سلطان الخوف

| |





"لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنيا"
مارتن لوثر كنغ
ربما من قبيل المصادفة أن تكون أولى روايات الأديب نجيب محفوظ التي حظيت بقراءتها هي "أولاد حارتنا".. عالم غريب مليء بالقصص والحكايات المدهشة التي أسرت قلب وعقل فتى في الثانية عشرة من العمر. لم أكن أعرف وقتها تفاصيل الجدل الدائر حول الرواية
ولا الاعتراضات التي يثيرها البعض ضد كاتبها
غير أن ما استوقفني حقاً هو عالم الفتوات
وأول ما تبادر إلى ذهني هو: من هو الفتوة؟ ولماذا يسمح له الآخرون بأن يكون كذلك؟ ما هو سر الطغيان والجبروت الذي يمارسه على الآخرين؟
تجربة الحياة علمتني أن الفتوة مولود شرعي لخوف الآخرين
فلا يمكن أن يظهر فتوة أو طاغية في مكان أو بلد ما إلا إذا كان مناخ هذا المكان أو البلد مسكونا بالخوف.. الخوف من القوة أو السلطة أو المال...إلخ

الخائفون إذن هم تربة ينبت فيها الطغاة
هؤلاء الذين يصنعون لأنفسهم أصناما يخضعون لها مع أنهم هم الذين صنعوها بل ويستطيعون تحطيمها إن امتلكوا العلم والإرادة والعلم

نعم لأن الجهل هو العنصر الآخر الذي يغذي الطغاة ويمدهم بمزيد من الطغيان

لا أعرف شعبا حيا يملك العلم والإرادة يقبل بطاغية أو يسكت عليه ..لمدة ربع قرن مثلاً.. أقول: مثلاً
يقول الله –عز وجل- في محكم آياته: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء- 97)
إن الاستكانة والأنامالية والسلبية والفرقة تولد كلها ضعفا ينهش في جسد الجماعة أو الأمة.. أي أمة.. الأمر الذي يساعد على ظهور طغاة وفتوات في كل عصر
أما المستكينون الذين يستسلمون ويرفعون الراية البيضاء دون مقاومة, فهؤلاء هم الذين يسمحون لمصاصي الدماء بالتغذي على دمائهم.. ودمائنا

والسكوت على الخطأ في رأيي خطيئة

ومن هنا تبدو أهمية الكلام.. فالكلمة سلطان إن هي قامت بواجبها في الدفاع عن الحق أو في مواجهة الباطل. أما الألفاظ الجوفاء التي قد تصنع ضجيجا لكنها لا تدفع شرا أو تجلب شيئا من النصر ولا بأس إن لم تصب مقتلا من عدو أو ترده

علي الأقل عن عدوانه..فهي المعول الذي يهدم ولا يبني شيئاً

في المشهد الأول من مسرحية "مأساة الحلاج الصوفي الثائر" للشاعر المصري صلاح عبد الصبور ترى جماعة من العابرين جسد الحلاج ممزقا مشدودا إلي الصليب فيسألون ياقوم‏!‏ من هذا الشيخ المصلوب؟ ويجيب مقدم الحاضرين‏:‏ أحد الفقراء... ويمضي الحوار:"هل تعرف من قتله؟ نحن القتلة هل فيكم جلاد؟ لا‏..‏ لا أبأيديكم؟ بل بالكلمات‏!‏"كان هؤلاء –كما يقول الناقد الراحل الدكتور عبد القادر القط- ("هل كان ذلك بالأمس؟"- الأهرام - 5-نوفمبر-2001":
" شهود الزور الذين أغراهم ذهب السلطان وأرهبهم سيفه فشهدوا بزندقة الحلاج وقتلوه بالكلمات‏"


وفي مسرحية "بعد أن يموت الملك" لصلاح عبد الصبور أيضاً.. يحس الشاعر بضعفه أمام رجال البلاط.. فهم يملكون السيف ولا سلاح له إلا الكلمات فيقول‏:‏‏ "..‏ لكن ماذا تصنع كلماتي؟ هي أهون من أن تطمح للفعل أهون من أن تغدو سيفاً أو ترساً كي تقتل أو تحمي من يقتل".. وتجيب الملكة‏:‏"لاتبخس كلماتك ما تستأهله من قدر فالكلمة قد تفعل"
نعم..الكلمة قد تفعل الكثير

انزعوا عنكم سلطان الخوف.. لنقضي على الفتوات ونحطم أصنام الطغاة التي صنعناها.. بدلا من أن نتحول بصمتنا المريب إلى شهود زور

..أما الذين يقولون لك بعدم مبالاة إنك لن تستطيع تغيير الكون.. فهؤلاء أقول لهم
نعم.. أنا وأنت نستطيع تغيير الكون

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "سلطان الخوف"

أكتب تعليقا