السهرة الاستثنائية وترويها وهي تتذوق تفاصيلها

والسهر مثل الحياة: ليس مهماً أن تستمر طويلاً.. وإنما الأهم أن يكون لاستمرارك فائدة

تصبحون على خير

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "الليل وآخره"

أكتب تعليقا